علّنا جميعاً نتذكر النكتة القديمة المعادة التي تحمل في طياتها عبراً ما بعدها عبر. إنها قصة الرجل الذي أراد أن يمارس الفاحشة مع امرأة متمنّعة فعرض عليها في البداية مبالغ معقولة من المال لكنها رفضتها. وظل يزيد الثمن والمرأة ترفض حتى أوصل الثمن إلى مبلغ مغرٍ لا يمكن مقاومته. عند ذاك هزت المرأة رأسها بالقبول، لكن الرجل اللئيم حدّق في عينيها قائلاً أما وأنه قد تبيّن أنك سلعة يمكن شراؤها، فعلينا الآن أن نبدأ المساومة من جديد لنتفق على الثمن. قصة العرب مع الوجود الصهيوني في فلسطين المحتلّة، سارت في نفس مسار تلك النكتة المضحكة المبكية. فمنذ جاء الغزاة الصهاينة إلى فلسطين منذ ستين عاماً، والسيٍد الصهيوني يساوم بشأن التسلل إلى داخل الفراش العربي. في البدء كان رد سيدة الإباء والعفاف العربية هو رفض المساومة، والإصرار على أن يقبل الصهيوني الولهان بقيام دولة فلسطينية ديمقراطية علمانية تضم اليهود والمسيحيين والمسلمين وأن لا يعترض على عودة جميع المهجّرين اللاجئين الفلسطينيين، وعلى أن يتوقف نهائياً عن الحديث عن دولة عبرانية من النيل إلى الفرات تستوعب يهود العالم. لكن السيد الصهيوني نجح في لعبة الانتظار، ثم تجييش سماسرة الفاحشة في الخارج والداخل لممارسة الضغط والابتزاز والتخويف والإغراء، حتى إذا ما نجحت الجهود في إقناع السيدة العربية بهز رأس القبول بالنوم في فراش واحد، في إحدى غرف منتجع "كامب ديفيد" الشهير، بدأت المساومة السرية حول الثمن الذي سيدفع وبدأ العد التنازلي لذلك الثمن الذي وصل اليوم في حده الأعلى إلى أقل من ثمن الدخول في مخدع أقبح عاهرة في أقذر حارة بغاء في أقل المدن حياءً وتعففاًَ. اليوم تزحف أشكال من الوفود العربية، رؤساء دول ورؤساء وزارات ووزراء ومديرون وفنانون وصحفيون ورياضيون... لا لإيقاف مهزلة المساومة، بل لإقناع السيد الصهيوني بالتلطف والقبول بدفع ثمن غير مهين وغير مخجل جداً. كل ذلك يحدث دون أن يُسأل الشعب الفلسطيني عما يقبل وعما لا يقبل، أو أن يسأل أي شعب عربي تتبرع حكومته بالاتصال بالسيد الصهيوني لتساومه على الثمن، إن كان راضيا عن ذلك أو غير راض، أو أن يعرض الموضوع على المجالس النيابية ومؤسسات المجتمع المدني لمناقشته وإبداء الرأي فيه. ثم لا تستحي تلك الجهات من القول بأنها تفعل كل ذلك بشفافية تامة! والسؤال: هل حقاً هؤلاء يمارسون الشفافية في أمور المجتمع الأخرى حتى يدّعوا ممارستها في التعامل مع هذه المسألة؟ الشفافية تعني توفر الانفتاح التام في إتاحة المعلومات وإدارة المناقشات والتواصل مع سائر أطياف المجتمع لإشراكها في اتخاذ القرار، وفي محاسبة كل من يخطئ أو يتخطّى الخطوط الحمراء. فما الذي توفر لمواطني أي دولة عربية، رغبت حكومتها في أن تدخل هذه اللعبة، من معلومات حول ما نوقش مع العدو الصهيوني وما تم الاتفاق عليه وما اختُلِف بشأنه؟ وهل توفّر للمواطنين حقهم في الاعتراض أو الرفض لكل ما تتمخض عنه تلك المناقشات؟ دعنا نكون صريحين في هذه المسألة المهمة: إن النكتة السمجة المخجلة قد أصبحت واقعاً سمجاً ومخجلاً في حياة العرب. ولم يعد الذين يدخلون في لعبة المساومة يشعرون بالخجل من الادعاء بأنهم إنما يفعلون كل ذلك للحفاظ على الشرف العربي الذي يتلاعبون به عملياً في أسواق النّخاسة الدولية... مع أن المطلوب الآن ليس رضا السيد الصهيوني الممتنع عن دفع أي ثمن، وإنما رضا السمسار الأميركي الذي أصبح يسيطر على الماجن وعلى "سيدة الفاحشة"! عندما تبتذل كل القواعد المعقولة والمقبولة في اللعبة السياسية، تصبح كل محاولة للارتفاع بالمناقشة السياسية عن مستوى الابتذال والعهر الأخلاقي، أمراً مستحيلاً. وهذا هو واقع الحال الذي وصلنا إليه، بألم وخجل، مع قضية العرب الأولى، أو ما يفترض أنها كذلك! المصدر : الاتحاد