قيل إنّ رجلاً جمع مالاً فادّعى ولم يدع صنفاً من المال إلا اتخذّه وابتنى قصراً وجعل عليه بابين وشقين، وجعل عليه حرساً من غلمانه، ثم جمع أهله وصنع لهم طعاماً وقعد على سريره ورفع إحدى رجليه على الأخرى وهم يأكلون فلما فرغوا قال: يانفس انعمي لسنين فقد جمعت لك ما يكفيك فلم يفرغ من كلامه حتى أقبل إليه ملك الموت في هيئة رجل عليه خلقان من الثياب في عنقه مخلات(1) يتشبّه بالمساكين فقرع الباب بشدّة عظيمة، قرعاً أفزعه وهو على فراشه، فوثب إليه الغلمان فقالوا: ما شأنك؟ فقال : ادعوا لي مولاكم. فقالوا : إلى مثلك يخرج مولانا؟ قال : نعم فأخبروه بذلك، فقال: هذا فعلتم به وفعلتم، وقرع الباب أشدّ من الأولى فوثب إليه الحرس. فقال : أخبروه إني ملك الموت. فلمّا سمعوه ألقى عليهم الرعب ووقع على مولاهم الذّل والتخشّع. فقال: قولوا له قولا ليناً، و قولوا: هل تأخذ به أحداً؟ فدخل عليه وقال: اصنع في مالك ما أنت صانع فأني لست بخارج منها حتى أخرج روحك، فأمر بماله حتى وضع بين يديه، فقال حين رآه: لعنك الله من مال، أنت شغلتني عن عبادة ربي ومنعتني أن أتخلّى لربي، فانطق الله المال وقال: لا تسبّني وقد كنت تدخل على السلاطين بي ويردّ المتقي عن بابهم وكنت تنكح المتنعّمات بي و تجلس مجالس الملوك بي وتنفقني في سبيل الشّر فلا أمتنع منك، ولو كنت أنفقتني في سبيل الخير نفعتك، خلقت وابن آدم من تراب، فمنطلق ببر ومنطلق بإثم، ثم قبض ملك الموت روحه فسقط.
(1) المخلة: آلة مستطيلة من حديد ونحوه ترفع أو تقطع بها الحجارة