دعوة اصلاحية فكرية... وتربوية

الإمام الألباني

إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون} { يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً} {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً} أمابعد: أعتقد أن من المعلوم لدى الحاضرين أو على الأقل بعضهم أن الدعوة السلفية ليست دعوة إصلاحية فكرية فقط بل هي دعوة إصلاحية فكرية وتربوية فلا جرم أننا ندندن دائما وأبدا أننا لا نستطيع أن نحقق المجتمع الإسلامي المنشود والذي يسعى إليه كل الجماعات الإسلامية على اختلاف مبادئها ومناهجها فكلهم يتفقون على ضرورة تحقيق هذه الأمنية وهي إقامة حكم الله في الأرض ،ولكن هذه الإقامة لا بد من أن يلاحظ فيها ليس فقط الإصلاح الفكري والعلمي فهذا وحده لايكفي ،لابد أن يقترن مع ذلك أن يعمل الدعاة قبل المدعوين ثم يتبعهم المدعوون لابد لهؤلاء وهؤلاء أن يعملوا بما يدعون الناس إليه مما جاء في الكتاب والسنة وبذلك تتحقق الدعامتان اللتان لا يمكن أن تقوم قائمة دولة الإسلام إلا عليهما ألا وهما ما نردده في كثير من المناسبات التصفية والتربية

التصفية أمر علمي فكرى كما هو واضح وظاهر ،أما التربية فهو تربية هؤلاء المسلمين على هذا الإسلام المصفى ،فلا يكفي أن نعنى بإصلاح العقول وتطهير ما فيها من الانحرافات سواء ما كان منها في العقيدة أو في الأحكام والمعاملات بل لابد أن يقترن مع ذلك حمل الناس على العمل بهذا الإسلام المصفى حتى نعتبر بمثل قوله تبارك وتعالى (يأيها الذين ءامنوا لم تقولون مالا تفعلون 2 كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ). والواقع أن لكل جماعة في أرض الإسلام اليوم منهج ولست أريد أن أدخل في تفصيل تلك المناهج أو بعضها وإنما أريد أن أتكلم في المنهج الذي نحن ندعو الناس إليه حينما نقول يجب على المسلمين جميعا أن يحكموا كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وأله وسلم على منهج السلف الصالح وكلنا يعلم أن سلفنا الصالح لم يكن كما هو شأن كثير من الدعاة منا فضلا عن غيرنا لم يكونوا قوالين غير فعالين لأنهم كانوا قد ربوا على يدي رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم وكانوا متأثرين بآيات الله وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم كالآية السابقة(لم تقولون مالا تفعلون 2 كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ) فالذي أريد أن ألفت النظر نظر إخواننا الذين ينطلقون معنا في دعوتنا على الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح أن يعنوا أيضا بالأساس الثاني الذي أشرت إليه أنفا ألا وهو التربية ،أن يعنى أخواننا السلفيون أو المحدثون أو أنصار السنة هذه الأسماء كلها تدل على منهج واحد ينبغي العناية ليس فقط بالجانب الفكري كما ذكرنا بل لابد من الاهتمام بالجانب الأخلاقي أيضا والعملي الذي يكون أساسا لتحقيق الأساس الثاني الذي لابد من إقامته وتحقيقه حتى تقوم قائمة دولة الإسلام على هذا الأساس الصحيح من العلم الصحيح والتربية الصحيحة، نحن نلاحظ بكثير من المجتمعات الإسلامية ولا نستثني من ذلك بعض المجتمعات الصغيرة التي يغلب عليها أنهم معنا على الكتاب وعلى السنة وعلى منهج السلف الصالح ولكن نجدهم مقصرين في الناحية الأخرى ألا وهي ناحية تربية أنفسهم أولا وتربية ذويهم ثانيا على مافي الكتاب والسنة .
في كثير من الأحيان يكون الإخلال بهذه التربية في مسألة ليس لها علاقة بما اختلف فيه الناس من الناحية الفكرية والعلمية،ولنضرب على ذلك مثلا شائعا في كثير من البلاد العربية والتي فيها طائفة كبيرة من الدعاة إلى هذا الإسلام الصحيح حيث أن كثيرين من إخواننا لا يعنون بتربية أولادهم على هذا الإسلام الذي ندندن حوله دائما في بيانه وتوضيحه ودعوة الناس إليهم ،فمثلا قوله عليه الصلاة والسلام (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع ) هذه المسألة واضحة من حيث أن النص من حيث ثبوته صحيح ومن حيث دلالته واضح ومع ذلك فنجد كثيرا من إخواننا لا يلتزمون تأديب أولادهم على هذا الحديث وحسبنا هذا المثال لأننا لا نستطيع أن نشغل الوقت الذي عندنا في هذه الأمسية بمثل هذه الموعظة فلا أريد أن أطيل الكلام فيها وإنما هي من باب المثال ويقيس كل مهتم بتطبيق الإسلام عمليا كما ذكرنا بالأمثلة الأخرى التي لا تخفى عليه بل هو على علم بها ولكنه يتأثر بالأجواء التي يحياها ويعيشها هو وذريته .
(مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع)لا نجد كثيرا من إخواننا السلفيين أو أهل الحديث أو أنصارا لسنة يربون أولادهم على الصلاة وهم أبناء سبع بدليل أننا ندخل المساجد فقلما نجد فيها مثل هؤلاء الأولاد فضلا عمن وصل السن به إلى العاشرة فمعنى هذا أن الكثيرين منا لا يهتمون بتطبيق هذا الحديث الصحيح تطبيقا عمليا .
وهذه الكلمة وهذه الموعظة في الوقت الذي نوجهه إلى إخواننا فهي بطبيعة الحال موجهة إلى غيرهم من باب أولى لان المفروض في إخواننا السلفيين أن يهتموا بالعمل بدينهم أكثر من الآخرين الذين يظهر منهم دائما الاهتمام بالكلام حتى في ذوات أنفسهم فإنك تجدهم مثلا يتزيون بالزى غير الإسلامي ويلبسون الألبسة الأجنبية الأوروبية ويدعون الألبسة الإسلامية ولا أقول العربية لماذا؟لأنهم لايهتمون بتربية أنفسهم على الإسلام حتى هذا الإسلام الذي لا خلاف فيه بين المسلمين ،وبعضهم تجدهم في بعض البلاد في زي وفي بلاد أخرى في زي أخر فمعنى هذا أنهم يتقلبون ولا يلتزمون أحكام الشريعة فعلينا أن نربي أنفسنا قبل كل شئ لتطفح هذه التربية على من حولنا من أزواجنا ومن أبنائنا ولا شك عند الجميع أن الدعوة إلى الله تبارك وتعالى عملا هي أشد تأثيرا من الدعوة إلى الله تبارك وتعالى قولا وكلاما فإذا اقترن الفعل مع القول كان ذلك غاية المنى وكان أشد ما يكون تأثيرا في الناس الذين ندعوهم إلى الله تبارك وتعالى .
ثم نجد ملاحظة أخرى ممكن أن نلتمس عذرا لبعض إخواننا في هذه الملاحظة الآتية لأنها تحتاج إلى شئ من الفقه والفهم بخلاف المثال السابق لان الحديث واضح في ذلك (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع ) الذي أريد أن ألفت النظر أن هناك فكرة ممكن أن نصفها بأنها فكرة تربوية غير إسلامية وهذه الفكرة منتشرة في بعض المدارس التي نعرفها في بعض البلاد العربية ألا وهي منع الأساتذة من استعمال الضرب تأديبا بينما ترون في الحديث (واضربوهم عليها وهم أبناء عشر ) أنا لا اعتقد أن في كثير من المدارس يطبق هذا النظام (واضربوهم عليها وهم أبناء عشر ) وقد يضرب الأستاذ تلميذا له على خطا دون خطأ تركه للصلاة مع مخالفته للنظام الإداري في تلك المدرسة أما أن يهتم بتربية أولاد المدارس وتلامذة مدارس على مثل هذا الأمر الكريم (واضربوهم عليها وهم أبناء عشر ) فهذا مع الأسف الشديد قلما نسمع له ركزا ،وإذ الأمر كذلك فينبغي على الآباء والأمهات أن يتداركوا هذا النقص في بيوتهم ويعودوا الأطفال على الصلاة منذ نعومة أظفارهم لا أمرا وإنما الأمر يأتي كما جاء في الحديث (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع )دون السبع لا نأمرهم إذا أراد أن يقفزوا الأبوين بالصلاة فلا بأس من ذلك لكن الآمر إنما يصح إذا بلغ الولد السن السابعة ،وهنا شئ وهو أن الصلاة كما تعلمون لها شروط وأركان فنحن أحيانا ندخل في بعض المساجد فنجد ولدا قد بلغ السابعة أو زاد قد ألبس البنطلون القصير المسمى اليوم بلغة العصر الحاضر بالشورت والذي يسمى بلغة العرب القديمة بالتبان أي يصلي الغلام يصلي حسب توجيه الأب له وهذا أمر واجب كما عرفنا لكنه يغفل عن أنه يجب على والده أن يربي ولده ليس فقط على الصلاة كيفما اتفق وإنما أيضا على شروطها وعلى أركانها . فينبغي أن يعود الولد منذ صغره أن يلبس البنطلون إذا كان ولابد من البنطلون أن يكون ساترا للعورة والأحسن أن يكون قميصا طويلا كما أشرنا إلى ذلك آنفا
فهذه النقطة من التربية هي التي أردت أن أتحدث بها معكم وأن أذكركم بأنه لايجوز لنا أن نظل فقط مهتمين بالناحية الفكرية دون الناحية العملية فيجب أن نكون نحن قدوة للناس جميعا في الناحيتين الفكرية والعلمية أي التربوية..
هذا ماعنى لي ونسأل الله عز وجل أن يوفقنا جميعا لنكون عاملين بما أمر الله تبارك وتعالى في كتابه ونبيه صلى الله عليه وسلم في سنته انه سميع مجيب.
قام على تفريغه :فيصل العنزي