هل شاهدتم في يوم من الأيام أسداً يحاول افتراس أسد آخر؟ هل شاهدتم ذئباً يحاول التهام ذئب آخر؟ هل شاهدتم ضبعاً يحاول أن يسبع آخر؟ بالطبع لا. فالحيوانات المفترسة قد تتنافس في الغابة أحياناً على فريسة، لكنها لا يمكن أن تسعى إلى التحكم ببعضها البعض، وفي كثير من الأحيان فإن سادة الغاب يتعاونون على اقتناص الفرائس وتقطيع أوصالها. صحيح أن الضباع والنمور والذئاب قد لا تقترب من الأسد وهو يلتهم جاموساً، لكنها ما تلبث أن تشاركه الوليمة عندما يوشك على الشبع، حتى لو ظفرت بالعظام والفتات. باختصار فإن هناك ما يشبه القانون الطبيعي لدى الحيوانات المفترسة على التحالف والتعاضد ضد الحيوانات الأخرى. والقانون نفسه تكاد تطبقه بخذافيره القوى الاستعمارية في العالم ضد البلدان القابلة للافتراس أو بالأحرى الاستعمار. ولنا فيما يحدث في بلداننا هذه الأيام عبرة لمن يعتبر.
لا تنخدعوا بالخلافات في مجلس الأمن بين بعض الدول الكبرى، فهي، إن اختلفت، فليس لصالح الدول المستضعفة كالدول العربية بل من أجل التنافس عليها إذا كان هناك ضرورة للتنافس. ومغفل الزعيم العربي الذي يعتقد أن بإمكانه أن يستميل مثلاً فرنسا وألمانيا ضد أمريكا أو العكس. لقد راهن الرئيس العراقي السابق صدام حسين مثلاً على الصراعات بين الكبار في مجلس الأمن بشأن العراق معتقداً أن الخلاف سيعطل في النهاية المشاريع الأمريكية المُعدة لبلاده. لا أدري لماذا نسي الرئيس العراقي أن "الصديقة" فرنسا التي كان يراهن على نفوذها في المجلس لكبح جماح الأمريكيين هي نفسها التي كانت قد سلمت وزارة الدفاع الأمريكية قبيل عملية "عاصفة الصحراء" وما تلاها من عمليات أمريكية ضد العراق خرائط ومخططات الأبنية والمنشآت العسكرية التي بنتها في العراق بموجب عقود مغرية، كما أكد البعض، كي يتم تدميرها. صحيح أن القضية العراقية ظلت تراوح بين أخذ ورد في أروقة الأمم المتحدة قبل أن يحدث الغزو في النهاية، إلا أن المسألة كانت مسألة وقت ليس إلا، كما لاحظنا، ففي آخر النهار انقض الأسد على الفريسة رغماً عن أنوف الذئاب والضباع والثعالب التي كانت تحاول عرقلة مهمته، لكن ليس انتصاراً للفريسة، بل تنازعاً عليها. ولم يكن أمام المفترسين الأقل شأناً إلا أن يقبلوا بالفتات الذي قد يمنحه إياهم الأسد من الذبيحة فيما بعد، تماماً كما يحدث في الغابة.
وإذا كانت فرنسا وألمانيا مثلاً أثارتا بعض الضجيج المفتعل في البداية لمنع أمريكا من غزو العراق فإن دولة استعمارية قديمة كبريطانيا كانت تنتظر على أحر من الجمر كي تتلقى الأوامر من العم سام كي تشاركه في اجتياح العراق. فالمستعمرون قد يتنافسون، إلا أنهم حلفاء من الطراز الأول في نهاية المطاف. ولم يتوقف الأمر عند بريطانيا، فقد أرسلت الدول ذات التاريخ الاستعماري مثل إيطاليا وإسبانيا وهولنده قواتها لتساند الجهد الحربي الأمريكي في العراق. صحيح أن بلداناً كثيرة أرسلت قواتها أيضاً، لكنها كانت مجرد تكملة عدد لا أكثر ولا أقل. ولا أعتقد أن الأمريكيين سينزعجون كثيرا عندما تسحب بعض الدول الضعيفة قواتها من بلاد الرافدين. لقد لاحظنا كيف أن سحب القوات الفيلبينية مر مرور الكرام. هل سيكون الأمر كذلك لو أعلنت بريطانيا أنها ستسحب قواتها؟ بالطبع لا. ثم ألم نلحظ الضجة الكبرى التي ثارت عندما لوحت إيطاليا بسحب قواتها من العراق؟ لا بأس أن تسحب أوكرانيا قواتها. لكن الأمر مختلف بالنسبة للقوى الاستعمارية العتيدة، فهي مربوطة ببعضها البعض بوشائج من نوع خاص، فقد تراجع رئيس الوزراء الإيطالي بيرلسكوني عن خطته بسحب القوات بعد مكالمة هاتفية من بوش.
كم كنا مخطئين عندما ظننا، وبعض الظن إثم، أن الأمر وصل إلى حد القطيعة بين أمريكا وفرنسا بعد المناوشات بينهما في مجلس الأمن قبيل غزو العراق! كما كنا ساذجين عندما اعتقدنا أن فرنسا بدأت تظهر كقوة دولية معارضة للمشاريع الاستعمارية الأمريكية في العالم العربي! لقد راهن البعض على أن فرنسا قد بدأت تتخذ مواقف أخلاقية فيما يخص قضايانا العربية الكثيرة متحدية الثور الأمريكي الهائج. لا بل وصل الأمر ببعض المغفلين إلى الترويج للرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك على أنه أصبح حبيب الجماهير العربية. لكن، كالعادة، كان رهاننا خاطئاً. فبالأمس القريب اعتقدنا أن أمريكا أفشلت العدوان الثلاثي المكون من فرنسا وبريطانيا وإسرائيل على مصر عام 1956 من أجل عيون المصريين والعرب دون أن نعلم أن أمريكا طردت المستعمرين القدامى كي تحل محلهم في المنطقة. لقد كانت العملية مجرد تبادل أدوار كلعبة التتابع الرياضية حيث يسلم اللاعب قصب السبق للاعب آخر عندما يصل إلى نقطة ما.
وقد مرت علينا من قبل ألاعيب استعمارية كثيرة، فلم نتعلم من التاريخ ولم نتذكر كيف كانت القوى الاستعمارية المتنافسة تضحك علينا المرة تلو الأخرى منذ أيام محمد علي باشا، فقد كانت تعطينا الانطباع أنها تتصارع فيما بينها من أجلنا ،كما كان يفعل الروس والبريطانيون والفرنسيون، بينما كانوا في الواقع يتآمرون علينا لتقاسم الغنيمة فيما بعد تماماً كما تفعل الحيوانات المفترسة عندما تتجمع فوق جسد جاموس مقتول. ولعلنا نتذكر كيف تحالفت القوى الاستعمارية الكبرى على محمد علي الذي كان يعتقد أنها في خلاف فيما بينها فإذا بها تنقض عليه كالذئاب الجائعة وتنهشه وتكبله بعقوبات واتفاقيات رهيبة تماماً كما أخطأ صدام حسين الاعتقاد عندما راهن على بعض المتحكمين الآخرين في مجلس الأمن.
ما أن مر الغزو الأمريكي للعراق حتى عادت المياه إلى مجاريها بين الأمريكيين والفرنسيين. لا بل وصل الأمر إلى حد التحالف عندما تعاون الطرفان على إصدار القرار رقم 1559 الخاص بلبنان الذي يـُقال إنه أعد في فرنسا. كم اندهشنا لهذا التحالف السريع بين باريس وواشنطن على لبنان وسوريا بالرغم من "العداوة" المزعومة بين الجانبين أيام المداولات الدولية بشأن العراق. لقد دفن الفرنسيون والأمريكيون سواطيرهم بسرعة البرق عندما تعلق الأمر بالمصالح الاستعمارية المشتركة. لقد ظن البعض أن القرار جاء من أجل سواد عيون المعارضة اللبنانية المطالبة برحيل القوات السورية من لبنان. لكن القضية أكبر من ذلك. إنه التحالف الاستعماري الجديد يا جماعة الخير. فكما أن أمريكا تحالفت مع بريطانيا القوة الاستعمارية القديمة لغزو العراق كون البريطانيين قد استعمروا العراق من قبل ويعرفون اللعبة جيداً ولهم خبرة طويلة في المنطقة ويمكن أن يساعدوا الأمريكيين في مهمتهم الاستعمارية مقابل جُعالة من نوع ما، فإن الأمريكيين تحالفوا هذه المرة مع فرنسا القوة الاستعمارية المعروفة التي استعمرت لبنان وسوريا في الماضي ولها أيضاً باع طويل في احتلال بلاد الشام.
لا شك أن باريس وواشنطن لهما مصلحة مشتركة في إحكام نفوذهما على لبنان وسوريا. ففرنسا تريد أن تحيي نفوذها القديم في لبنان بحجة أنها كانت "الأم الحنون" للمسيحيين، وأمريكا تريد أن تطوع سوريا ولبنان معاً من أجل دعم مخططاتها الاستعمارية في العراق وتأمين إسرائيل إلى فترة طويلة. وقد تحدث البعض عن (سايكس بيكو) جديدة في لبنان وسوريا لكن هذه المرة بين باريس وواشنطن حيث تحصل فرنسا بموجبها على لبنان بينما تحصل أمريكا على سوريا.لاحظوا عودة الأحلاف الاستعمارية بين الانجليز والأمريكيين وبين الفرنسيين والأمريكيين، خاصة في عهد ما بات يعرف بـ"ساركو الأمريكي" الذي راح يزايد على طوني بلير الانجليزي في التذلل للأمريكيين وتسويق محططاتهم. وأعتقد جازماً أن أمريكا ستنسق وستتحالف مع إيطاليا فيما لو فكرت يوماً بغزو ليبيا لما للإيطاليين من خبرة استعمارية قديمة في ذلك البلد العربي.