هل يمكن دعوة فتاة ليل لترك طريقها وُحب الحلال؟

هذا ما حاوله مجموعة من الدعاة الشباب بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإقليمي لمواجهة الايدز بالمنطقة العربية، بعضهم يعمل في مجال الدعوة فقط وبعضهم يجمع بينها وبين بالإعلام، يشكلون خلطة وحدة عربية جديدة تضم السوري والليبي والسوداني أيضاً.

فكرتهم في بساطة هي تكوين جماعات ناشطة تتبادل أخبارها وخبراتها عبر العواصم، وتكوين قوافل صغيرة من ثلاث أو أربع أشخاص بينهم شيخ الحارة أو الحي ويطرقوا بيت الفتاة سيئة السمعة للحديث معها، واختاروا لجمعيتهم اسم "حفظ النعمة".. لكن هل وفقوا في اختياره، وهل نجحوا؟
مكافحة عملية

يمكنك أن تختبر نجاحهم بنفسك بعد أن تقرأ رأى منسق المجموعة، وهو الإعلامي والداعية السوري "عبد الفتاح السمان"، وهو رجل في مقتبل العمر نشط يحب الترحال ويسعى للتشعب فهو دارس للفقه والاقتصاد ويعمل في مجال التدريب البشرى والإعلام.

بدأ حديثه بالقول: "نحن نسعى ونحسن القصد وعلى الله التوفيق"، سألناه هل التوافق بين أفكارهم وبين برنامج الأمم المتحدة عن الايدز أمر ممكن؟، أجاب: "كما هو معتاد دائماً هناك نقاط اتفاق واختلاف، لكن كانت هناك أهم نقطة اتفاق ألا وهى الرغبة في مكافحة هذا المرض بشكل عملي والحد من انتشاره".

ثم تحدث عن سياسة دفن الرأس في الرمال، قائلا: "نحن لا نعرف حقيقة وحجم المرض في بلادنا ونشكك في الإحصائيات العالمية، قد يكون هذا صحيح لكن أين الملف الصحي الخاص بالمواطن العربي الذي يمكن أن تصل إليه بمجرد نقرة على جهاز الكمبيوتر".

دار حديثنا هذا بعد ندوة جمعت بعض الإعلاميين وعدد من حاملي فيروس hip المسبب للإيدز، ثم قال السمان: "عندما رأيت حالات كهذه منذ ثماني سنوات، اختلفت نظرتي كثيرا للآمر وشعرت أنه قريب منا وأنه قاس جداً، خاصة أن عدد كبير من المصابين انتقل لهم المرض دون إثم ارتكبوه، فإما عن طريق زوج زاني أخفي الحقيقة عن زوجته ومن ثم تنقله هي لأطفالها، أو حالات نقل الدم"، وأضاف حتى الشخص المذنب كثير منهم تائبون وكان المرض خير رادع لهم عن المعصية ودافع للقرب من الله".
3 فئات

لماذا فتيات الليل؟ .. هكذا حاولت الاقتراب من تجربته أكثر، فأجاب: "هناك فكرة عامة تشغل كل المهتمين بأمر مكافحة الايدز وهى رصد الفئات الأكثر إصابة، وفى مجتمعنا العربي ممكن نرتبهم كالأتي أولهم المتعرضين للدم الملوث وهى مشكلة عامة تتعلق بتدني المستوى الصحي في البلاد العربية وهو أمر يحتاج إلى حل سياسي لا فردى، يليه تعاطي المخدرات واستخدام حقن غير صحية وهو المجال الذي احتذتا به لأن هناك عدة مراكز نجحت في استقطاب مدمنين ومساعدتهم في الشفاء، ومن ثم تحفيزهم هم أنفسهم لجذب غيرهم من هذه الإدارة وتتوالى العملية".

"ووجدنا النطاق الثالث وهو الفتيات العاملات بالجنس، فهم الأكثر وصمة بالمجتمع وهم حلقة وصل كبرى، فغالباً ما ينتقل المرض إليها من زبون ثم تنقله هي إلى آخر دون أن تتمكن هي أحيانا من اكتشافه".
من واقع التجربة

"كان لدينا اعتقاد وأكدته التجربة، وهو أن الدافع المادي لا المتعة هو السبب وراء انحدار من مثلهن".. هكذا أشار السمان، لنردد سريعا.. وهل الحاجة تبرر الانزلاق بالرزيلة وهل هذا هو رد الفعل المتوقع من كل الفتيات أن صدمتهن ظروف الحياة الصعبة؟.

أجاب: "بالطبع لا، لكن من المشاهدات استطيع أن أقول أن الأمر لا يأتي غالبا نتيجة قرار أو كما نقول دون سبق إصرار وترصد، فغالبا يتم السيناريو كالأتي فتاة غير متعلمة آتية من وسط اجتماعي متواضع تضطر للخروج للعمل في محل أو كوافير أو ما شابه، وهنا ـ وبنسبة كبيرة أكثر مما يمكن أن يتخيل الجميع ـ يأتي دور صاحب العمل ذو النفس الضعيفة الذي يبدأ يراودها عن نفسها بشكل غير مباشر معتمدا على معرفته بحاجتها للمادة لظروفها الصعبة، وهكذا تبدأ الطريق خطوة خطوة حتى تسلمه هي نفسها ويسلمها هو لآخر، وهكذا تتكون السمعة السيئة ويصبح الأمر عاديا ومربحا بالنسبة لها".

لاحظ السمان شيء من الاعتراض الصامت المتعاطف بنفس الوقت على وجوهنا، فحكي لنا قصة فتاة من سوريا، قائلا: "كنت أصلى العصر بجوامع أحد الحارات، ووجدت الناس عقب الصلاة يتحدثون عن إحداهن ويتعجبون، فجمعت معلومات أكثر وجلست أنا وزملائي بالجمعية في سوريا وأقنعنا شيخ الجامع بالذهاب معنا إلى بيتها ـ لأنه هو هنا الأكثر قرباً وقدرة على الـتأثير، فتحت لنا الباب كانت في مقتبل العشرينات وعندما عرفت سبب حضورنا اصطحبتنا إلى الغرفة التالية بالبيت ضعيف البنية، فوجدنا أب وأم في حالة مرض حقيقية وصعبة، كان الشيخ ذكر لي أنها من أسرة فقيرة ولكن حين رأيتهم تأكدت من تخلي المجتمع عنها وأن أهالي الحارة لم يقفوا إلى جوار هذا البيت بالشكل الصحيح منذ البداية ثم يلقون باللوم الكامل عليهم، فالجميع هنا مخطئ ويتحمل المسئولية".

تناول قصص فتيات أخرى، ولاحظنا أنه لم يكن وحده في أي من تلك المرات، علق على هذا ضاحكاً "حتى لا يقع الصياد بالمصيدة"، وقال "نذهب دائما ثلاث أو أربع حتى لا ندع مجال للشك أو الضعف فيما بيننا".
دخل الليل والنهار

جمعية حفظ النعمة لها إلى الآن أربع فروع في مصر وسوريا وليبيا والسودان ـ والأخيرة هي أكثر الدول العربية تسجيلا لانتشار الايدز ـ وتقدم غير النصيحة وظيفة بسيطة ودخل ثابت، وتم إنشاء مول خاص في سوريا به دور للخياطة وآخر للكوافير، وأغلب من يعملن به هو فتيات تائبات.

ولكن كيف تضمنوا صدق هذه الاستجابة، خاصة أنه لا مقارنة بين دخل الليل والنهار؟.. كان هذا سؤالنا الأخير والذي أصابه بحيرة رغم كل الثقة التي تحدث بها معنا، وقال: "بالطبع ليس لدينا آلية رقابة تجعلنا نتابع سبل حياتهم، لكن لو كانت نسبة الصدق في الاستجابة فسوف نخوضها وغالبا ما نعتمد على الأقاويل التي يتناقلها أهالي المنطقة وتصل لشيخ المسجد، وإن صعب تغيير وجهة نظر الناس حتى وإن تغير سلوكها بالفعل".



نقلا عن موقع عشرينيات