الحيروش..إضاءة البصمة ودياجير التعتيم و العتمة


بقلم/عبدالناصرالباح


صاحبنا هذا تعلم بالمجهود الذاتي ، وعلم أيضاً بالمجهود الذاتي .. لم يتخرج من المدارس ، أو المعاهد ، أو الجامعات بالمعنى المتعارف عليه حاليا ,وانما درس في التكايا والزوايا بالاصغاء لهذا و الانصات لذاك من القراء و بعض من عاصر من العلماء و الادباء في مقدمتهم العالم الشيخمحمد الخرشي)،مفتي (درنة)آنذاك ,ثم اكمل دراسته بالطريقة عينها في (معهد الجغبوب الديني )حتى صار في زمانه و بين انداده في مدينته (درنة) اشهر من نار على علم كما يقال .. عرف بلقبه ( الحيروش ) ، وهو : لفظ عامي يُعد تصغيراً تلطيفياً لكلمة ( أحرش ) ، و تعني عامياً : الشيء الخشن الجاف ، وقد ألصقها به مجايلوه نظراً لمطابقتها لصفاته وربما الكثير منا لا يعرف صاحب هذا اللقب .. حسناً تعالوا معنا ، لنضع بعض أدوات الإشارة أمام اسم هذا الرجل .. من هو الحيروش؟!.. ( الحيروش ) هو" محمد عبد القادر (قويدر) الحصادي


ولد بدرنة عام 1876 وعاش طيلة حياته فيها ولم يبرحها إلا للجغبوب لإتمام دراسته كما أسلفنا الذكر، قاطنا بمنزل متزورب في احد أزقتها المعروف آنذاك بزقاق ( الحوشية ) احد أزقة شارع (الكوي) بحي بو منصور... فقد نعمة البصر وهو في الخمس عشرة سنة من عمره ، إلا انه لم يفقد البصيرة المتوقدة ،بدأ بقرض الشعر منذ شبابه ، و لقد كان حاد الذكاء ، والطباع أيضاً ،وإن لم يجافه الظرف أحيانا ...كما امتاز بامتلاكه لذاكرة قوية، وملكة حفظ سريعة..مكنته من حفظ القرآن الكريم بأكمله إلى جانب حفظ العديد من متون الكتب وأمهاتها ، بالإضافة إلى شعر المعلقات ، والكثير من القصائد الشعرية لفحول شعراء العربية، وقواعد النحو ، والبلاغة ، وأصول اللغة العربية ، والتشريعات الفقهية ، إلى جانب امتلاكه لمكتبة ثرية احتوت العديد من نفائس الكتب ، والمجلدات في شتى العلوم الأدبية ، والتاريخية والفقهية ، كان يرسل في طلبها من القطر المصري.
هذه المكتبة التي أوصى إخوته قبيل وفاته ، أن تقدم كهبة لتكون نواة لمكتبة ( معهد البيضاء الديني) ، ليستفيد بها أكبر عدد ممكن من طلبة العلم ، وهذا ما كان. وقد أصبحت فيما بعد من ممتلكات جامعة الدعوة الإسلامية بالبيضاء(جامعة عمر المختار ) حاليا.
قام هذا المعلم بتدريس العلوم الكثيرة للمرموقين في ذلك العهد من أمثال الشيخ ( عبد الحميد الديباني ) ، و (عمر الديباني ) ، و الشيخ (مصطفى الطرابلسي ) و هو أديب و شاعر و ( عبد الكريم جبريل ) ، و هو من الرعيل الأول من رواد التعليم في بلادنا وشاعر غنائي و (محمد القديري) وهو اديب و شاعر ,و(مكي حسان ),و(حمد بن طالب ),و(صالح البتير) ,وغيرهم.
كما كان يقوم بتدريس ، وتحفيظ القرآن الكريم ، وأصول اللغة العربية للتلاميذ الصغار في زاوية ( بن بشيش ) عاش وحيداً أعزبا ، لم يأنس للمرأة طوال حياته ، مفضلاً رغم فقده لبصره العُزلة والانفراد ، وعدم الزواج أوالاختلاط بالناس و إن قرر الزواج في شيخوخته و أثناه ذويه عن ذلك ، ومع ذلك كان يقوم بجميع شؤونه بنفسه وبكل دقة ونظام ، وكان دائماً لا يبدو إلا نظيفاً في جسده ، أنيقاً في ملبسه ، لدرجة دفعت بعض زواره الذين كانوا يترددون عليه بين الفينة والأخرى ، بأن يمازحوه و يفضوا له بشكهم بعدم وجود امرأة ما .. تقوم على العناية به وبأكله، وبملبسه، ومنزله.. فما كان منه إلا أن استشاط غضباً، وطردهم !! و الغريب انه رغم قسوة طباعه لا تخلو روحه من حب الدعابة و رغم حبه للوحدة لا يأنف من جلسات السمر و لا يكره التزاور..خصوصا من المثقفين منهم حيث مطارحة الشعر و الأدب و الفقه و الاستماع للأناشيد و الابتهالات الصوفية ومما يذكر هنا انه في عام 1938م جاء الصحفي و الكاتب (عمر فخري المحيشي) من (بنغازي) لزيارة (درنة) فلقد كان التزاور بين مثقفي البلاد من أدناها لأقصاها عرف متعارف عليه فيما بينهم آنذاك...و كانت من بين المدن التي تحلو زيارتها مدينة الموز و الياسمين (درنة) إبنة الشلال فزار الكاتب الجميع وقصّر في زيارة شاعرنا فعتب الأخير عليه بقصيدة لام فيها حظ الشعراء العاثر و إلا كيف لا يُزار؟! و كيف لا يُدعى إلى وليمة العشاء التي أقامها الأستاذ (علي الجربي) نائب عميد بلدية درنة آنذاك على شرف الكاتب الضيف ،ولظرف القصيدة و روح الفكاهة فيها عمد الصحفي (عمر المحيشي) إلى نشر نصها في مجلة (ليبيا المصورة) ،و نظراً لما بين شاعر الوطن (أحمد رفيق المهدوي) و الشاعر (الحيروش) من صداقة وطيدة توطدت مع تكرار زياراته إلى بيت أقاربه ( آل المهدوي ) الواقع في نفس زقاق (الحوشية) إما لزيارته لدرنة أو مرورا بها ذهابا أو إيابا من و إلى القطر المصري مما دعاهُ حال مطالعته لنص القصيدة المذكورة إلى أن ينادي في قصيدة له برفع مظلمة ( الحيروش) إلى محكمة أدبية يكون قاضيها العادل شيخ الشعراء القاضي (أحمد الشارف ) و هو الآخر قد سبق له و أن زار درنة مراراً و يعرف جميع أطراف القضية من شخوص على أن تكون ساحتها صفحات الجرائد و هذا ما كان حيث أصدر شيخ الشعراء حكمه شعرياً لصالح (الحيروش) و معاقبة جميع الجُناة بإقامة الولائم و العزائم و المآدب على شرف الشاعر المظلوم و هيّ قصيدة مليئة بالدُعابات و الفُكاهة .
كان (الحيروش) شاعراً فحلاً ، يكتب القصائد الفصحى والعامية ، وتنقلت أغراض قريحته بين الأغراض الدينية ، والصوفية ، والاجتماعية والوطنية ، والمناسبات ، والوصف ، وللأسف ضاع جل ما كتبه ، إن لم يكن كله عدا شذرات منه هنا وهناك .. ولعل أقاربه حينما قاموا بتنفيذ وصيته بتسليم مكتبته الضخمة ، وكل ما أبدعه للمعهد الديني بالبيضاء كما أسلفنا ، عملوا من حيث لا يدرون ، على طمس الكثير من إبداعاته التي كان يجب أن يعرفها الأجيال اللاحقة له ، حيث لم يصل لنا منها عدا النزر اليسير كما أسلفنا، و مما يذكر له في هذا المقام تلك المحاور الشعرية التي قامت بينه وبين شاعر الوطن الكبير ( احمد رفيق المهدوي ) على صفحات جريدة ( برقة الجديدة ) في عام 1946 التي كان يذيل فيها شاعر الوطن ( احمد رفيق المهدوي ) قصائده بعبارة ( عابر سبيل ) وكان يذيل شاعرنا ( الحيروش ) قصائده بعبارة ( مقيم مجيب العابر سبيل ) حيث كانت هذه المحاور الشعرية ، مليئة بالكثير من الدعابات اللاذعة من كلا الطرفين ، والتي كادت تؤدي على خصومة بينهما ، نقتطف منها هذه الأبيات لشاعرنا الحيروش ، التي نشرت بصحيفة ( برقة الجديدة)
بتاريخ 24/2/1946 تحت عنوان " أيا عابر ".


أيـــا عابراً للفــخر بالشعر ينتمــــــي اتهجوا ، لأجل "الموز" أهل التـكرم
ولمْ تستمع في ذلك عـذراً وشــر من على الأرض من لا يقــبل العذرَ فاهم
فلو كنت مقوالاً .. رفيقاً .. رفقت في محـــاورتي ، ولـــكن رميت بأســهم
فــلـلقـــول حــدٌّ أن تـعــداهُ قـــيـمــة فـــلا يـــحـمـد الإكــثار لــلمـتـكـلـــم
وللشعر نفـثٌ ، وليس نفخاً ، وإنما يُرى النفـخُ لـلــزمار .. عند الترنم

*********

وفي الناس قومٌ يفخرون بشهــرة وهــم بخلافِ الظــن يــوم التقـدم
فكم مُختفٍ .. فاق الشهير بعــلمه وكـــم من شهــيرٍ وهــو كالمتعلم
وخيرُ أديب .. شــاعرٌ بشـعــوره يرى حق ذي الآداب عــند التكلم
فــكلُّ لســـان بالجنـــان قــوامــه وكــلُّ جــِنانٍ بالــلــسان المترجم
وكــلُّ كـــلام أن تـــكـرر دائمـــاً يُملُّ .. سوى قــول الإله المعظم

كان (الحيروش) أحد رواد ( منتدى درنة الأدبي ) الذي أسسه عام 1934 كل من الشاعر ( إبراهيم الأسطى عمر ) ، و ( محمد جبريل ) وهو عبارة عن بستان ( جنان ) يحوي حجرتين ، ومخزناً وبئراً للأوقاف العامة ، مغروساً بأشجار الثمار المختلفة كالموز ، والتين ، والعنب. قاما باستئجاره وإصلاحه ليكون ملتقى للطبقة المثقفة آنذاك ، بعد أن زودوه بمكتبه ، وآلة الفونولا ( مرناه للاسطوانات ) .. وكان من رواد هذا المنتدى كل من شاعر الحرية ( إبراهيم الأسطى عمر ) وشاعر درنة ( محمد الحصادي " الحيروش " ) وقاضي درنة ( عيد الكريم عزوز ) ، وأستاذ جيل المعلمين الأوائل ( عبد الكريم جبريل ) ، و ( محمد الصالحين سرقيوه ) رجل له أثره في التعليم والإدارة ، و ( مفتاح بوغرارة ) من المدرسين الأوائل ، وعضو في جمعية عمر المختار ، ( محمد عبد الهادي ) مؤسس المسرح الليبي ، ( عبد الحميد حمد الباح ) شيخ الطريقة العيساوية بزاوية بن عيسى الصوفية ، وغيرهم من أمثال ( مصطفى بوخشيم ) ، و ( عبد الحفيظ بوغرارة ) ، و( احمد بوغرارة ) ، ( خليفة عيسى ) ، ( علي أسعد الجربي ) ، ( مصطفى بن سعود ) ، ( احمد جبريل ) ، ( إدريس الإمام ) ، ( احمد النويصري ) أحد رواد المسرح ، ( انور الطرابلسي ) احد رواد المسرح .. وغيرهم الكثير من النخبة المثقفة آنذاك.
عانى شاعرنا من مرض ( الربو ) كثيراً وقد كان سبباً في وفاته حيث وفاة الأجل بتاريخ 14/12/1953 عن عمر يناهز السبعة والسبعين عاماً ، وملاحظة المشهد العام لسيرته الذاتية وما قدمناه عن الرجل نجد الشبه الكبير و القواسم المشتركة إلى حد التطابق بينه و بين شخصية أخرى سبقته بحوالي ألف عام ، ألا و هيّ شخصية حكيم المعرة رهين المحبسين .. ( النعمان أبو العلاء المعرّي ) الشاعر الفيلسوف التشاؤمي الفاقد للبصر أيضاً صاحب اللزوميات و الذي عاش رهينا للعتمة و الوحدة كما عاش صاحبنا هذا رهينا لمحبس العتمة و مات رهينا للتعتيم ،و ليس أبلغ على ذلك إلا مرور خمسينية وفاة هذه القامة السامقة في المشهد الادبي لبلادنا بتاريخ :14/12/2003 دون أي ذكرٍ لسيرته أو تذكر له ، و رغم ذلك يظل إسم (الحيروش) الشاعر الفحل و البصمة المضيئة رغم أهوال العتمة. دفن هذا المعلم و الشاعر بمدينته التي أحب درنة و ودعه أهلها بما للشيخ من تقدير و قدر و إجلال بقلوبهم. بقى أن أقول أن هذا الرجل لم ينل حقه من التكريم ، أو التعريف به ،و لم يحظى بدراسة وافية عنه تبين مآثره ، و ما هذه السطور ليس إلا فتح باب للولوج إلى عالمه الذي ندرك أننا نجهل اغلبه ، قد يمكنني القدر ، والصدفة ، والبحث من أن اجلوها أكثر فيما بعد وان أعمقها بدراسة أوفى ، وقد يفعلها غيري ممن هم أقدر مني و على دراية اوسع و أشمل بالرجل ويبقى الباب مفتوحاً.
بقلم/عبدالناصرالباح


مصادر المقال :
·كُتيب يوم الفن التاني 1974
.يوميات إبراهيم الاسطى عمر في ديوان (ابراهيم الاسطى عمر )
·يوميات إبراهيم الأسطى عمر في ديوانه ( البلبل والوكر ).
·أحمد الشارف دراسة و ديوان.. إعداد و تجميع:علي مصطفى المصراتي
·ديوان رفيق المهدوي ( الفترة الثالثة والرابعة والخامسة ).
·عبد الناصر الباح ( مقالة بصحيفة الشلال – العدد 444 ) ·الشاعر عبد الحميد بطاو ( مقالة بحصيفة الشلال – العدد 470 )
·عبد الناصر الباح ( مقالة بصحيفة أخبار الزهراء– العدد الاول )
·المرحوم: عبد المجيد الباح ( رواية شخصية ).
·المرحوم: انور الطرابلسي ( رواية شخصية ).
·المرحوم: فرج مكراز ( رواية شخصية ).
·الباحث:محمد عوض الباح ( رواية شخصية ).


ehttp://elbah.maktoobblog.com