قرأت مقابلة صحافية لرجل تربوي متقاعد، كان مدير مدرسة سابقا، وسأله الصحافي إن كان يؤيد (الضرب) في المدارس؟! فقال له: لا إنني لا أؤيده، بل إنني ضده وأشجبه.
هذا المدير المتقاعد، كان معروفا عنه انه أكثر من مارس الضرب وجلد التلاميذ، إلى درجة انه كان يحتفظ في مكتبه بعشرات (الخيزرانات).
وقد حصلت له واقعة مشهورة، وذلك عندما استدعى في مكتبه تلميذاً مشاغباً لا يتعدى عمره (13) سنة، ثم استل إحدى الخيزرانات، وأمر الفراش أن يخرج، ثم انه من زيادة القسوة والحرص أغلق الباب عليهما بالمفتاح خوفا من أن يهرب التلميذ، ثم أخذ يجلده جلداً مبرحاً، وعندما وصل في ضربه لثالث أو رابع ضربة، وإذا بالتلميذ المتألم والنشيط يقفز (كالشمبانزي) وينتزع الخيزرانة بكل خفة من يد المدير البدين، وبدأ هو يوسعه ضربا على كل ناحية من جسده، ولا يترك له فرصة لاسترداد أنفاسه، كان التلميذ يتحرك في كل الاتجاهات كأي بهلوان، ولا يتوقف عن جلد المدير الذي أخذ يصيح مستنجداً بالفراش، غير أن الباب كان مغلقا بالمفتاح، وكلما حاول المدير الوصول إليه لفتحه والنجاة بجلده، كان التلميذ الشقي اسبق منه إلى هناك ليسد عليه الطريق ويواجهه بالضرب فينكس المدير هارباً، واستمر على هذا المنوال أكثر من ربع ساعة كاملة، إلى درجة أن الخيزرانة تشققت من شدة الضرب، وعندما تعب التلميذ وأشفى غليله، فتح الباب محاولا الهرب والخروج من المدرسة غير أنهم ألقوا القبض عليه، وعاقبته إدارة التعليم فيما بعد بأن فصلته من المدرسة لمدة عام، واعتبروه راسباً في سنته الدراسية تلك.
أعود للمدير الذي ما أن دخلوا عليه وجدوه منطرحاً على الأرض (يحن ويون ويخور) من شدة ما قاساه، كان ثوبه ملطخا بالدم وممزقاً من كثرة ما أكل من (الخيزرانات).
اعرف أن الموضوع (ما يضحك)، ولكنني اعترف انني عندما قرأت ما ذكر من انه معارض لضرب التلاميذ في المدارس، تذكرت رأساً تلك الحادثة التي رويتها لكم، وقلت بيني وبين نفسي: يا سبحان الله، هل بعد تلك الحادثة تربى المدير؟! وقد نقلوا سعادته على وجه السرعة إلى المستشفى الذي مكث فيه أسبوعاً كاملاً يضمدون جراحه، ويدهنون بطنه وظهره بالمراهم المخففة للآلام.
وكل زوار سعادة المدير كانوا يعرفون بالطبع أنه قد أكل (علقة) من صبي صغير.
فمنهم من يقول له مجاملاً: (سلامات)، ومنهم من يقول معزياً: (قدّر ولطف)، وبعضهم كان يصب جام غضبه على هذا الجيل (غير المترّبي).
ولو انني كنت من زوّاره في المستشفى، لقلت له: تعيش وتأكل غيرها. ورغم هذا فإنني لست من مؤيدي الضرب، سواء لصغير أو كبير، أو حتى لامرأة


للكاتب مشعل السديري