في ظلال صهيون
الحاخام تيرزا فايرستون*
بولدر، كولورادو –

توجب علي السنة الفائتة امتحان نقطتي الحساسة تجاه حبي لصهيون. مثلي مثل العديد من اليهود الأميركيين نشأت مع طرح لا تساؤل حوله بالنسبة لاستقامة إسرائيل وممارساتها الإنسانية والأخلاقيات العالية التي تبني سياساتها عليها. بدأت عملية التفكيك المؤلمة لهذه الثوابت مع زيارة قمت بها للأراضي المحتلة، حيث واجهت النتائج المرعبة لمخاوف شعبي.

رأيت أرضاً وقد قطعت أوصالها الجدران الأسمنتية والأسلاك الشائكة، جدار يتلوى كالثعبان عبر 450 ميلاً. نعم، كان هناك سبب جيد للخوف، تهديدات أمنية حقيقية دخلت عبر البوابات ونقاط التفتيش. رغم ذلك وجدت نفسي أتساءَل حول إعاقة عبور نساء يتحملن طلق الولادة وأطفال بحاجة لنقل دم بصورة طارئة. سمعت قصصاً، ليس فقط من عرب وإنما من جنود إسرائيليين كافحوا أثناء "تنفيذ الأوامر" بينما مات أطفال ونساء أمام عيونهم.

يعتبر إنقاذ الأرواح وحماية الحياة في الدين اليهودي أهم أمر على الإطلاق. ولكن هل ينطبق ذلك على الحياة اليهودية فقط؟ وجدت نفسي أتساءل كيف تقاس هذه الأخلاقيات مع النتائج السلبية للجدار، والقرى العربية العديدة التي تفتقر إلى مياه الشرب والمزارعين الذين يمنعون من الوصول إلى مزارعهم وكروم الزيتون التي يجري مصادرتها واقتلاع أشجارها. هل يمكن لذلك أن يقع ضمن لائحة أخلاقيات شعبنا؟

يزور معظم اليهود الأميركيين إسرائيل ويرون جدار الفصل ويقفون ليقولوا: نحن سعداء لوجود هذا الجدار. يقال لنا إن الجدار يحافظ على سلامتنا من الإرهابيين. واقع ذلك الأمان لا تساؤل حوله. ولكن قلة هم الذين يسألون: ماذا على الجانب الآخر؟ ما نراه نحن اليهود على الطرق السريعة الحديثة جميل جداً في بعض النواحي – لوحات تجميلية من الخشب والنحاس. ولكن على الناحية الأخرى تقع ظلال صهيون:إسمنت وأسلاك قاطعة، رسومات جدارية (حمامة سلام مهيبة عالقة في الأسلاك الشائكة، تمثال حرية ظهرت قرونه واتخذ شكل غول رهيب، نساء باكيات). كلمات تجعل الدمع يترقرق في عيني. "ألا يتذكرون أحياء اليهود المغلقة (الغيتو) في وارسو؟". "لسنا جميعاً إرهابيين!" وعلى مسافة أقرب من المستوطنات: "الموت للعرب".

ما حث على إقامة هذا الجدار هو الإرهاب المتراكم، والتفجيرات المحتملة في أي موقف حافلات أو مقهى، ورعب أناس مثلك ومثلي، يتفجرون وهم في طريقهم إلى عملهم أو وهم يجلسون مع أفراد عائلاتهم يتناولون طعام العشاء. نعم، لقد انخفض عدد التفجيرات الانتحارية بشكل ملموس منذ بناء ذلك الجدار. ولكن بدا واضحاً وأنا أتنقل يومياً بين المناطق المحتلة وإسرائيل، أن العديد من الإسرائيليين لا يعلمون سوى القليل، أو لا شيء إطلاقاً عن الذل وفقدان المعنويات والموت الذي يحصل خلف الجدار. من المفهوم أن أخوتنا وأخواتنا في إسرائيل يريدون أن يعيشوا حياتهم بصورة طبيعية، وهم بحاجة للأمن للقيام بذلك.

ولكن كيف يمكن أن ينتج الأمن على المدى البعيد من وضع كهذا؟

وجدت نفسي، من خلال التنقل عبر المناطق ورؤية هذه الأمور أهمس مرة بعد أخرى: ما الذي يحدث لنا؟ كيف وصلنا إلى هنا؟ كنا في يوم من الأيام ضحايا، واليوم ينظر إلينا العالم كمعتدين، وكغاضبين يجرفون الكروم ويتحكمون بالحياة ويتسببون بالدمار للآخرين. لا سمح الله أن تكون هذه هي الصورة الجديدة لليهودي. لا سمح الله أن يكون هذا هو طرحنا الجديد.

وصلت إلى حافة إيماني وأنا أشاهد هذا التحدي الهائل لأخلاقياتنا. رغم أنه يتوجب اتخاذ التهديدات القاتلة الحقيقية بمنتهى الجدية، علينا أن نواجه عدواً آخر لا يقل مكراً وغدراً يأتي من الداخل. إنه يقبع في نقطة عمياء لا نراها، وهو لهذا السبب أكثر خطورة لأمننا من أي عدو آخر. ذلك العدو هو الخوف، ونحن في خطر الوقوع رهائن له.

مثله مثل أخلاقياتنا، انغرس الخوف فينا كيهود، إنه يعيش في خلايانا المليئة بصدمة حقيقية من أن نقع عرضة للمعاناة، وقرون من عمليات الطرد ومعسكرات الاعتقال الجماعية والأحياء اليهودية المغلقة والإبادة المنهجية.

الخوف حكيم إلى درجة ما. وكما قالت هانّا أريندت، الخوف شعور لا غنى عنه من أجل البقاء.

ولكن عندما يهدد الخوف المبادئ التي يرتكز عليها بقاؤنا، وعندما يأخذ الخوف من أجل الأمن أخلاقياتنا رهائن، يصبح الخوف السلطة العليا في حياتنا ويبرر أي تصرف وفعل.

يا له من مجاز لا يُصدَّق، "الجدار الأمني" هذا، بالنسبة لحياتنا. نحن جميعاً نحمل مخاوف ونبني جدراناً تشكّل المظهر الطبيعي لأيامنا. ولكن ما هو الثمن الذي ندفعه؟ الجدران تحافظ على سلامتنا، ولكن على بقائنا وحيدين كذلك. إنها تجعلنا نعمل بشكل جيد، ولكنها تبقي علينا مقطّعي الأوصال. إنها تحافظ على حمايتنا ولكنها تبقينا مخدرين. والأمر ينسحب كذلك على الدول كما على الأفراد. خطر الحواجز هو نوع من شلل روحنا وقتل إنسانيتنا.

من الخطورة بمكان للزعماء اليهود أن ينتقدوا الجدار والاحتلال الذي تمارسه إسرائيل. معظم الناس يستسلمون للصمت بالتراضي، وهذا نوع آخر من الجدار. ولكن علينا أن نختار: المخاطرة بسمعتنا أو الصمت والمخاطرة بروحنا.

أصلي لأن نحصل على الشجاعة لهدم الجدران الإسمنتية وجدران الصمت، وأن نمتد إلى ما وراء الخوف وأن نعود إلى إنسانيتنا البسيطة، ففي ذلك تكمن عظمتنا، وهنا يكمن تحقيق الحلم الصهيوني.
---------------------------
*تيرزا فايرستون مؤلفة ومحللة نفسية وقائدة روحانية لمجمع نيفيه كوديش في بولدر بولاية كولورادو، حيث أسست "دائرة الإنصات الفلسطينية اليهودية".



لاتعليق///مقاله اعجبتني