((العولمة في بعدها الثقافي )) (بتصرف)
الحلقة الثالثة :
محركات ودوافع العولمة :
مما سبق نستشف أن مصطلح العولمة جديد ، ولكن عملية العولمة ذاتها - بمعنى التطلع إلى

الوصول إلى الأسواق العالمية ونشر المفاهيم الغربية على نطاق العالم بدأ مع الحضارة

المادية الحديثة . ولكن ما الدوافع التي أدت إلى الإسراع في عملية العولمة هذه في السنوات

الأخيرة ؟
يعتقد الكثيرون أن العولمة خرجت من رحم الإقتصاد ، والحقيقة أن الإقتصاد له دور بارز في

هذه الظاهرة لكن لايمكن أن تجاهل دور السياسة والإعلام فهي كلها عوامل مترابطة أدت إلى

المسارعة في التبشير بالعولمة ، ولعلنا نوجز هذه الدوافع فيما يلي :
1- الثورة التقنية التي أطلق عليها الثورة الصناعية الثالثة
2- تحرير التجارة الخارجية بين الدول وتحرير الاقتصاد ورفع القيود عن النشاط الإقتصادي
3- الشركات متعددة الجنسيات .
4- سقوط الشيوعية وانتهاء الحرب الباردة .
ملا حضات حول العولمة :
أولا :
المتابع يعرف أن العولمة - كخطوة من خطوات الحضارة الأوربية الحديثة - دفعت إلى

التوجهت إلى التغريب في كثير من المجتمعات ولكنه يشاهد ويسمع التبرم الذي بيديه العالم من

آثار العولمة على المستوى الإقتصادي أولا ، ثم المستوى الثقافي.
فعلى مستوى لاثقافة نجد أبناء الحضارة الأوربية الواحدة يبدون الضيق من سيطرة الأقوى

فيهم على الآخرين ،ففي مواجهة الهيمنة الفرنسية تشريعا يقضي بأن لا تزيد نسبة البرامج

الأجنبية في شبكات الكاوبل على 30% من مجموع البرامج وتشجعت اتحادها الإعلامية

والثقافية على بناء تكتلات إعلامية تستطيع مواجهة الإنتاج الضخم للاحتكارات الأمريكية . وقد

بلغ تأثير الثقافة الإعلامية والتلفزيونية الأمريكية على دولة مثل كندا الحد الذي أكد معه خبراء

تربية الأطفال من كثرة ما يشاهدون من برامج أمريكية أضحوا لايدركون أنهم كنديون ،وقد

عبر وزير الخارجية الكندي الأسبق عن ذلك قائلاًلإن كان الاحتكار أمراً سيئا في صناعة

استهلاكية ، فأنه أسوأ إلى أقصى درجة في صناعة الثقافة حيث لايقتصر الأمر على تثبيت

الأسعار وإنما تثبيت الأفكار أيضا . وفي ثقافة مناقضة للحضارة المادية الحديثة كالثقافة

الإسلامية لاشك أن الوضع أصعب ،والضيق من هذه الثقافة المعولمة أكثر ، لذلك يعبر

المفكرون عن ذلك بعبارات ذات دلالة كالغزو الثقافي والفكري وتبعية الثقافة والفكر وغيرذلك.
ثانيا : يمكن النظر إلى العولمة من عدة زوايا فمن زاوية الواقع فلاشك في أننا نعيش في

عالم متداخل سهل فيه الإتصال والتواصل بين شعوب العالم كما أن من المؤكد أن هناك أنماطا

من السلوك والقيم الغربية تزداد انتشارا خارج الدوائر الثقافية والحضارية التي أنتجتها .

ولذلك لعدة أسباب لعل أهمها ثقافة الصور المنمقة في الإعلام . ولذلك يؤكد المحللون أن هذا

الإنتشار للسلوكيات الغربية أسهم في التأكيد على الهوية والخصوصية الثقافية .
كما يمكن النظر إلى العولمة من زواية الأيديولوجيا .فنحن نسمع عمن يرفض العولمة

،وهؤلاءفي الحقيقة برفضون المحتوى الفكري والمذهبي التي يتمثل في أفكار الجهات التي

تقود العولمة وتحركها . فمن يمتلك شبكات الاتصال وشبكات المعلومات والقنوات الفضائية

مثلا تتاح الفرصة لنشر ما يؤمن به من فكر ومباديء .وكذلك القوى التي تدير التجارة العالمية

تصدر عن الفلسفة التي تحملها , وهذا يتضح على مستوى السياسات العلمية ،فهذه الجهات

التي تحرك عملية العولمة تحاول ترويج ما تراه مناسبا عن طريق مؤتمرات عالمية فهناك

مؤتمرات عقدت حول البيئة مؤتمرات حول حقوق الإنسان ومؤتمرات حول المرأة ومؤتمرات

عن السكان فمثلا وفق أي مفاهيم ثقافية ينظرإلى حقوق الإنسان ؟ وأي مفهوم للتنمية يمكن

تعميمه ؟ وإذا دخلنا في عالم الأسرة والمرأة دخلنا إلى اختلافات غاية في الجذرية بين

مختلف الثقافات ويلاحظ أنه في مؤتمرات المرأة والسكان كانت وجه النظر الغربية في

العلاقات الاسرية والجنسية تطرح أنموذج عالمي .
واذا رجعنا إلى الإقتصاد - الذي هو المحرك الرئيس للعولمة - وجدنا أن الجهات التي تدفع إلى

الانخراط في الإقتصاد الرأسمالي الربوي وإلى الممارسات المضرة لأسواق البورصة المالية

حيث تضخمت هذه الأسواق تضخما كبيراً وانتشرت المضاربة الحرة الخالية من أي رقابة

وانتشر البيع والشراء على أموال غير موجودة وهو ما يسمى بالمشتقات وفقدت العملات

ميزة الاستقرار في قيمتها ورأينا كيف ان دولا تتهم أفراد بتدمير اقتصادها فأحد المضاربين

استطاع أن يحقق أرباحا بلغت المليار دولار بالمضاربة على الجنيه الإسترليني وقد قام مصنف

كتاب ( فخ العولمة ) بشرح مفصل لتصرفات هؤلاء المضاربين وكيفية استخدامهم الأسلحة

الفتاكة التي بحوزتهم - وهي الاموال النقدية الضخمة والحاسب الآلي والمعلومات - ف جني

الأرباح التي قد تكون مدمرة للآخرين . ويرى كثير من الإقتصاديين أن رأس المال النقدي

أصبحت له الهيمنة المطلقة وتقهقرت حركة السلع والخدمات التي تمثل الإنتاج الحقيقي فقد

استقل رأس المال النقدي عن رأس المال الصناعي والإنتاجي إستقلالاً تاما وأصبحت المضاربة

على العملات والأسهم و التعامل بالمشتقات هي ما يميز التسعينات .
هذه التعاملات النقدية أدت - ضمن عوامل أخرى أقل تأثيراً - إلى أزمات مالية عميقة في عدة

دول من العالم محققة خسائر بلغت مليارات الدولارات وأدت إلى انحدار 100 مليون مواطن

من الطبقة الوسطى في آسيا إلى ما تحت خط الفقر وتراجعت الأسواق المالية بسببها بنسب

50%و70% وحتى 80% في دول آسيا واضطرت كل حكومات (بلدان النمور ) إلى توقع

عقودا جديدة مع صندوق النقد الدولي نظير قروض مرهونة على قيم ثابتة ( النفط في

أندونيسيا ) يتم بموجبها إنهاء كل دور إقتصادي إنمائي للدولة . بما يعنيه من وقف كل إعانة

أوتوجه لإقامة مشاريع اجتماعية تستلزم استثمار جزء من الدخل القومي . إن الإسلام يقف

بشدة ضد ممارسات المرابين في أسوق البورصة ويعتبرها حربا ستنتهي بتدميرهم .


وللحديث بقية إنشاء الله .


المصدر : مجلة كلية الملك خالد العسكرية العدد 58صفر 142من اعداد الدكتور منصور

المطيري