أن يكون العرب الآن أمَّة مستباحة لحينٍ من الزمن، فهذا مردّه لضعفٍ وعطبِ في الداخل، ولجبروت الخارج. لكن عدم علاج الضعف وإصلاح العطب هو الذي سيسمح للخارج بالتدخل دائماً وبالسعي للهيمنة وإشعال الفتن الداخلية.

إنَّ الأمَّة العربية ذات المصير المشترك، تتصارع في داخلها الآن قوى وجماعات وحكومات، وتتهجّر من أرضها كفاءات وعقول وخيرات، وتتعمّق في مجتمعها الواحد دعوات لمزيد من الانقسامات على أسسٍ أثنية أو طائفية أو حتى مناطقية أحياناً !.

ففي واقع الحال العربي تتنازع الآن «هويات» جديدة على حساب الهوية العربية المشتركة. بعض هذه الهويات «إقليمي شرق أوسطي» أو «طائفي» وبعضها الآخر «أممي ديني»، كأنَّ المقصود هو أن تنزع هذه الأمَّة ثوب هويتها ولا يهمّ ما ترتدي بعده من مقاييس أصغر أو أكبر، فالمهم هو نزع الهوية العربية!

وعلى الرغم من تنوّع التحدّيات التي تواجه الأمَّة العربية واختلاف ساحاتها، فإن كلاً منها يصيب المنطقة العربية كلّها ولا يعني بلداً دون الآخر، والمؤسف في واقع الحال العربي، أنَّه رغم الاشتراك في التحدّيات والهموم، فإن الحكومات العربية تتعامل مع هذه المسائل (وغيرها أيضاً) من منظورٍ فئويٍّ خاصّ وليس في إطار رؤيةٍ عربيةٍ مشتركة تصون الحقَّ وتردع العدوان وتحقِّق المصالح العربية.

على الجانب الأميركي مثلاً، هناك رؤيةً أميركيةً واحدة لمشاكل المنطقة العربية كلّها، وهناك أيضاً حلول أميركية لهذه المشاكل قد لا تتوافق مع آمال وطموحات شعوب المنطقة العربية.

فانعدام الرؤية العربية المشتركة يقوم على حالةٍ من الصراعات العربية وتجزئة الإمكانات والطاقات العربية، بينما الرؤية الأميركية الواحدة للمنطقة تقوم على إمكانات وطاقات أكبر قوةٍ عسكرية واقتصادية في العالم المعاصر.

وهذا التباين في واقع الحالين العربي والأميركي، يجعل من «رغبات» واشنطن في المنطقة العربية أشبه ما تكون أحياناً بأوامر سياسية للحكومات يتوجَّب تنفيذها وإلا فإن الضغوطات تفرض تنفيذ هذه «الرغبات»!

إنَّ توصيف أمراض الواقع العربي الراهن هو بالأمر الهيِّن، لكن المشكلة الحقيقية هي في كيفيَّة تحديد (الحلول) والوسائل المناسبة لمعالجة هذه الأمراض التي تنقل العرب مع مرور الزمن، من سيئ إلى أسوأ.

وأحسب أن المسؤولية عن تردّي هذا الواقع، شاملة شمولية المجتمع العربي بكلِّ ما فيه من حكّام ومحكومين، من رسميين وشعبيين، من سلطات ومعارضات!

وحتى تتحدّد المسؤولية أكثر، فإن الأمر ليس فقط «مؤامرات خارجية» أو «مخططات صهيونية وأجنبية». إن موقع العطب هو «الداخل» الذي أباح ويبيح استباحة «الخارج» لكل شؤون العرب وأراضيهم وقدراتهم.

إن بعض العرب يعتقدون بأنّ المشكلة تكمن فقط في الحكومات، وبعضهم الآخر يرونها في الطروحات البديلة عن الأنظمة القائمة. بينما المهم، أنّ الجميع يشتركون في الاتفاق على وجود أزمة كبيرة في الحاضر العربي.

إنّ العرب يواجهون أربعة تحدّيات مصيرية تزامنت مع بعضها البعض في هذه المرحلة وفي المدى القريب المنظور:

أولاً: التحدّي السياسي، وما فيه من مخاطر الانشطار الداخلي والتقسيم المجتمعي على أسس عرقية أو طائفية أو مذهبية أو قبلية. وذلك من خلال تحوّل الصراعات الداخلية إلى مشاريع حروب أهلية مفتوحة في أكثر من مكان عربي.

ثانياً: التحدّي الاقتصادي، وما خلّفته حروب المنطقة من خسائر باهظة واستنزاف مالي مستمر، وأيضاً ما تحمله مشاريع التطبيع مع إسرائيل و«نظام الشرق الأوسط الجديد» من تحدّيات على كل المنطقة، وفي وقت يعجز فيه كل بلد عربي بمفرده عن توفير الأمن الاقتصادي والاجتماعي لذاته.

ثالثاً: التحدّي الأمني، وما فيه من نتائج حروب إدارة بوش في الشرق الأوسط، خاصة الحرب على العراق، ومن أطماع الدول الكبرى (دولياً وإقليمياً)، بالسيطرة على الأرض العربية وقدراتها وخيراتها، إضافة لمخاطر جماعات التطرّف والعنف التي تعبث بأمن الأوطان. كلّ ذلك في ظلِّ استمرار الصراع المفتوح مع إسرائيل وعدم حصول حل عادل وشامل لهذا الصراع.

رابعاً: التحدّي الثقافي، الذي يستهدف نزع الهوية العربية، عبر استبدالها بهوية «شرق أوسطية»، بل يستهدف حتى نزع الهوية الوطنية القطرية والاستعاضة عنها بهويات عرقية ومذهبية وطائفية.

وفي هذا التحدّي سعي محموم لتشويه صورة الإسلام والعروبة وإنعاش مشبوه لثقافة التغريب وللحضارات القديمة في المنطقة.

في مواجهة هذه التحدّيات، يضيع العرب بين أولوية وأخرى، ويغرقون في جدال استهلاكي للفكر وللطاقات حول طبيعة «جنس العدو«وفي تحديد طبيعة المشكلة.

إنّ الأرض البور قد تصطلح إذا كانت هناك إرادة إنسانية فاعلة ومهيّأة لعمل الإصلاح. لكن المعضلة تكبر حينما لا تكون الأرض بوراً، بل أرض خيرات وثروات، بينما القيادات هي البور!

إنّ للأرض العربية حقوقاً على أبنائها المقيمين والمهاجرين، والتحدّيات التي يواجهها العرب الآن وفي المستقبل، تستدعي عملاً مشتركاً لوقف الانحدار العربي الشامل:

على مستوى الحكومات العربية: إقرار حقّ المواطن «السائل» و«المحروم»، المواطن «السائل» عن حاضره وعن واقعه. السائل عن مستقبله وعن مستقبل أولاده المجهول. السائل عن أسباب الانهيار والتصدّع في المجتمع والوطن. السائل عن هويته وثقافته.

والمواطن «المحروم» من حقّه في المشاركة. من حقّه في التعبير. ومن حقّه في التنقل والعيش بكرامة دون خوف أو جوع أو تشرّد.

وهذه الحقوق للمواطن العربي «السائل» أو «المحروم»، تتطلّب من الحكومات العربية (التي ليست هنا في سلّة واحدة بل عليها مسؤولية موحّدة) بأن تقرّر في الحدّ الأدنى أوضاعاً دستورية سليمة تضمن الحرّيات المدنية والحقوق الإجتماعية لأبناء الدول العربية، بما في ذلك المشاركة في صنع القرار الوطني وحرّية التفكير والتعبير.

كذلك، فإن هذه التحدّيات الخطيرة التي تواجه العرب الآن تستوجب حدّاً أدنى من التضامن الرسمي العربي على أسس جديدة تحترم فيه حدود وسيادة دول الجامعة العربية، ويتمّ التوافق فيه على رؤية عربية مشتركة للأزمات وللحلول المنشودة.

على مستوى المعارضات العربية: إقرار مبدأ نبذ العنف في العمل السياسي العربي، وإتباع الدعوة السلمية القائمة على الإقناع الحر، والتعامل بالمتاح من أساليب العمل الديمقراطي، ثم التمييز الحازم بين معارضة الحكومات وبين تهديم الكيانات، حيث تخلط عدّة قوى عربية بين صراعها مع السلطات، وبين تحطيمها ـ بوعي أو عن غير وعي ـ عناصر وحدة المجتمع ومقوّمات وحدته الوطنية.

ولعلَّ من المهمّ أيضاً، أن تدرك المعارضات العربية، أنّ الإصلاح المنشود هو مطلوب لها أولاً، وبأن يبدأ بفكرها وبقيادتها وبمؤسساتها، فالعطب والخلل والعلل، هي في كل المجتمع، ولذلك فإن الإصلاح المنشود هو للمجتمع كلّه.

ومن يسعى للإصلاح في مجال فكري فإنّه متمّم في عمله لمن يسعى إليه في مجال سياسي أو إداري أو تربوي أو اقتصادي. فتكامل وسائل الإصلاح هو الذي يؤدي إلى تكامل أهدافه العامة الشاملة المنشودة.

أخيراً، على مستوى المهاجرين العرب: المهاجرون العرب لهم خصوصية مميّزة في عملية الإصلاح العربي المنشود، لأنهم أشبه بنجاة من سفينة معطَبة مهدّدة بالغرق، وقد أدركوا شاطئ البر والأمان هنا أو هناك، لكنّهم تركوا خلفهم في عرض البحر، أهلاً وأقارب وأصدقاء وجيران وممتلكات، تتخبّطهم الأمواج العاتية كلَّ يوم. ولن يكفي الجلوس على مقاهي شاطئ البر وتحليل اتجاه الرياح ومدى مسؤولية ربّان السفينة، لن يكفي ذلك كلّه لإنقاذ من، وما تركوه خلفهم، بل إن مسؤوليتهم هي في العمل داخل قوارب النجاة والمساهمة مع أطقم المصلحين للسفينة!

إنّ مأساة الأمَّة تكبر يوماً بعد يوم، ليس فقط بسبب ما يحدث فيها، بل نتيجة ما يخرج منها من كفاءات وأموال وأدمغة، إنّ الأرض العربية تجفّ وتنضب «كفائياً» ومالياً قبل أن تجفّ وتنضب المياه وآبار النفط فيها.
وهنا مخاطر مستقبل تتلازم فيه الأرض البور مع البشر البور

المصدر : مركز الحوار العربي