صفحة 1 من 2 12 أخيرأخير
النتائج المعروضة من 1 الى 20 من مجموع 37

موضوع: عائشة .. في غـرفة التشريح .. !

ردود: 37 | زيارات: 1983
  1. #1
    عضو متميز
    صور رمزية sa9r
    تاريخ التسجيل
    Mar 2005
    المنطقة
    عابر سبيل
    ردود
    7,648

    عائشة .. في غـرفة التشريح .. !

    قصة قرأتها منذ عام ... لا أذكر هل حدثتكم عنها أم لا ... لكنها تستحق القراءة فعلا .

    قراءة ممتعة ... في أمان الله .


    عائشة .. في غـرفة التشريح .. !

    د. محمد الحضيف


    بدأ حلماً .. يراودها ، منذ تسع سنوات . وقتها .. كانت في الصف الثالث الابتدائي ، حين صارحت أمها ، بأمنية ( بريئة ) كأحلام الطفولة ، بعد موقف مرّ بهما . موقف ظل يتكرر كثيراً ، في أعوام تالية ، كلما أخذ والدها والدتها إلى المستشفى ، للكشف عليها .. حين تمر بعارض صحي . تسمع توسلات أمها عميقة ولحوحة ، وهي تتمنّع في بعض المرّات ، عن الذهاب إلى المستشفى ، رغم وضعها الصحي السيء ، ثم توافق على مضض :
    - أرجوك يا ناصر ، إذا كان دكتور ، لا أريده أن يكشف علي ..!
    في كل مرّة ، كان زوجها يرد بحزم :
    - ليس عندنا حل ثانِ يا مها ، إذا لم يكن هناك دكتورة ..
    - لا .. أرجوك يا أبا أحمد .. أموت ، ولا يكشف عليّ رجل .

    سنوات تمضي ، ومشهد يتكرر . في إحدى المرّات .. تذكر أن والديها ، عادا من المستشفى ، بكيس من الأدوية . أبوها كان هادئاً ، لكن والدتها بدت بحالة نفسية متردّية ، أسوأ من تلك التي ذهبت بها . سمعت والدها يتحدث .. يطمئنها ، ويؤكد بأن حالتها عادية ، ولا تستدعي القلق ، وأقسم على ذلك عدة مرّات .. وأن الطبيب أخبره بذلك . ثم ختم حديثه قائلاً :
    - وكان كذلك ، مؤدباً جداً .. وهو يكشف عليك . أليس هذا هو المطلوب ؟

    أفرغ كيس الأدوية على طـــاولة صغيرة ، في وسط غرفة النوم ، وأخذ يستعرض تعليمات الاستعمال ، الملصقة عليها :
    - كل شيء واضح .. أهم شيء الالتزام بالمواعيد .
    نظر إلى ساعته وقال :
    - سأخرج للصلاة الآن ، ولدي موعد بعدها ، استريحي .. عائشة ستساعدك .
    نادى على ابنته ، وقال ممازحاً :
    - أكيد تعرفين .. تقرأين ..؟
    هزت رأسها ..
    - شوفي التعليمات المكتوبة على الأدوية ، وأعطيها ماما .

    جثت على ركبتيها قريباً من الطاولة ، ثم التقطت منديلاً ورقياً ، وفرشته في إحدى زواياها . شرعت تقرأ الإرشادات ، المرفقة مع كل علبة دواء ، ثم تفتحها ، وتأخذ منها ، حسب ما هو مبين في ملصق التعليمات ، وتضعه على المنديل ، حتى مرّت عليها كلها ، وأعادتها بعد ذلك إلى الكيس . أحضرت كأس ماء ، ثم جمعت الدواء في المنديل ، واتجهت إلى والدتها ، التي كانت قد استلقت على السرير ، ووضعت وسادة على وجهها :
    - ماما .. الدواء ..
    التفتت الأم ، بعد أن رفعت الوسادة عن وجهها ، ونظرت إليها بعينين مبللتين . مدت يدها إليها لتأخذ الدواء ، وبقايا ألم ما زالت في العينين .. تحاول أن تواريها :
    - تسلمين حبيبتي ..
    - أمي .. بابا يقول ، أنت طيبة ، وما فيه شيء خطير ، ليه أنت متضايقة ؟
    - ما فيه شيء حبيبتي ..
    - أجل ليه تبكين يا ماما .. أنت متضايقة من المستشفى ..؟

    أغلقت كفها على الدواء ، ثم أغمضت عينيها وأطرقت . كانت تحبس وجعاً غير عادي ، وتتمنى لو تجد من تبوح له به . في خاطرها أن البنت صغيرة ، ولا تستوعب حديثاً عن أحوال النساء .. بهذا المستوى . كيف تفصح لها ، عن خجلها الشديد ، من كشف الطبيب عليها ؟
    عندما رفعت رأسها ، كانت ابنتها ما زالت واقفة ، ممسكة كأس الماء بيدها ، وعلامات الاستفهام ، قد استولت على كـــــامل وجهها . أخذت كأس الماء منها ، وتـــناولت كومة حبوب الدواء من المنديل ، وجمعتها في كــفها ، ثم قذفتها في فمها ، وأتبعتها بجرعة ماء . وضعت الكأس بجانبها ، ولم تشأ أن تنظر في وجهها ، حتى لا تشعر بحرج من تهربها من الإجابة . أحست بها تتقدم نحوها .. ثم تقف ، وتطوق عنقها بكـــفين ، وساعدين ممدودين . رفعت رأسها ، ولما التقت نظراتهما .. فاجأتها بما لم تتوقع :
    - ماما .. لمّا أكبر ، أصير دكتورة وأكشف عليك .
    صرخت وضمتها :
    - يا عمري يا ( عيّوش ) .. حاسة فيني ..!


    عن أنس رضي الله عنه قال
    : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن لله تعالى أهلين من الناس . قالوا : يا رسول الله من هم ؟ قال : هم أهل القرآن أهل الله وخاصته ) . (صحيح الجامع2165)








  2. #2
    عضو متميز
    صور رمزية sa9r
    تاريخ التسجيل
    Mar 2005
    المنطقة
    عابر سبيل
    ردود
    7,648
    انـــزاح عن صـــــدرها هم ثــــقيل ، فانفرجت أساريرها . كـــــانت تريد البوح ، أن تتـــــحدث إلى ( أحد ) . لم تظن أن عائشة الصغيرة ، قادرة على إدراك ما يعتمل في داخلها . أجلستها إلى جانبها على طرف السرير ، وانطلقت تحدثها عن حيائها من الرجال ، وشعورها بالإثم ، لإطلاع الطبيب على أجزاء من جسدها :
    - أستحي يا بنيّتي ، وأحس إني أموت مئة مرّه ، قبل ما يخلص الدكتور من الكشف .
    لم تعلق عائشة ، وإنما استمرت تتأمل أمها ، وتمسح وجنتيها بكفّيها .. وتكرر بين آن وآخر جملتها : " أكبر وأصير دكتورة ، وما يكشف عليك إلا أنا " . تبتسم الأم وتضمها ، لكنها لا تخفي عدم رغبتها في أن تصبح عائشة طبيبة :
    - اسم الله عليك يا حبيبتي .. أخاف عليك..!

    كبرت عائشة ، وبقي الحلم يكبر ، في كل مرّة يتكرر الموقف ، حينما تضطر أمها للذهاب إلى الطبيب .. وكثيراً ما حدث ذلك . حلم طفلة التاسعة ، بقي خواطر عفوية ساذجة ، تروح وتجيء ، إلى أن كان قدره أن يتعرض لصدمة ، حوّلته إلى هدف ، غير قابل للمساومة .. لفتاة أصبحت أكثر نضجاً ، وتقترب من سن الزواج ، وصارت تعرف من أمور النساء الشيء الكثير .
    في مجتمع ينشئ نساءه ، على الحشمة والحياء ، وتنظر المرأة لذلك ، على أنه مقياس لقيمتها ، وسور يمنع التعدي عليها .. لم يكن صعباً أن تفـــهم ، لماذا تعاني أمها ، كل هذه المعاناة ، في كل زيارة لها .. للطبيب . إنها .. بمفهوم آخر ثقافي ، غــــير معــــلن ، تعتبر إطلاع الطبيب الرجل ، على خصوصية جسدها إنتهاكاً لمحرم ، واختراقاً لحصونها ، التي تستمد منها ، واحدة من أهم قيمها المعنوية . في مقابل القيمة الحسية ، التي تَعْمَد إلى ( تَشْيِيء ) المـــــــــرأة ، والنظر إليها ، بوصفها شـــــيئاً ( متاحاً ) ، باعثاً للّذة .. ومن ثم ابتذالها جنسياً ، يعلي الحياء والحرص على خصوصية الجسد .. من القيمة المعنوية للمرأة ، بوصفها كــــينونة بعقل .. ومنظومة قيم . صحيح أن حالة والدتها ، لا تتكرر كثيراً ، لكنها تستند إلى بيئة تربوية وثقافية .. تتفاوت النساء في تمثّلها .

    كانت شابة في السابعة عشرة .. طالبة في الصف الثاني الثانوي ، حينما رافقت أمها الحامل ، برفقة والدها إلى المستشفى .. في رحلة أحدثت تحولاً عميقاً في مجرى حياتها :
    - أمك تحتاج إلى مساعدة يا عائشة .. تعالي معنا . أصلّي المغرب ونمشي .. كونوا جاهزين ..

    حين وصلوا المستشفى ، توجهوا لقسم الطوارئ . قصد موظف الاستقبال ، وقال أن زوجته حامل ، وتشكو من آلام شديدة ، رغم أن موعد وضعها لم يحن بعد :
    - لديها ملف ..؟
    - نعم ..
    ثم مد يده إلى جيبه ، وأخرج بطاقة بلاستيكية ..
    كانت على كــرسي متحرك . أشار إليه ، وهو يمد البطاقة .. إلى ممرضة على يمينه ، بأن يدفعها باتجاه مكتب ، يتجمع حوله عدد من الممرضات . أخذت الممرضة التي تحدث إليها ، البطاقة التي كانت تحمل اسمها ، ورقم الملف ، ومعلومات عامة عن المريض . شرعت تملأ البيانات ، في ورقة تناولتها من ملف أمامها ، وتملي في الوقـــت نفسه ، عبر الهاتف ، الذي رفعته بكتفها ، وألصقته بأذنها .. معــلومات الملف ، على شخص آخر تحادثه . أثناء ذلك ، كانت الممرضات الأخريات قد وضعنها على سرير ، في إحــــدى غرف الطوارئ ، وبدأن بأعمال الفحص الأوّلي . أبـــــو أحمد .. زوجها ، كان متوتراً ، على غير عادته ، فبادر الممرضة :
    - هاه .. يا ( سستر ) ، إن شاء الله خير ..؟
    - إن شاء الله .. " ممكن فيه ولادة ، بس لازم دكتور يشوف أول " .

    عائشة كانت إلى جوار أمها ، حـــين لاحظت أنها انتفضت ، بمجرّد سماعها كلمة ( دكتور ) . بعفوية لا تخلو من توتر ، سحبت الأم الغطاء على بطنها المكشوف ، رغم أنه لم يكن موجوداً ، إلا زوجها وابنتها والممرضة ، التي تقيس ضغطها ، ودرجة حرارتها .. ولم تكن قد انتهت بعد ، من استكمال إجراءات الكشف . لما أرادت الممرضة أن تزيح الغطاء ، لتضع السماعة على بطنها ، أبعدت يدها ، واجترّت نفساً عميقاً .. وقالت :
    - أرجوك يا ( سستر ) ، إذا خلصتِ .. أبغى دكتورة تكشف علي .

    لم ترد الممرضة ، وإنما واصلت إجراءات الفحص ، وطرح الأسئلة التقليدية ، عن تاريخها المرضي ، وإذا ما كان لديها حساسية ، تجاه دواء معين . تجاهل الممرضة لطلبها ، زادها إحباطاً ، ورفع وتيرة قلقها .. فنظرت إلى زوجها بعينين منهكتين ، أثقلهما الإحراج ، والشعور بالعناء الذي تسببه له .. فعجزت عن فتحهما بكامل استدارتهما .. وقالت :
    - أسألك بالله .. يا أبو أحمد ، فكّني من وجع القلب هذا ..!


    عن أنس رضي الله عنه قال
    : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن لله تعالى أهلين من الناس . قالوا : يا رسول الله من هم ؟ قال : هم أهل القرآن أهل الله وخاصته ) . (صحيح الجامع2165)







  3. #3
    عضو متميز
    صور رمزية sa9r
    تاريخ التسجيل
    Mar 2005
    المنطقة
    عابر سبيل
    ردود
    7,648
    أغضى .. وتنهد بصوت مكتوم ، ولم يعلّق . وقف للحظة .. ثم شد على يدها ، قبل أن يذهب . خرج من عندها ، وصار يتلفّت بحثاً عن أحد يسأله . شاهد شاباً يرتدي معطفاً أخضراً ، يناقش إحدى الممرضات في ورقة يحملها . اقترب منه ، وأخبره بحاجة زوجته لعناية عاجلة . لم يقطع الشاب حديثه مع الممرضة ، بل التفت بسرعة .. وقال وهو يشير بيده .. باتجاه أحد الأشخاص :
    - كلّم الدكتور بشير ..
    - وأنت ..؟
    - أنا طبيب امتياز .
    - يعني ..؟
    لم يـــــرد عليه ، بل استمر في حديثه ، واكتفى بالإشارة إلى شخص سوداني في طرف الصالة ، عليه معطف أبيض ، ويتحلق حوله عدد من الأشخاص ، بينهم ممرضات . سأل إحدى الممرضات عن الدكتور بشير ، فأشارت إليه . أراد أن يحدثها عن حالة زوجته ، فاعتذرت وأخبرته .. أن عليه أن يتحدث مع الطبيب المسؤول في قسم الطوارئ .. الدكتور بشير . اقترب وحيّاه :
    - مساء الخير دكتور ، أنا زوجتي حامل وتعبانه .. ممكن ..
    - الدور جاي عليها ، دقائق فقط ، وأجيء لها .
    - المشكلة يا دكتور ، إنها تريد طبيبة تكشف عليها .
    - للأسف .. الليلة الدكتورة صار عندها حالة طارئة .. ومشت ، ولا يوجد في القسم عندنا ، إلا دكاترة رجال ، يكشفون على المرضى .
    - والولادة ..؟ الممرضة قالت أنها ربما تكون عندها حالة ولادة مبكرة ..!
    - موضوع الولادة ليس فيه مشكلة ، على حد علمي ، يوجد طبيبة ، لكن دعنا الآن نراها ، ونعرف ما هي حالتها بالضبط ، مع الدكتور فيصل ..
    ثم أشار برأسه إلى طبيب ، يقف على بعد أمتار منه ، يقلب مجموعة أوراق بين يديه . يبدو الدكتور فيصل ، من ملامحه ومظهره الخارجي أنه سعودي . فرح بذلك ، وقال يحدث نفسه : دكـــتور سعودي .. سوف يتفهم موقف زوجتي ، ورفضها للأطباء الرجال .. ويقدر حالتها النفسية ، وشعورها .

    عاد إلى زوجته ، وفضل أن يبدأ بإطلاعها ، على ما يظن أنه الخبر الذي سيطمئنها ويريحها . يعلم أنه لو أخبرها بعدم وجود طبيبة ، تتولى الكشف عليها ، فإن وضعها النفسي سيتدهور ، وحالتها الصحية ستزداد سوءاً . قال إنه تحدث إلى الدكتور رئيس قسم الطوارئ ، عن رغبتها في طبيبة تتولى متابعة حالتها ، وأن الدكتور أكد وجود طبيبة نساء وولادة ، سوف تتولى رعايتها ، والإشراف على الولادة .. بمجرد أن يتم تحويلها من الطوارئ إلى قسم التوليد ، بعد أن تنتهي إجراءات الكشف ، والتأكد من حالتها .. ثم أضاف ، بكثير من الاطمئنان :
    - هناك أيضاً دكتور سعودي موجود في الطوارئ ، سيساعدنا لو حصل أي إشكال ..

    بدت أمارات الرضا على وجهها ، ولم تنتبه لكلام زوجها ، أن من سيتولى الكشف عليها ، وينهي إجراءات فحصها .. قبل تحويلها لقسم التوليد ، دكتور وليس دكتورة . كان انتباهها مركزاً على الجزء الأول من الكلام ، الذي يتحدث عن طــــبيبة النــساء والولادة . عائشة انتبهت للأسلوب ، الذي خاطب به والدها والدتها ، ولاحظت مظاهر ارتياح اتسم بها حديثه ، وهو يتحدث عن وجود طبيب سعودي . انتبهت أيضاً للسكينة التي غمرت أمها ، بعد سماعها لكلام والدها . اختلست نظرة لوجه والدها ، الذي أدرك ما يدور في خاطرها .. فتبادلا ابتسامة ارتياح وإعجاب . هي للطريقة الذكية التي استخدمها لطمأنة أمها ، وهو لذكائها وسرعة بديهتها .

    كانت الممرضة قد فرغت من إجراءات الفحص ، ودونت النتائج في بيان معها ، وعلى وشك أن تخرج ، حين دخل الدكتور بشير السوداني ، ومعه الطبيب الآخر ، الذي كان واضحاً ، من لهجته وكلامه أنه سعودي . أخذ الدكتور بشير الورقة من الممرضة ، وتحدث بلغة إنجليزية مع الطبيب الآخر ، وصارا يستعرضان المعلومات التي دونتها الممرضة . طلب الدكتور بشير من الممرضة أن تكــشف عن بطن المريضة . تمسكت أم عائشة بالشرشف ، لكن زوجها نظر إليها بعتاب .. وخاطبها بصوت خافت :
    - مها ..!
    طرفت عيناها من خلف النقاب ، ثم أرخت قبضتي كفيها عن الغطاء .. وتنهدت بعمق . في الوقت نفــــسه ، انحنت عائشة ووشوشت في أذن أمها بكلمات غير مسموعة ، أطلقت بعدها الشرشف ، وتركت الممرضة تقوم بواجبها .
    وضع الدكتور بشير السماعة على الجزء الظاهر من بطنها ، وتحدث مع الطبيب الآخر ، الذي تناول منه السماعة ووضعها في أذنيه . أصغى لبضع ثواني ، ثم التفت إلى الدكتور بشير ، وهز رأسه موافقاً ، وعلق بعبارة واحدة . كان الحوار باللغة الإنجليزية ، فلم يفهموا شــيئاً مما دار بينهما . التفت الدكتور بشير إلى والد عائشة ، أبو أحمد وقال :
    - زوجتك لديها حالة ولادة مبكرة ، وسنكتب لها إذن تنويم . الدكتور فيصل هو استشاري النساء والولادة .. سيتولى إكمال الإجراءات .. والإشراف على الولادة .

    تبادل أبو أحمد نظرات سريعة مع زوجته ، التي فاجأها الخبر ، وكان خلاف ما توقعته .. فظهر الهلع في عينيها ، وأخذت تجمع الشرشف حولها بعصبية ، وتردد : لا .. لا . كان الدكتور بشير على وشك أن يخرج ، قبل أن يستوقفه زوجها ، ويقول له :
    - لكني يا دكتور ذكرت لك ، أن زوجتي لديها مشكلة ، ولا تريد إلا دكتورة لتقوم بتوليدها .
    - والله يا أستاذنا ، هذا ليس من اخــــتصاص الطوارئ .. كلم الدكتور فيصل .. هو المسؤول .


    عن أنس رضي الله عنه قال
    : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن لله تعالى أهلين من الناس . قالوا : يا رسول الله من هم ؟ قال : هم أهل القرآن أهل الله وخاصته ) . (صحيح الجامع2165)







  4. #4
    عضو متميز
    صور رمزية أيو هشام الدمشقي
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    المنطقة
    سوريا
    ردود
    1,194
    الله يعطيك العافية على هذا المجهود الجميل - بارك الله فيك
    .

    حسبنا الله ونعم الوكيل
    ...


  5. #5
    عضو متميز
    صور رمزية sa9r
    تاريخ التسجيل
    Mar 2005
    المنطقة
    عابر سبيل
    ردود
    7,648
    غادر الدكتور بشير ، فالتفت أبو أحمد إلى الدكتور فيصل ، الذي كان يرتب إجراءات التنويم مع الممرضة ، وسمع الحديث الذي دار بينه وبين الدكتور بشير .. فقال :
    - دكتور فيصل ، لو سمحت ..
    قبل أن يكمل كلامه ، فاجأه الدكتور فيصل ، دون أن ينظر إليه ، وهو ما زال منشغلاً مع الممرضة .. برد جاف ، وتقاطيع جامدة :
    - الإجراءات تتم حسب المتوفر ..
    - الدكتور بشير ، قال لي قبل وصولك بدقائق ، إن فيه طبيبة .. دكتورة .
    انفعل الدكتور فيصل ، ورد بعصبية :
    - يعني أنا كذاب ..؟!
    - أنا ما قلت كذا ..!
    واصل الدكتور فيصل انفعاله ، وبوتيرة أعلى :
    - قلت .. أو ما قلت ، أزعجتونا . كل واحد يجيء لي .. أبغى دكتورة تولد زوجتي . إيش الأوادم هذي ؟ صلحوا لكم مستشفيات بمزاجكم . عاجبك نظامنا ، أو خذ زوجتك وتوكّل على الله .. الباب يوسع جمل ..!
    ثم ختم ردّه الحاد ، بعبارة خافته ، حاول أن تكون غير واضحة :
    - ناس متخلفة ..!
    لكن يبدو أن أذن أبو أحمد ، قد التقطت الكلمة :
    - يا دكتور .. هذا مستشفى حكومي ، ومن حق المواطن أن يلقى احتراماً ، وخدمة صحيحة . التخلف .. ليس التزام الإنسان بما يؤمن به ، بل معاملة الناس بهذه الطريقة .

    اندفع الدكتور فيصل خارجاً من غرفة الفحص ، بعد أن أكمل بلغة غاضبة ، توجيه تعليماته للممرضة . لم تفلح في إيقافه .. عبارة : " أرجوك يا دكتور " ، التي ظل أبو أحـــمد يرددها .. أملاً في أن يستمع إليهم ، ويتفهم ظروف زوجته ، ووضعها النفسي . أراد أن يشرح له ، أنها ليست مسألة حلال أو حرام فقط ، ما يجعل زوجته ترفض الأطباء الرجال .. وهو ما فهمه ، من وصفه لهم بالتخلف .. بل بسبب حالتها النفسية . كان واضحاً أن مــــوقفه قطعي ونهائي ، لأن الممرضة ، بعد انصرافه ، جاءت وأكّدت لهم ، أن الدكتور فيصل ، طلب منها أخذ توقيعه وإقراره ، على أن من سيتولى توليد زوجته طبيب رجل ، وليس طبيبة .
    أراد أن يتبعه .. ليجادله ، لكنه فضل أن يبقى ليهدئ زوجته ، التي أخذت تنتحب ، وفاض الدمع من عينيها ، حتى بلل معظم نقابها . منظر زوجته تتلوى من الألم ، وموقف الدكتور الحاد من طلبهم ، جـعله يشتعل سُخطاً وغضباً .. ولم يبقِ مجالاً للصبر ، فخرج ليلحق به . جال في قسم الطوارئ يبحث عنه ، وهو يردد بغيظ :
    - أين دكتوركم المحترم ..؟

    لم يجده .. وكذلك الدكتور بشير ، لم يكن موجوداً .. هو الآخر . بدأ يعلو جداله مع موظف الأمن ، الذي كان يطالبه بالهدوء .. أو سيضطر لاستدعاء الشرطة لإخراجه . زوجته وابنته كانتا تسمعانه من داخل غرفة الفحص . خشيتا عليه أن ينفعل ، فيقدم على تصرف غير محسوب :
    - عائشة .. نادي على والدك بسرعة .


    عن أنس رضي الله عنه قال
    : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن لله تعالى أهلين من الناس . قالوا : يا رسول الله من هم ؟ قال : هم أهل القرآن أهل الله وخاصته ) . (صحيح الجامع2165)







  6. #6
    عضو متميز
    صور رمزية sa9r
    تاريخ التسجيل
    Mar 2005
    المنطقة
    عابر سبيل
    ردود
    7,648
    خرجت عائشة لتجد والدها في جدال محتدم مع رجل الأمن ، وبعض العاملين في قسم الطواريء . نادت عليه ، وأخبرته أن أمها تريده . حين دخل على زوجته ، كان وجهه محتقناً ، عليه أثار الإجهاد والغضب ، من النقاش الحاد ، والشعور بالإحباط . لم يطق الصبر على نظراتها الكسيفة ، ولا استطاع أن يديم النظر إلى وجهها الأبيض الغض ، الذي انقبض وعــصرته آلام المخاض ، وشحب .. فصار أصفر ، بعد أن امتص نضارته ، الإحساس بالعجز .. والمهانة ، من طريقة تعامل الدكتور فيــصل معهم . قال لها .. كأنما يريد أن يعيد إليها ولنفسه ، كرامة مهانة ، وإنسانية مهدرة :
    - حبيبتي مها ، لا يهمك الدكتور قليل الأدب هذا . الآن نطلع ، ونروح لمستشفى خاص ، وتولّدك دكتورة .
    ثم التفت إلى ابنته .. ليؤكد ما عزم عليه :
    - عائشة .. هاتي عربية . أنا سأساعد ماما على النزول من السرير .
    اعتدلت زوجته في جلستها ، وأمسكت بيد ابنتها ، لتمنعها من الذهاب ، وقالت .. وهي تنظر إليه ، بعيون امتلأت حباً :
    - لا يا ناصر .. الله يخليك لنا . المستشفيات الخاصة تكلف كثير ، وأنا ولادتي ، يحتمل أن تكون غير طبيعية . العمليات القيصرية غالية جداً .. يفرجها ربك إن شاء الله .
    ثم أضافت ، بنغمة لا تخلو من خوف :
    - تذكر جيراننا أم خالد .. كيف طردهم المستشفى الحكومي ، لعدم وجود أَسِرِّة .. لأن زوجها ، ليس من منسوبي ذلك القطاع ، وراحوا لمستشفى أهلي ، وكلفتهم الولادة أكــثر من 25 ألف ريال .. ما قدروا يدفعونها ، فرفض المستشفى تسليمهم المولود ، إلا بعد شهر ، لمّا استلفوا .. ودفعوا لهم .

    عائشة كانت ترقب المشهد . تتأمل صراع أمها مع الألم ، وصراعها مع نفسها .. بين رفضها أن تذهب إلى مستشفى خاص ، سوف يكلفهم فوق ما يطيقون ، وبين قبولها بأن يتولى عملية توليدها رجل ، وهو أمر فوق أن تحتمله . نغمة اليأس العميق ، بدت واضحة جداً ، وهي تعترض على اقتراح زوجــــها . جملتها الأخـــــيرة : " يفرجها ربك " ، خرجت خافتة متقطعة ، وعبّرت عن حقيقة شعورها العميق ، بالأسى والمرارة ، رغم أن ظاهر كلامها خلاف ذلك . حين أنهت عبارتها هذه ، أسبلت جفنيها ، ثم انزلقت على وسادتها ، فغاص رأسها في الوســــادة ، وهبط صدرها ، بعد أن زفرت نفساً عميقاً . بدا المشهد ، بين انغماس رأسها في الوسادة ، وهبوط صدرها .. وكأنها تهوي إلى قاع .

    ألم عائشة تضاعف ، وهي تشـــاهد والدها تقسّمه الحيرة ، بين ما آلت إليه حال أمها ، بسبب موقف الدكتور فيصل ، وبين رغبته في أن يساعدها ، للخروج من هذا الوضع ، بنقلها إلى مستشفى خاص ، رغم ضعف إمكاناته المادية . انتبهت إلى أن حيرته تضاعفت ، بعد رواية أمها لقصة أم خالد . تسترجع المشهد لبضع دقائق مضت ، حين كــــان والدها ، يشرق وجهه بالأمل ، وتكسو محيّاه علامات الارتياح ، لوجود طبيب سعودي . تلحظ الآن ، شعوراً بالمرارة ، يجعله يوالي ارتشاف الماء ، من زجاجة مياه صحية لم تفارق يده ، منذ أن تجادل مع العاملين في قسم الطوارئ ، حول موقف الدكتور فيصل . سمعته يردد في جداله معهم : " تصوّروا .. يصفنا بالتخلف ، لأن زوجتي امرأة تستحي ، وتراقب ربها ، ولا تريد أن يقوم بتوليدها .. إلا طبيبة . هل يعقل أن يكون هذا الدكتور وأمثاله ، من نفس مجتمعنا ، ويدينون بدينه ..؟ " . أحست أن صدمتها من تعامل الطبيب ، وخيبة أمل والدها به ، أشد أذى على نفسها ، مما اعترى والدتها من انزعاج ، لعدم وجود طبيبة تـــتولى توليدها .
    هــذا المــوقف ليس الأول ، الذي يصدمها فيه تعامل بعض السعوديين . العام الماضي ، روت لها زوجة خالها ، التي كانت عائدة من رحلة خارجية ، موقف راكب سعودي ، رفض أن يتنازل لهم عن مكانه ، ليلتئم شمل الأسرة ، وتبرع بذلك شخص هندي . تتذكر أن زوجة خالها ، قالت بسخرية ، تعليقاً على ذلك الموقف : " لا .. وبعد ، لابس قميص ( تي شيرت ) ، كاتب عليه : ارفــع رأسك .. أنت سعودي . على ويش ..؟ على زين الطبائع ..! " .
    ابتسمت في سرها ، إذْ صادف تعليق زوجة خالها ، قناعة داخلية لديها ، بأن هذا الشعار ، ينطوي على إحساس مزيف بالتفوق .. ولا يخلو من نبرة عنصرية ، تكرّس فوقية فارغة .

    استغرقت في التفكير ، تتأمل والديها الموزعين بين عناءين : الرهاب النفسي لوالدتها من الأطباء الذكور ، وعجز والدها عن تحقيق رغبة أمها . مادياً .. بسبب ضيق ذات اليد ، ومعنوياً بسبب صلف الدكتور وعجرفته . عادت بها الذاكرة إلى سنوات مضت ، إلى حلم صغير لابنة التاسعة . أمنية طفلة باحت بها .. في لحظة براءة ، لأم اشتكت إلى ربها .. في خلوتها ، عجزها ، وقلة حيلتها . كادت أن تفلت منها ابــــــتسامة ، في أجـــــــواء الأسى هذه ، حــــــــــين تذكرت قولتها القديمة لأمها : " ماما .. لما أكبر أصير دكتورة ، وأكشف عليك " . أحست أن هذه الأمنية ، صارت أكثر إلحاحاً .. الآن ، لتكون حقيقة . شريط الذكريات انقطع فجأة ، على صوت ممرضة تزيح ستارة غرفة الفحص ، وهي تدفع سريراً بعجلات .. وتقول :
    - " يا الله ماما ، نروح القسم ، فيه تنويم " .


    عن أنس رضي الله عنه قال
    : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن لله تعالى أهلين من الناس . قالوا : يا رسول الله من هم ؟ قال : هم أهل القرآن أهل الله وخاصته ) . (صحيح الجامع2165)







  7. #7
    عضو متميز
    صور رمزية sa9r
    تاريخ التسجيل
    Mar 2005
    المنطقة
    عابر سبيل
    ردود
    7,648
    تناظروا فيما بينهم . الأب لزم الصمت ، أما عائشة فاصطنعت ابتسامة ، لتشجع والدتها على النهوض ، وصارت تهز رأسها ، وتشير إلى السرير الذي تمسك به الممرضة . أدركت والدة عائشة أن صمت زوجها ، ينطوي على موافقة ضمنية على رأي ابنتها .. بالاستجابة للممرضة . أصلحت من ملابسها ، ونهضت واستقرت على السرير .
    دفعت الممرضة السرير باتجاه باب خشبي من درفتين ، لونه أزرق فاتح ، بمستطيل زجاجي .. يمتد عمودياً وسط كل درفة . من خلال الزجاج ، يبدو ممر طويل ، يلمع بلاط أرضيته البلاستيكية ، من شدة النظافة . حين انطبقت درفتا الباب ، لحظة تجاوزوه .. اختنقت الأصوات ، التي كانت تملأ قسم الطوارئ ، فخيّم الهدوء ، إلاّ من وقع أقدام ، لرجل يسرع الخطو ، في آخر الممر .
    نحيب أم أحمد المتقطع ، صار هو الأعلى ، مع ابتعاد وقع خطوات الرجل . صار صوتها كذلك ، يرتفع احتجاجاً ، فيدوي في المكان.. معترضة على ذهابها لقسم الولادة . الممرضة التي يبدو أنها قد تأثرت بحالتها النفسية ، وشاهدت انفعال الدكتور فيصل في حديثه معهم ، أشفقت عليها ، وسعت لتهدئتها .. بعــــبارات من نوع : " ماما .. ليش فيه خوف .. كله بسيط ، هذا فيه بنج ، ما فيه ألم . إن شاء الله .. الله يخلي ولادة طبيعي " .

    كانت الممرضة ، أثناء حديثها مع أم أحمد ، تربّت على كتفها بهدوء ، أو تضع كفها على جبينها . حديثها اللطيف ، ولمساتها الحانية ، جذبت انتباه عائشة ، فاختلست نظرة إلى بطاقتها الشخصية ، المعلقة على صدر معطفها . استطاعت أن تلتقط اسمها الأول : روزماري . أثار الاسم فضولها :
    - ( سستر ) .. أنتِ من أندونيسيا ..؟
    ردّت بابتسامة :
    - " لا ... أنا فلبين " .
    فاجأها الرد . كأنما كانت تتمنى أن تكون من أندونيسيا ، رغم أن ملامحها ، واسمها لا يدلان على ذلك . في ذهنها .. ارتبطت اندونيسيا بالإسلام ، والفلبين بالمسيحية . همست لنفسها : " من الفـــلبين .. ليست مسلمة ، تعاملها طيب ، يا الله .. خسارة " .
    أبقت في نفسها أملاً .. أن تكون من مسلمي الفلبين ، لكنها استحت أن تسألها عن دينــها ، وأحست بحاجز نفسي ، انتصب بينهما ، يمنعها من استمرار التواصل معها .. حين داخلها شك بأنها مسيحية . لا تدري لماذا ينتابها مثل هذا الشعور .. مع غير المسلمين ، رغم أنها ، ليست المرّة الأولى ، التي تقــابل فيها شخصاً غير مسلم ، بأخلاق حسنة . كما أنها .. تصادف حالات كثيرة ، لا يكون تعامل المسلمين فيها جيداً . هذا الوضع ، سبب لها إرباكاً ، وشعوراً بالإحباط . إنها حاجتنا أن ننسجم مع إيماننا وقناعاتنا ، وأن ننفر من التناقض : أليس التعامل الحسن ، خلقاً إسلامياً ؟ .

    كانت سارحة ، تقلب في ذهنها معنى اسمها : ( روزماري ) .. وتود لو سألتها ماذا يعــــــني . ربما يفصح ذلــــــك عن دينها .. الذي ما زالت في شك منه ، وقد يفسر لها .. كما تعتقد ، علاقة ذلك ، بسلوكها اللطيف .. دون أن تتعرض لحرج السؤال المباشر . عزّت نفسها بخاطر آخـر : " حتى لو لم تكن مسلمة .. تعاملها طيب " . قطعت عليها الممرضة أفكارها ، حين بادرتها :
    - " ليه ماما .. فيه خوف من ولادة " ..؟
    - " لا .. ماما ما فيه خوف . ماما ما تبغى دكتور رجال يسوّي ولادة " .
    فتحت عينيها بدهشة .. وقالت :
    - " بَسْ ..! ما فيه مشكلة ، أنا أكلم دكتورة " .


    عن أنس رضي الله عنه قال
    : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن لله تعالى أهلين من الناس . قالوا : يا رسول الله من هم ؟ قال : هم أهل القرآن أهل الله وخاصته ) . (صحيح الجامع2165)







  8. #8
    عضو متميز
    صور رمزية sa9r
    تاريخ التسجيل
    Mar 2005
    المنطقة
    عابر سبيل
    ردود
    7,648
    كانوا عند مدخل قسم الولادة .. ووضع أم أحمد النفسي قد ازداد سوءاً ، حين طلبت منهم الانتظار ، لتتولى بحث الأمر . عائشة ووالدها التزموا الصمت ، لكن والدتها ، صارت تلهج بالدعاء لها بالجنة ..! سحبت الممرضة الملف ، المعلق بذراع السرير المعدني ، وأسرعت إلى مكتب رئيسة جهاز التمريض .
    أبو أحمد علق مازحاً .. ليخفف عنها ، ويضفي جواً من المرح :
    - تدعين لها من قلب .. يا أم أحمد ، تراها مسيحية .. كأنك تغيرت ..!
    لم ترد .. لكنه أضاف باسماً :
    - أيّام إعصار ( كاترينا ) ، لما كنت تدعين على الأمريكان ، بالموت والغرق ، كنت لما أقول لك : مساكين .. ما لهم علاقة بــ ( بوش ) وحكومته الملاعين ، قلت لي : خلهم .. كفار ، يستاهلون ..!
    - الأمريكان يكرهوننا .. أنت ناسي إني ما دعيت عليهم ، لأنهم كفار ، لكن لأنهم يسجنون الشباب السعوديين في غوانتانامو .. ويقتلونهم ، ثم يقولون إنهم انتحروا .. وبعدين الممرضة هذي طيبة .. ما علي منها ، دينها لها ، أنا يهمني التعامل الطيب !
    استمر في مشاكستها ، بأسلوب ، لا يخلو من الدعابة والاستفزاز :
    - ما شاء الله .. هذا شيء جديد ..!
    - لا .. أنا سمعت الشيخ في صلاة التراويح .. في رمضان ، يقول إن الإسلام يأمر بالإحسان ، والتعامل الطيب مع الكفار ، الذين لا يأتي منهم ضرر أو أذى .
    - الله يجعلها سبب خير ..

    أقـــبلت الممرضة تحمل الملف معها . كانت تمشي بسكينة ، دون انفعالات ظاهرة على وجهها . حين اقتربت ، قالت بهدوء .. وهي تعيد الملف إلى مكانه :
    - " خلاص ماما .. ما فيه دكتور رجّال ، دكتورة ميمونة يسوّي ولادة " .
    صرخت أم أحمد من المفاجأة ، وصارت تردد : " يا بعد عمري ، يا بعد عمري " ، ثم التفتت إلى ابنتها :
    - إيش اسمها يا ( عيّوش ) ..؟
    - روزماري ..
    - يا بعد عمري يا روز ..

    ابتسمت الممرضة ، وهي تدفع السرير إلى داخل القسم .. من رد فعلها الشديد . كانت تراقب أم أحمد ، وقد تحول وجهها من قطعة أسى مغموسة بالدمع ، إلى مساحة من البهجة . يتطاير الفرح من كل قسماته ، وتومض في وسطه ابتسامة ، افتر عنها ثغرها المرصع بثناياها البيض .. المتراصة بانتظام . أدركت أن هذه الفرحة الكبيرة ، كانت بسبب ما قامت به ، من أجل أن تتولى توليدها طبيبة . لم تزد على أن ابتسمت ابتسامة خفيفة ، ورمقتها بنظرة رضا ، ثم طلبت من زوجها أبي أحمد ، أن يبقى في غرفة انتـــظار جانبية ، لأنه ليس مسموحاً للرجال ، من غير العاملين ، بتـــجاوز هـــذه المنطقة .
    فرحة أم أحمد ، بما فعلته الممرضة من أجلها ، لم تقف عند حـــــــــد الدعاء لها ، والتعبير عن شكرها العميق ، لما قامت به .. أو حتى القبلة العنيفة ، التي طبعتها على خدها . ثمة امتنان يتوارى في اللاوعي ، ترغب في ترجمته إلى ســـلوك واعي .. قـــــالت لعائشة :
    - اسأليها .. عن معنى اسمها . إن الله رزقني بنيّة ، لأسميها عليها .
    ضحكت عائشة ، ونقلت للممرضة ، التي كانت تجهز سرير التنويم .. ما تقوله أمها . ابتسمت الممرضة ابتسامة عريضة وقالت ببهجة واضحة :
    - " روزماري .. أووه هذا ( كريستيان نيم ) ..!


    عن أنس رضي الله عنه قال
    : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن لله تعالى أهلين من الناس . قالوا : يا رسول الله من هم ؟ قال : هم أهل القرآن أهل الله وخاصته ) . (صحيح الجامع2165)







  9. #9
    عضو متميز
    صور رمزية sa9r
    تاريخ التسجيل
    Mar 2005
    المنطقة
    عابر سبيل
    ردود
    7,648
    لم تكن لغة عائشة الإنجليزية .. تسعفها ، لتفهم ماذا تقصد ، وكانت على وشك أن تسألها توضيحاً لكلامها ، عندما دخلت امرأة منقبة ، ترتدي معطفاً أبيضاً . فهمت عائشة ووالدتها ، من مخاطبة الممرضة لها بالدكتورة ، أنها قد تكون طبيبة من قسم الولادة . عرفت بنفسها :
    - أنا الدكتورة ميمونة .. مناوبة الليلة في قسم الولادة .. أنت ستكونين مريضتي وتحت متابعتي .
    - يعني أنتِ التي ستولّدينني يا دكتورة ..؟
    - نعم .. الدكتور عبد العزيز ، كبــــير الأطباء ، كان في الطوارئ ، وأتصل بي ، وطلب مني أن تكوني مريضتي .. كأنه ألمح إلى وجود مشكلة .
    خجلت أن تتحدث عن حالتها .. ولم ترد . نظرت عائشة إلى أمها ، تستأذنها بالــكلام :
    - أمي يا دكتورة ، عندها مشكلة مع الأطباء الرجال . حالتها النفسية تسوء ، إذا كشف عليها طبيب . كانت على وشك أن تنهار ، لمّا رفض طبيب في الطوارئ اسمه فيصل ، أن تتولى توليدها دكتورة ، وقال ما فيه طبيبات ..
    - حصل خير . الممرضة روز شرحت حالتها لرئيسة الممرضات في القسم ، وهي بدورها اتصلت على الطوارئ ، وصادف وجود كبير الأطباء ، مع الدكتور بشير ، وتم تكليفي بمتابعة حالتها .
    قاطعت الأم ، وسألت بلهفة :
    - يعني أكيد يا دكتورة .. دكتور فيصل هذا ما له علاقة ..؟
    - الدكتور عبد العزيز ، كبير الأطباء ، هو صاحب القرار .. وهو إنسان رائع ، ومن خيرة الأطباء السعوديين .. ويتفهم مثل هذه الحالات .

    أخبرتهم الطبيبة أن دلالات الفحص الأولى ، تشير إلى أن الولادة لن تكون طبيعية ، وأنها قد تحتاج إلى عملية قيصرية ، خاصة وأن الأشعة فوق الصوتية تبيّن ، ولكن بشكل غير مؤكد ، أنها قد تكون حاملاً بتوأم . ثم أضافت ، موجهة الحديث لعائشة :
    - قد تتأخر ولادتــــها عدة ساعات .. ستكون تحت المراقبة ، ولن تكون بحاجة لمرافق . خذي من الممرضة رقم هاتف القسم ، ورقم التحويلة .. واتصلوا في الصباح للاطمئنان ، وعندما يحين موعد الزيارة بعد الظهر ، تستطيعون الحضور .

    عادت عائشة ووالدها إلى البيت . حينما رجعت الظهر من المدرسة ، كان الخبر السار بانتظارها . في غرفتها وجدت على وسادتها رسالة من والدها : ورقة بيضاء ، رسم عليها شكلاً لوجه يبتسم ، وتحته كتب هذه العبارة : " انضم اليوم عضوان إلى ( قبيلتنا ) " . فهمت الرسالة : أمها ولدت توأم . هذه واحدة من دعابات والدها ، الذي قال مرّة ، لما ذهبوا إلى أحد المطاعم ، ولم يجدوا مقاعد كافية لجميع أفراد العائلة .. أنه في المستقبل ، سوف يـــفتح مطعماً ، ويغير قــــسم العائلات ، إلى قسم ( القبائل ) .
    لم تسعها الفـــرحة . أخذت تقفز ، وتدور حول نفسها .. وتدندن . اتجهت إلى الهاتف ، واتصلت بالمستشفى . جاءها الرد ، فطلبت التحويلة .. ثم تتابع الرنين عدة مرات ، دون إجابة . كررت الاتصال أكثر من مرّة ، وفي المرّة الرابعة ، سمعت صوتاً مختلفاً على الطرف الآخر .. سألت :
    - ممكن أكلم أم أحمد ..؟
    - فيه واحدة في السرير الثاني .. اسمها مها ، هل هي التي تقصدين ..؟
    - نعم ..
    - نائمة ..!

    أغلقت الخط ، واستبد بها قلق . أخذت تحدث نفسها .. مترددة : هل تتصل بوالدها ، أو تنتظر وصوله ؟ لا تدري هل هو الخوف على أمها ، أم الفضول .. هو ما يلح عليها بالاتصال . لم يطل ترددها ، فالتقطت جوالها واتصلت . فوجئت بأنه مغلق . نظرت إلى ساعتها ، وقالت .. وهي تهز رأسها : " وقت الصلاة " . اعتاد والــدها أن يغلق جوّاله ، وقت الصلاة . رأت أن تنتهزها فرصة ، لتغير ملابس المدرسة ، وتصلي .. ثم تعاود الاتصال بوالدها . سيكون وقتها ، قد فرغ من الصلاة ، وأعاد فتح جواله . كانت قد انتهت من صلاتها ، حين دق جوالها بنغمة مميزة . همست في سرها : " هذا البابا " .. ردت مازحة :
    - أهلاً بشيخ ( القبيلة ) ..!
    - يا لعّابة ..
    قالها وهو يغالب الضحك .
    واصلت معابثتها له :
    - كيف حال حرمكم المصون .. أيها الأمير ؟
    - أنا في الطريق . سوف نتناول غداءنا ونذهب . كلمتُ والدتك الصباح .. ولادتها قيصرية ، وهي طيبة ، لكنها في ورطة ..!
    ردّت بوجل :
    - بسْم الله عليها .. عسى ما شر ؟!
    - أبداً .. صحتها جيدة ، لكنها متورطة .. بالعهد الذي قطعته على نفسها .
    - أي عهد ..؟
    - بأن تسمي واحدة من البنتين ، على الممرضة روز ماري ..
    - يعني التوأم بنتين ..؟ دم .. دم يلاللىّ ..!


    عن أنس رضي الله عنه قال
    : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن لله تعالى أهلين من الناس . قالوا : يا رسول الله من هم ؟ قال : هم أهل القرآن أهل الله وخاصته ) . (صحيح الجامع2165)







  10. #10
    عضو متميز
    صور رمزية sa9r
    تاريخ التسجيل
    Mar 2005
    المنطقة
    عابر سبيل
    ردود
    7,648
    جالت في البيت ، على إخوانها وأخواتها ، تغني وتهزج ، تبشرهم بولادة أمها لتوأم :
    - ولدت أمي بنتين جميلتين .. مثل القمر .

    اتصلت بخالاتها وعماتها وبناتهن ، وأرسلت رسائل جوال لعدد من الصديقات . خلال ربع ساعة ، كان الخبر قد انتشر ، مثل نور القمر ، على حد تعبيرها .. بين دائرة كبيرة ، من الأقارب والأصدقاء . حين وصل الأب ، تناولوا غداءهم بسرعة ، ثم انطلقوا إلى المستشفى ، يرافقهم الابن الأكبر أحمد .. الذي يصغرها بما يزيد قليلاً .. عن العام . تداولت هي وأحمد في السيارة ، أثناء الطريق .. أسماء كثيرة . في الأخير علق والدهما :
    - اختاروا اسماً واحداً فقط . والدتكم جادة في تسمية واحدة من البنات ، على الممرضة .

    وصلوا المستشفى قبل بداية موعد الزيارة بخمس دقائق . مسؤول الأمن كان واقفاً بالباب ، يمنع الدخول قبل بدء الموعد تماماً . رفض قطعياً طلب والدها ، استجابة لتوسلاتها .. بأن يسمح لهم بالدخول ، وكان حازماً :
    - النظام يا الطيب .. ما فيه دخول قبل الموعد .

    كانوا في مقدمة الزوار المنتظرين ، عند باب المستشفى ، ولحظة فتح رجل الأمن الباب ، وضعت علبة الشـــوكلاته في يد أحمد .. شقيقها ، واندفعت مثل السهم ، إلى الداخل . تبسم والدها ، وهو يراها تهرول نحو المصعد ، وكتم ضحكة ، وهو يسمع تعليق شقيقها : " بابا .. أوقف المهبولة هذي " .
    في الغرفة .. التفوا حول سرير الوالدة ، وكان التوأم في حاضنة إلى جانبها . الدعوات بالسلامة ، والتغزل بحلاوة البنتين وجمالهما .. والتعبير عن الدهشة بقدوم التوأم ، اختلط بأصوات أخــرى ، داخل الغرفة . كانوا أول الواصلين إلى قســــم الولادة .. الأطباء والطبيبات لم ينهوا بعد ، جولتهم الإعتيادية على مرضاهم . عائشة كانت الأكثر انفعالاً بالحدث . أخذت تحاول أن تخرج إحدى البنتين ، لتحملها بين يديها ، ووالدتها تصرخ عليها .. لتمنعها ، وتؤكد أن التعليمات تمنع إخراجهما من الحاضنة . في هذه اللحظة انزاحت الستارة ، التي تفصل بين أسِرّة المريضات ، ودخلت الطبيبة . ألقت السلام ، وقالت :
    - الحمد لله .. العملية كانت سهلة يا أم أحمد ، والبنات حالتهن ممتازة .. ومثل الأقمار ، ما شاء الله .. تبارك الله .
    ردّت أم أحمد .. ووهج ابتسامة يكسو وجهها :
    - جزاك الله خيراً يا دكتورة ميمونة .. جهدك ودورك ما ينكر .
    - أبداً .. لم أقم إلا بالواجب . بالمناسبة .. هل سمّيتوا الحلوات ..؟
    تبادلوا النظرات .. ثم قالت أم أحمد ، وقد برقت عيناها :
    - واحدة منهن .. خلاص ، اتفقنا نسميها ميمونة ..
    قالتها .. والتفتت إلى الجانب الآخر من ا لسرير ، حيث يصطف زوجها وأولادها .. وغمزت لهم بعينها . لمعت عينا الطبيبة بالسرور من خلف نقابها .. وقالت بامتنان :
    - والله .. ؟ هذا شرف كبير لي ..!
    عائشة التقطت طرف الحديث ، وقالت :
    - اسمك محل اتفاق يا دكتورة .. لكن الوالدة ، تريد أن تسمي البنت الثانية على الممرضة روز ، لكنها محرجة ، لأن الاســــــم غير عربي .. وغريب . وأتذكر إني لما ســـــــــألت الممرضة عنـــــــــه ، قـــــــالت إنـــه " كريستيان نيم " .. ولم أفهم قصدها ..!
    - أووه .. قصدك الممرضة روز ماري . صحيح اسمها مسيحي .

    نظرت أم أحمد إلى زوجها ، الذي كان قد رفع حاجبيه بتعجب .. كأنما يريد أن يوصل لها رسالة . فهمت حركة وجهه : الاسم ليس غير عربي فقط ، بل له دلالات غير إسلامية .. كذلك . بدت على وجهها أثار الخيبة ، ولم تعلق . عائشة بادرت ، لكي تنقذ الموقف .. فــــسألت الطبيبة ، إن كانت تقترح اسماً آخر . الطبيبة .. التي رأت الإحباط في وجه الأم ، وأدركت رغبتها في التعبير عن امتنانها للممرضة . إضافة إلى إحساسها العميق هي شخصياً ، بالعرفان لها ، بتسميتها إحدى بناتها عليها .. أرادت أن تتخذ موقفاً مسانداً لرغبتها .. فقالت :
    - هناك حـــل وسط ، تتحقق من خلاله رغبة أم أحمد . نأخذ نصف اسم الممرضة روزمــاري ، وتسمون البنت مارية ، تيمناً باسم زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم ، مارية القبطية .
    وقع الاقتراح في نفوسهم جميعهم ، موقعاً حسناً ، ظهر على أسارير وجوههم ، التي انفرجت ، وعبّرت أم أحمد عن ذلك ، بشعور تلقائي :
    - والله إنك يا دكتورة وجه خير .. وميمونة على اسمك ..


    عن أنس رضي الله عنه قال
    : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن لله تعالى أهلين من الناس . قالوا : يا رسول الله من هم ؟ قال : هم أهل القرآن أهل الله وخاصته ) . (صحيح الجامع2165)







  11. #11
    عضو متميز
    صور رمزية sa9r
    تاريخ التسجيل
    Mar 2005
    المنطقة
    عابر سبيل
    ردود
    7,648
    خرجت الدكتورة ، بعد أن أملت عليها عدداً من التعليمات ، بخصوص حالتها الصحية . أكدت على وجوب الالتزام ببرنامج دوائي ، لعلاج التهاب بكتيري ، أظهر الفحص المخبري وجوده ، في عنق الرحم .. ثم قالت في ختام حديثها :
    - الالتزام بأخذ الدواء ، كما هو محدد .. مهم . الإهمال قد يؤثر في قدرتك على الإنجاب .. وبالمناسبة ، ممنوع الحمل ، قبل 3 سنوات .. على الأقل ، لأن ولادتك قيصرية .
    بعد أن أنهت حديثها ، مالت عليها عائشة ، وهمست في أذنها . فتناولت القلم من جيب معطفها ، وانتزعت ورقة من دفتر الوصفات الدوائية ، وكتبت فيها ، ثم أعطتها إياها .
    عندما خرجت ، وأغلقت الستارة خلفها ، التفتت عائشة إلى والدتها مبتسمة ، دون أن تفصح عن الذي دار بينها وبين الطبيبة .. وقالت :
    - ولا يهمك .. إذا حملتِ بعد 3 سنوات ، أكون قرّبت أتخرج من كلية الطب . وقتها .. أنا سأشرف على الولادة .
    ابتسمت أم أحمد وأبو أحمد . أما أحمد ، الذي اعتاد على مناكفة أخته ، فقد عبر عن سخريته ، بطريقته الخاصة ، حين أخرج لسانه ، وقال : " بالمشمش " . لم يعجب أم أحمد تعليق أحمد على كلام شقيقته .. فقالت :
    - إذا كانت تريد أن تكون مثل الدكتورة ميمونة .. أنعم وأكرم .

    انطلقت بعدها أم أحمد ، تثني على الدكتورة ميمونة ، وعلى التزامها وأخلاقها . وصــــفت بكثــــير من الإعجاب ، كيف أن الفريق الذي كان معها في غرفة العمليات ، كله من النساء ، بما في ذلك طبيبة التخدير . حديث أم أحمد عن الدكتورة ميمونة ، والفريق النسائي العــــامل معها ، يمثل تحولاً كبيراً في موقفها . بقدر ما كان يعذبها ، اضطرارها للّجوء إلى أطباء رجال للفحص أو العلاج ، كانت تنفر كثيراً من فكرة شائعة ، عمّا يــدور في المستشفيات من اختلاط ، بين الرجال والنساء ، من أفراد الطاقم الطبي .. يتجاوز حدود الحاجة ، إلى ما تسميه إحدى صديقاتها : " قلة الحياء " .
    لم تكن عائشة تحتاج أكثر من ثناء أمها على الدكتورة ميمونة ، لتزداد إعجاباً بها ، ويزيد تعلقها بشخصيتها . كلام أمها ، حمل أيضاً ، موافقة ضمنية على دور للمرأة ، كانت ترفضه ، وتتوجس منه ، بل وتعتبره كذلك معيباً .. وتدعو الله أن يحفظها منه . لا تذكر كم من المرّات ، قالت أمها : " بسم الله عليك " ، حينما تفصح عن أمنيتها بأن تكون طبيبة . جاء كلام أمها عن الــدكتورة ميمونة ، ليعزز الحلم الأمنية ، ويمنحه دافعاً و شرعية .

    عام مضى . البنتان التوأم كبرتا ، وأصبحتا قمرين حقيقيين . ليس جمالهما ورقتهما ، هو ما يجعلهما موضوعاً لحديث أهل البيت المستمر .. بـــل اسماهما أيضاً . اسم مارية ، ما يفتأ يذكّر الأم ، بمعاناتها مع الأطباء الرجال ، وبتلك الليلة بالذات ، وذلك القدر الجميل ، الذي ساق الممرضة روزماري لتتدخل ، وتضع نهاية سعيدة ، لليلة امتلأت بالعناء . أبو أحمد ، يتأمل طفلتيه ، ويتذكر بمرارة الدكتور فيصل ، وخيبته في طبيب سعودي ، توقع أن يـــكون أكـــــثر تفهماً من غيره . ما زال غير مدرك ، لماذا تقف بعض النخب ضد أهلهم ومجتمعهم ..؟ أمّا عائشة فلها شأن آخر . لقد نجحت هذا العام من الثانوية العامة بتقدير ممتاز ، وبمعدل فوق 95% . اسم أختها ميمونة .. التوأم الأخرى ، أقرب إلى قلبها ، ولا يكاد يغادر ذهنها . ليس لسبب معين ، لكنها تستذكر بكثير من الأمـــل ، من خلال اسم أختها ، الدكتورة ميمونة .. لتعزز حلمها وأمنيتها ، بأن تكون طبيبة . خاصة أن أمها تحمل للطبيبة شعوراً ايجابياً ، وذكريات طيبة . قالت مداعبة والدتها ، بشيء من المكر :
    - يعني يا ماما ، أنـــــت ما تذكرك أختي مارية ، إلا بالممرضة روز ..؟ طيب ميمونة .. ما تذكرك بالدكتورة ميمونة .. أو مالها فضل ..؟
    - يا حبي لها الدكتورة ميمونة .. الله يكثر من أمثالها ..
    - أنت جادة يا ماما .. ودّك إن الله يكثر من أمثالها ..؟

    نظرت الأم إلى ابنتها ، نظرة تعجب ، وشعرت أنها تخفي شيئاً ، وتهدف من استثارتها بهذه الطريقة ، إلى الوصول إلى أمرٍ ما . وقفتها الغريبة زادت من حيرتها . عائشة .. كانت تضع يدها خلف ظهرها ، ثم فاجأت أمها بإبراز ما كانت تخفيه ، وقالت :
    - حبيبتي ماما .. هذا إشعار نجاحي من الثانوية . نسبتي تؤهلني لدخول كلية الطب . ما تبغيني أكون مثل الدكتورة ميمونة .. أحل مشكلتك ، ومشاكل كثير من الأمهات أمثالك ..؟


    عن أنس رضي الله عنه قال
    : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن لله تعالى أهلين من الناس . قالوا : يا رسول الله من هم ؟ قال : هم أهل القرآن أهل الله وخاصته ) . (صحيح الجامع2165)







  12. #12
    عضو متميز
    صور رمزية sa9r
    تاريخ التسجيل
    Mar 2005
    المنطقة
    عابر سبيل
    ردود
    7,648
    لم تجد الأم ما ترد به على ابنتها ، سوى أن تقول لها ، أن الأمر بيد والدها . ردّت عائــشة ، على اعتذار والدتها ، وربطه بقرار والدها وموافقته ، بأنها هي ، وليس غيرها ، من يستطيع أن يقنعه ، إن كانت هي موافقة .. ومقتنعة بالهدف ، الذي تسعى من أجله ، لتكون طبيبة . ردت والدتها :
    - ما عندي مانع أكلم الوالد . صحيح أنا بعد التجربة الأخيرة .. وموقف الدكتورة ميمونة ، صرت أقدر الحاجة ، لأهمية وجود طبيبة لعلاج النساء ، خصوصاً من هم مثلي . لكني .. أيضاً تهمني مصلحتك ومستقبلك ، وخائفة عليك ..!

    انشق ثغر عائشة عن ابتسامة عريضة ، فقذفت بإشعار النجاح من يدها ، وقفزت في الهواء .. وهي تردد صيحات فرح .. ثم اتجهت إلى أمها وضمتها :
    - يا عــــمري ، يا أحلى ماما . إن شاء الله إني أكون عند حسن ظنكم . أنا قلت لها ، إنك لن تخذليني ..!
    لم تفهم والدتها قصدها ، لكن عائشة نظرت إلى ساعتها ، ثم سارعت وأخرجت من جيبها ، ورقة وصفة دوائية ، مدون عليها رقم . أخذت تتصل به .. وهي تقول بصوت مسموع : " إن شاء الله الوقت مناسب " :
    - السلام عليكم .. دكتورة ميمونة ، كيف حالك ؟ أنا عائشة ، أخت التوأم ميمونة ومارية .. عرفتيني ..؟
    - وعليكم والسلام ، أهلاً .. أهلاً ، أكيد عرفتك ..
    - أبشرك .. نجحت من الثانوية بمجموع مرتفع ، الحمد لله . الماما تســـلم عليك ، وتراها وافقت على تسجيلي في كلية الطب .

    مدّت عائشة الجوّال لوالدتها ، التي أخذتها المفاجأة . الآن فقط .. فهمت قصة الحديث الهامس بين ابنتها والدكتورة ميمونة ، والكتابة على ورقة الوصفة الدوائية .. قبل عام ، حين مرت عليها الدكتورة بعد الولادة ، في غرفتها في المستشفى .. للاطمئنان عليها ، وإعطائها التعليمات . تحدثت مع الدكتورة ميمونة ، وكررت شكرها وامتنانها العميق لما قامت به تجاهها . اعتذرت عن ارتباكها ، لأن عائشة فاجأتها بهذا الاتصال ، الذي يبدو أنها كانت تخطط له منذ زمن .. وأختارت له ، لحظة حاسمة مثل هذه . تحدثت كذلك ، عن توأمها الجميل .. وكيف أن اسميهما زاداهما حلاوة ، ملمحة إلى اسم الدكتورة .

    الدكتورة ميمونة شكرتها على تأييدها لرغبة ابنتها عائشة ، في دراسة الطب ، ووعدت أن تقف معها وتساندها ، أثناء دراستها في الكلية . تمنت أيضاً ، أن تزورها في المستشفى ، ومعها توأمها مارية وميمونة .. لتراهما :
    - لقد شوّقتني لرؤية سَميِّتي ميمونة ، وتوأمها الأخرى .. الأَمّورة مارية . أنا متأكدة أن روزماري ستفرح بهما كثيراً . بالمناسبة ، فهي ممتنة جداً ، لتسميتك مارية عليها ، وقد ترك ذلك انطباعاً جيداً لديها.

    انتظمت عائشة في دراستها في كلية الطب . البيت كله صار يؤيدها ويساندها . أمها الرافضة الخائفة ، خصصت لها غرفة خاصة في البيت . الوالد المتردد ، صار يطوف على المكتبات ، يوفر لها الكتب والمراجع . أما شقيقها أحمد ، الذي كان كل ما تفعله وتحلم به أخته ، محل استهزاء وسخرية منه .. فقد أصبح مصدراً رئيساً ، لدعم لم تكن تتوقعه .
    أحمد صار متابعاً منتظماً لمنتديات الإنترنت . لا يمر يوم أو يومان ، إلا ويزود عائشة بأوراق ، طبعها من بعض منتديات الانترنت ، بعضها يتكلم عن أهمية دعم عمل المرأة في القطاع الصحي ، لتخدم بنات جنسها ، وأخرى عن وجوب توفير بيئة مناسبة للطالبات في الكلـيات الطبية ، والعاملات في القطاع الصحي .. تمنع التحرشات والمضايقات ، التي قد تقع عليهن . أكثر ما لفت نظرها ، كتابات لصاحب معرّف ، في أحد منتديات الانترنت الشهيرة ، رمز لنفسه باسم " شهاب الإسلام " . كانت كتابات شهاب الإسلام ، تفيض حَمَيّة وحماساً ، في الدفاع عن حــــــــــق المرأة ، بأن يتولى علاجها وتطبيبها ، امرأة مثلها ، وضرورة وجــود بيئة عمل ( نظيفة ) في المستشفيات ، تؤدي المرأة العاملة فيها ، وظيفتها ورسالتها .
    في سنتها الأولى في الكلية ، مثلت لها هذه الكتابات ، بالإضافة إلى ما تلقاه من دعم أهلها .. سنداً معنوياً غير عادي . خاصة .. وأن والديها تعرضا لانتقادات كثيرة من أقارب ومعارف ، لسماحهم لابنتهم بالدراسة في كلية ( موبوءة ) بالاختلاط ، كما يقولون . أو بتعبير إحدى قريباتهم : " ريحتها فايحة " ..!
    جارتهم .. وهي امرأة متعلمة ، كثيراً ما تفخر بأن زوجها رجل الأعمال ، يملك مركزاً طبياً ، كل العاملات فيه من النساء . قالت لوالدتها مرّة ، على مسمع جمع من نساء ، كن مجتمعات عندها .. في إحدى المناسبات ، أن آخـــــر شيء كانت تــــتوقعه ، هــــو أن ( تفرط ) أم أحمد بأخلاق ابنتها عائشة ، وتسمح لها بدخول كلية الطب . كاد كلام المرأة يصيبها بيأس . هل هذا رأيها ، أم موقف سببه الغيرة . لأنها قبلت في كلية الطب ، ولم تقبل ابنتها . كانت تتوقع .. بحكم نشاط زوجها التجاري .. الذي له علاقة بطبيعة دراسة الطب ، أن تكون أكثر إدراكاً من غيرها ، لحاجة المرأة ، لامرأة مثلها ، تتولى علاجها . " قليل من الناس من يتخلى عن هواه وحظ نفسه ، ويتجرد لذات المبدأ " .. همست لنفسها .


    عن أنس رضي الله عنه قال
    : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن لله تعالى أهلين من الناس . قالوا : يا رسول الله من هم ؟ قال : هم أهل القرآن أهل الله وخاصته ) . (صحيح الجامع2165)







  13. #13
    عضو متميز
    صور رمزية sa9r
    تاريخ التسجيل
    Mar 2005
    المنطقة
    عابر سبيل
    ردود
    7,648
    نجاح عائشة المميز ، في عاميها الأوّلين في الكلية ، رغم الصعوبات ، وتحقيقها نتائج ممتازة في سنتها الـثالثة .. عزز من موقفها ، وزاد ثقتها بنفسها . صارت الكلية ، خياراً لا رجعة عنه ، وحملات التثبيط ، وموجات الإحباط .. أصبحت تاريخاً ، تتأمله بكثير من السخرية . ليس هذا فحسب ، بل غدت جزءاً مهماً ، من نشاط تجمع طالبي ، يقوده عدد من الطالبات ، يسعى لدعم استقلالية المرأة ، ضد سياسات تهدف لاستغلالها ، وتوظيفها في ( أجندات ) خاصة .. كما ذكرت مرّة ، في نقاش لها مع والدها .
    لم تعد الكلية ، يوم دراسي طويل .. ممل ومضنٍ . على مائدة الأكل .. في نهاية الأسبوع ، صار مألوفاً ، أن تتوقف عائشة عن تناول طعامها ، وترد على اتصال هاتفي من زميلة ، وتكرر عبارات من نوع : نكافح ، نناضل ، ننتزع حقوقنا . لم تفهم والدتها ، ماذا تعني بالضبط ، حين سمعتها ذات مرّة تقول ، في واحد من حواراتها على الهاتف ، مع صديقة لها من الكلية : " أرأيت كيف بدا زميلنا التافه اليوم ، حينما تصرفنا معه بأسلوب ، أدرك من خلاله أن المرأة .. وطالبة الطب خصوصاً ، ليست ( لحماً معروضاً ) .. يتذوقه بعينه أو بكلامه ..! " . كلامها كان مثيراً للاستفهام .. فاستفسرت منها . أخبرتها ، أن زميلاً لهن " استخف دمه " ، على حد تعبيرها .. فأوقفناه عند حدّه . كانت واثقة أن ابنتها تسير في الطريق الصحيح . همست في سرها : " أنا فرّطت بأخلاق بنتي ..؟ يا حبي لك والله .. يا عيوش " .

    اليوم شهدت الكلية موقفاً غير مألوف . عائشة وبعض زميلات دفعتها ، رفضن الكشف السريري على مرضى ذكور . كان الكشف يتطلب التعرض المباشر لبعض الأعضاء الحساسة . أستاذ المادة ، استهجن تصرفهن ، ونعتهن بأوصاف ، تعبّر عن تشدد وضيق أفق .. وعدم ( تقدير ) العلم . بعد أن هدّدهن بحرمانهن ، من دخول امتحان المادة ، وتطبيق ( النظام ) عليهن ، على حد قوله .. قال :
    - الكلية ليست حكومة طالبان .. ونحن ندرس طب ، وليس نواقض الوضوء ..!

    عبارته الاستفزازية ، لم تدفعهن لأي ردة فعل ، وتعاملن معها بصمت ، ولا مبالاة .
    لكنه .. عاد وأكد بشكل قاطع ، أنه جاد في تطبيق النظام ، ومعاقبة أي طالبة لا تنفذ ما هو مطلوب منها . التهديد أثر في بعض الطالبات ، فتراجعن عن رفضهن الامتثال لطلبه . عائشة وعدد من زميلاتها بقين على موقفهن :
    - دكتور .. نرجو أن تتفهم موقفنا ، ووجهة نظرنا . هذا الجزء من الدرس ، سنكتفي بالجانب النظري منه ..!
    - كـــلامي واضح .. ونهائي . لن تجتاز طالبة المادة ، إلا بأداء القسم العملي منها ..
    ردّت عائشة بثقة :
    - أعتقد أن في الجامعة نظاماً للامتحان ، يحدد الكيفية ، التي تجتاز فيها الطالبة المادة ..
    - من أنت ..؟
    - عائشة الصالح ..
    حــدق بها ، بنظرة حادة ، وقال بلهجة لا تخلو من غضب ، وعبارة ملأها مقتاً وإزدراء :
    - آه .. عرفتك ، أنت التي يسمونك الزملاء " الملا عمر " ..!

    لم تمر الحـــادثة بهدوء . أصبحت حديث مجتمع الجامعة ، وتداولتها بعض البيوت . بعد أيام وصلت القصة .. وإسم عائشة ، إلى زميل قديم لوالدها .. جار لهم . صلى معه العصر ، وبعد الصلاة همس له :
    - لعله بلغك خبر الذي حصل في كلية الطب ..!
    - نعم .. ابنتي حدثتنا ، بما صار ، بين بعض الطالبات والدكتور .. وقد ذكرت أنها وزميلاتها ، قدمن شكوى لعميد الكلية ضد الدكتور ، الذي هددهن بالحرمان ..
    - لا .. يا أبا أحمد .. الأمر ليس بهذه البساطة . الطالبات اتهمن الدكتور بالخروج على تعاليم الإسلام ، وقلن إن نظام الكلية كافر . نصيحتي لك أن تنتبه لابنتك .

    عاد أبو أحمد إلى البيت ، وروى لعائشة وأمها ، الذي دار بينه وبين صاحبه . كان واضحاً أنّ ثمة هم ، بدأ يتسلل إلى قلبه ، ولم تفلح التلقائية التي حاول أن يتصنعها في حديثه ، في إخفاء ذلك . عائشة أرادت أن تهوّن الأمر ، ولم تخف سخريتها من الشائعات ، التي ضخمت الحادثة ، فأوصلتها إلى هذا الحد . الطبيعة القلقة لوالدتها ، جعلتها تنظر للموضوع من زاوية مختلفة :
    - أنا قلبي يوجعني يا عائشة ، الموضوع يكبر ، والناس ما لهم إلا الظاهر . المثل يقول : " ابعد عن الشر وغني له " ..!


    عن أنس رضي الله عنه قال
    : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن لله تعالى أهلين من الناس . قالوا : يا رسول الله من هم ؟ قال : هم أهل القرآن أهل الله وخاصته ) . (صحيح الجامع2165)







  14. #14
    عضو متميز
    صور رمزية sa9r
    تاريخ التسجيل
    Mar 2005
    المنطقة
    عابر سبيل
    ردود
    7,648
    صمت الأب ، فيما بقيت عائشة ، تجادل عن موقفها . أكدت أن الأمر لم يتعد النقـاش الذي روته بتفاصيله ، بين الدكتور والطالبات .. وأن أي شيء خلاف ذلك ، هو من الإشاعات والأراجيف ، التي يروجها بعض الناس . أرادت أن تضع تفــــسيراً علمياً لتضخم الشائعة ، فعزت ذلك إلى طبائع بعض الأشخاص النفسية ، الذين يعيدون صــــياغة الأحداث ، بما يتفق مع رؤاهم ، ويوافق طــــبائعهم . ذكّرت والدها بما كان يقوله عن صاحبه هذا ، وأنه ميّال لتبني الرأي ، الذي يبرر سلوكه الانسحابي ، الذي يقوم على تضخيم المواقف ، بدافع الخوف ، لتبرير التنصل منها :
    - ألم تقل يا أبـــــي أن صاحبك هذا جبان ، وأنكم أيـــام الدراسة ، كــــنتم تسمونه ( الدجاجة ) .. لشدة خوفه ..؟

    أخذت تشرح كيف أن طبيعة الرجل ، تفسر سلوكه . فالقصة وصلته مع بعض الإضافات . بيّنت .. أن كونه يعرفهم ، دفعه لأن يصنع له دوراً في الحدث ، يتناسب مع طبيعة شخصيته .. الجبانة ، التي لا تستطيع أن ترى نفسها في موقف ( ضد ) أي مؤسسة رسمية . في نظره .. كلية الطب مؤسسة حكومية ، والحكومة ( دائماً ) على حق .. ولا يمكن أن يصدر منها ما يخـــالف الدين ، أو يصادم الأعراف والتقاليد . أضافت .. أنه ثمة أمرٌ آخر . كل التجاذبات والصراعات ، التي يمر بها البلد ، تدور حول العلاقة بين التكفير والإرهاب . أفـــضل ( سلاح ) يمكن استخدامه الآن ، لإدانة الرأي الآخر .. المعترض على بعض السياسات الرسمية ، هو دمغه بالتشدد والتكفير ، ثم إدانته بالإرهاب :
    - هذا كل ما في الأمر يا أبي .. ويا أمي ، وستسمعون كلاماً أكثر غرابة وشذوذاً من هذا .. من نوع أننا قلنا : يا ليت طالبان تحكمنا .. مثلاً ..! هل تصدقون ..؟ أنا لم أقل لكم هذا الجزء ، مما دار بيننا وبين الدكتور . لقد وصفني الدكتور بــ ( الملا عمر ) ..! ماذا يحصل لو أني قلت للدكتور : أنت مثل نوال السعداوي ، أو شبهته بأحد العلمانيين المتطرفين ..؟

    بدا التفسير مقنعاً ومنطقياً لوالد عائشة ، ولكن والدتها ظلت قلقة . انصبت نصائحها لعائشة ، بوجوب إيثار السلامة ، والإهتمام بدراستها فقط :
    - يا بنيّتي .. خليك في دراستك ، " لست وكيلة آدم على ذريته " . فيه خراب وفساد في البــــلد ، كــــل الناس تعرف ذلك ..! لكن .. " الموت مع الجماعة رحمة " ..!
    لم ترق لها اللـــــغة الانهزامية لوالدتها .. لكنها ظلت صامتة ، بانتظار تعليق والدها . كان والدها يتأملها بنظرة عميقة ، حملت كثيراً من المعاني .. ليس من بينها الخوف عليها ، أو وضع حدود لحرية تصرفها ، وسلوكها داخل الكلية . كانت متأكدة من ذلك . في اللحظة التي أراد بها أن يتكلم ، استجابة لرجاءات تتلاحق من عينيها ، دخل شقيقها أحمد ، يحمل رزمة من ا لأوراق :
    - السلام عليكم .. كأن عندكم اجتماع خاص .. لا تكون عائشة مخطوبة ..؟
    قالها وهو يبتسم ، ويقلب الأوراق بين يديه . ثم أضاف ، وقد تأهب للجلوس .. وهو يؤشر بالأوراق التي بيده :
    - من قدّها ..! موقفها هي وزميــــلاتها في الكلية ، أصبح حديث منتديات الانترنت .. أكيد سيكثرون خطابها ..!

    لم تبتسم عائشة كعادتها ، على دعابات أحمد ، خاصة المتعلقة منها بالزواج . التقطت الأوراق من على الطاولة ، حيث وضعها أحمد ، وصارت تستعرضها . والدة أحمد ، أخذت زمام الحديث .. وقالت :
    - قصة عائشة وزميلاتها ، وصلت الإنترنت .. هذا الذي كان ينقصنا ..!
    - ليه يا أمي ..؟ لو أنا مكانك ، أفتخر بعائشة . الشباب في الانترنت اعتبروا موقف البنات مشرف ، وأفيدك .. فيه أخبار من داخل الجامعة ، تؤكد أن مدير الجامعة ، اعتبر الذي قامت به عائشة وزميلاتها ، حق لهن .
    - أكيد يا حبيبي .. أنت لم تصلك الأخبار الثانية . الناس يقولون ، إن البنات يكفرون دكاترة الكلية ، ومنهج التدريس فيها .
    - كلام فاضي يا أمي .


    عن أنس رضي الله عنه قال
    : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن لله تعالى أهلين من الناس . قالوا : يا رسول الله من هم ؟ قال : هم أهل القرآن أهل الله وخاصته ) . (صحيح الجامع2165)







  15. #15
    عضو متميز
    صور رمزية sa9r
    تاريخ التسجيل
    Mar 2005
    المنطقة
    عابر سبيل
    ردود
    7,648
    عائشة كانت تستعرض الأوراق ، وتفتح عينيها دهشة . صدمتها العناوين المبالغ فيها ، التي تتصدر المقالات . صارت تردد : " ما هذا .. ما هذا ..؟ " . أبوها الذي لاحظ انزعاجها .. سأل :
    - ما الأمر يا عائشة ..؟
    - اسمع يا أبي ماذا كتبوا في الانترنت : " حفيدات حفصة وعائشة والخنساء ، يتحدين العلمانية في عقر دارها " ، " دكتور ليبرالي في كلية الطب ، يستهزئ بحجاب المرأة المسلمة " ، " دكتور الطب العلماني ، يطلب من بنات المسلمين العبث بأعضاء الرجال التناسلية " ، " كلية الطب أصبحت وكراً للــــرذيلة " ، " أين الغيورون مما يحدث لبناتهم من انحلال ، باسم الطب ؟ " .

    وجهها امتلأ أسفاً وأسى وغيظاً ، وهي تستعرض الأوراق ، وتقرأ مقاطع مما جاء فيها . والدها لم يكن متأكداً من حقيقة موقفها .. مما تقرأ ، هل هي مع .. أو ضد ..؟ ظـــل نظره معلقاً بها ، بانتظار أن تفصح عن حقيقة شعورها . أخوها أحمد ، كان مزهواً . فسر تعليقاتها القصيرة على الموضوعات ، وتعابير وجهها ، بأنـــها فرحة طاغية ، وشعور غامر بالسعادة ، بالحصول على مثل هذا التأييد الكبير . رمت الأوراق على الطــاولة .. وقالت :
    - هذا الكلام غير صحيح ، وغير منطقي .. ! أي علمانية ، وأي رذيلة ..؟
    نظرت إلى والدها ، وعيناها قد احتقنتا بالدمع .. وأضافت :
    - نحن بين تطرفين يا أبي .. دعاوى التكفير ، وتهم العلمانية والانحلال ..!

    أحمد الذي فاجأه موقف عائشة ، التزم الصمت . تحسس جيبه ، وأخرج ورقة وأعاد طيّها ، ثم أرجعها مرّة أخرى لجيبه . كان واضحاً من مظهرها ، أنها من جنس الأوراق ، التي استعرضتها عائشة ، وقرأت مقاطع منها .. مطبوعات من منتديات الإنترنت . اهتمامه الخاص بهذه الورقة ، أثار استغراب والده .. فسأله :
    - ما هذه الورقة التي في جيبك يا أحمد ..؟
    ارتبك ونظر إلى عائشة ، التي أدركت ما هي ، فغشيت وجهها حمرة الخجل . والده كرر عليه السؤال .. فأجاب :
    - صورة مقال ، مثل المقالات التي كانت عائشة تقرأ منها ..!
    - لماذا أنت مهتم به .. بشكل خاص ..؟
    تلعثم .. ونظر إلى عائشة مرّة ثانية :
    - لا أبداً .. إنه لكاتب تحب عائشة أن تتابع ما يكتب ، وأنا أزودها بمقالاته .

    تناول الأب المقال ، وشرع في قراءته . لم يكن مختلفاً عن تلك التي كانت عائشة تقرأ منها ، إلا أن لغته أكثر حدة . حين انتهى من القراءة ، انتبه إلى أن الكاتب اسمه ( شهاب الإسلام ) . نظر إلى عائشة .. وقال :
    - ما الذي يشدك إلى كتاباته ..؟
    ردّت وهي تتصنع عدم اهتمام :
    - يتناول أحياناً ، مواضيع لها علاقة بالمرأة العاملة في القطاع الطبي ..
    التفت إلى أحمد :
    - هل تعرفه شخصياً يا أحمد ..؟
    - هاه .. لا .. لا


    عن أنس رضي الله عنه قال
    : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن لله تعالى أهلين من الناس . قالوا : يا رسول الله من هم ؟ قال : هم أهل القرآن أهل الله وخاصته ) . (صحيح الجامع2165)







  16. #16
    عضو متميز
    صور رمزية sa9r
    تاريخ التسجيل
    Mar 2005
    المنطقة
    عابر سبيل
    ردود
    7,648
    أحمد كان قد أسرّ لعائشة .. في وقت مضى ، أن ( شهاب الاسلام ) ، هو ابن خالتهم عبد السلام الياسر . كتابات شهاب الإسلام ، شدتها منذ البداية ، قبل أن تعرف اسمه الحقيقي . في بداية دخولها الكلية ، كانت متحمسة لطرحه الجريء ، في مواضيع لها علاقة بظروف عمل المرأة ، خاصة في القطاع الصحي . أسلوبه وافق هوى في نفسها ، في بداية دخولها الكلية .. يوم كانت في قمة حماسها . كانت تصور مقالاته ، التي يزودها بها أحمد ، وتوزعها بين الطالبات في كليتها .
    شيئاً فشيئاً ، اكتشفت أنها لم تتعلق بمقالاته فقط ، بل بشخصه . صارت تطلب من أحمد ، بطريق غير مباشر ، أن يجمع لها معلومات أكثر عن شخصيته . تتذرع أحياناً بحاجة الطالبات ، للاتصال المباشر به ، لإطْلاعه على خفايا ما يحدث في الكلية . تقول لأحمد ، أنهن لا يمكن أن يتواصلن مع شخص ، حتى يعرفن شخصيته الحقيقية ، ليثقن به . أحمد قام باتصالات كثيرة ، عن طريق البريد الالكتروني ، و ( الماسنجر ) ، مع أعضاء عديدين في المنتدى ، حتى استطاع معرفة الشخصية الحقيقية لشهاب الإسلام . في إحدى المناسبات الاجتماعية ، واجهه بما وصل إليه من معلومات عن شخصيته ، فأقر بذلك ، وطلب منه أن يكتم الأمر .

    عندما التحقت عائشة بالجامعة ، كان ( شهاب الإسلام ) ، طالباً في السنة الثانية في كلية التربية . لم تعرف حقيقة شخصيته ، إلا حينما صارت هي في السنة الثالثة ، في كلية الطب ، وهو كان قد تخرج وقتها من الجامعة ، وقلت مشاركاته في منتديات الانترنت ، وإن لم يفتر حماسه . ظلت لغته ، وأسلوبه في الكتابة ، بنفس القوة والحدة . تجربتها في الكلية ، حيث احتكت أكثر ، وتفاعلت على مستويات متفاوته ، مع أفراد مختلفين ، من أساتذة وزميلات .. إضافة إلى كونها صارت أكبر ، وأكثر نضجاً ، جعــلها أقل قابلية لهذا النوع من الطرح ، وأقل انجذاباً ، لِلَغة بهذا المستوى من الحدة . لكنها .. في أعماقها ، ظلت تشعر بانجذاب إليه .
    بعد أن عرفت شخصيته ، تشجعت وأرسلت له رسالة بريد إلكترونية . ذكرت في الرسالة أنها تعرفه ، وعرفته بنفسها ، وشكرته على مواقفه ، وطرحه الجريء . بررت إرسال الرسالة إليه ، بأنها افتقدت حضوره في الانترنت ، وأن مشاركاته قلت بشكل ملــــحوظ . رد عليها برسالة ، شكرها فيها ، وذكر أن قلة مشاركته في الانـــترنت ، تعود لتخرجه من الجامعة ، وانشغاله بالبحث عن وظيفة . ختم الرسالة ، بالدعاء لها بالتوفيق في دراستها ، وحياتها المستقبلية .
    لغة الرد في رسالته كانت باردة . لم يكن بها احتفاء ، أو حماس ، أو تشجيع من أي نوع .. فضلاً عن أنها لم تشتمل على أي مفردة حميمة . قلق صار يساورها ، وتكدر خاطرها .. لكنها عزت ذلك لطبيعته الجادة ، أو ربما أنه يرى أن التزامه الديني ، يمنعه من أن يستخدم لغة غير رسمية ، وكلمات مجاملة ، مع امرأة ليست من محارمه . وقفت عند عبارته ، التي تمنى لها فيها التوفيق في حياتها المستقبلية . هي الآن في آخر سنتها الرابعة في الكلية ، وبقي على تخرجها سنتان . هل هــــذا هو ( المستقبل ) ، الذي تمنى لها التوفيق فيه ..؟ حين أعادت قراءة الرسالة ، وجدت أنه قد أشار إلى دراستها ، وتمنى لها التوفيق فيها أيضاً .. إلى جانب ( حياتها ) ، المستقبلية .

    طــــــافت في ذهنها خــواطر سيئة ، وقلبت أفكاراً سلبية : هل كانت حساباتها خاطئة .. أكانت سنوات من الوهم ..؟ ليس أقسى ، وأكثر فجيعة ، من أن تراهن على وهــم . تمــــضي سنوات عمرك .. تراه إلى جانبك ، بناءً عالياً ، صنعته من شوق ، وحب .. وتحسبه مشروع حياة ، ثم تفيق ذات صباح ، فلا ترى إلا سراباً ، وتتلمس .. وليس ثمة شيء . أمس رفــــضت العريس الثامن ، الذي يتقدم لخطبتها . أغلبهم زملاء في الكلية ، من دفعات سابقة ، تخرجوا أو على وشــك التخرج . متفوقون ويغلب على سلوكهم المحافظة والانضباط الشديد .
    علامة الاستفهام كبرت : هل فرّطت بمستقبلها ( الحقيقي ) ، متعلقة بسراب ..؟
    تتابع على خاطرها ، أسماء الشباب الذين تقدموا لخطبتها .. ورفضتهم . أكثرهم تدور أحاديث الطالبات الخاصة حولهم . لا تتذكر أن واحدة من الطالبات ، التي كانت توزع عليهن نسخاً من مقالات ( شهاب الإسلام ) ، تحدثت عنه بإعجاب ، ولو بطريقة عابرة .. رغم أن بعضهن يتبنين آراءً ، أكثر تطرفاً مما يطرح . تساءلت في سرها بمرارة : " كيف ربطت مستقبلها ، وعلقت قلبها ، بمعرف مجهول في الانترنت " ..؟ كيف لو عرفت زميلاتها ، أنها رفضت مستقبلاً لها ، مع خالد ، ومحمد ، وناصر ، وفهد ، وعبد الكريم .. من أجل شهاب الإسلام ، الذي يتمنى لها ( التوفيق في حياتها المستقبلية ) ..؟ لكن مع من ..؟ سؤال انغرز في قلبها ، مثل مخيط غار في كرة صوف . تعوذت من الشيطان ، وهي تفتح إحدى الصفحات الداخلية لكراسة محاضراتها ، وتتأمل عبارة كتبتها ، قبل سنتين ، بأكثر من لون : " شهاب الإسلام .. أضأت قلبي ..! " . إلى جانب العبارة في أسفل الصفحة ، ألصقت قصاصة مقال ، لشهاب الإسلام عنوانه : عائشة الصالح .. قبس من نور يضيء دهاليز كلية الطب " .
    مستقبلها الذي جعلت شهاب الإسلام أهم أركانه ، تشكل من حلمها .. بإنسان يؤمن برسالتها وليس بــ ( صورتها ) . نظرت إلى إقبال الزملاء ، على طلب الزواج بها .. أنه رغبة في جمالها ، وليس إيماناً برسالتها ، وتقديراً لدورها . في الكلية نفرت من زملائها ، الذين يتهافتون كالفراش ، على الجميلات . زميلاتها ممن لم يتوفر لهن حد أدنى من الجمال ، لم تشفع لهن جديتهن ومحافظتهن . التناقض بين المبادئ والأفعال ، بــــــــدا صارخاً ، وهي ترى فتيات يذبلن بين قاعات الكلية ، وممرات المستشفى .. لأن حظهن من الجمال قليل . بينما .. الرجال ، أصحاب الشعارات ، عندما لا يتوفر الجمال يبحثون عنه خارج الكلية ، لدى من هُنّ أكثر جاذبية .. بدعوى ( النقاء ) . تصبح الطالبة أو الطبيبة ، أقل نقاء وطهرانية ، إذا كانت أقل جــــــمالاً . هذا هو المبدأ ، الذي تتندر عليه ، هي وزميلاتها .. مقابل الهمس ، الذي يعلو أحياناً ، بين ( الذكور ) ، عن تبسّط طالبات الطب والطبيبات ، في علاقاتهن مع زملائهن الرجال .


    عن أنس رضي الله عنه قال
    : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن لله تعالى أهلين من الناس . قالوا : يا رسول الله من هم ؟ قال : هم أهل القرآن أهل الله وخاصته ) . (صحيح الجامع2165)







  17. #17
    عضو متميز
    صور رمزية sa9r
    تاريخ التسجيل
    Mar 2005
    المنطقة
    عابر سبيل
    ردود
    7,648
    هي الآن تخطو خطوتها الأخيرة ، نحو نهاية مشوارها . ست سنوات مرت ، هي المسافة بين حلم طفلة التاسعة ، ومشروع امرأة الرابعة والعشرين . إحساسها بالاخــتلاف ، أصبح أعلى وتيرة ، وأسرع إيقاعاً . ليس فقط نظرة أهل بيتها وأقاربها ، الذين تعودت عليهم منذ سنوات ، ينادونها بالدكتورة . لقد تغيرت صفتها الأكاديمية كذلك . لم تعد طالبة ، بل صارت تسمى Residence ، أو طبيب مقيم . أصـبحت تدخل غرف العمليات .. لتشارك في رفع الألم ، وتخفيف المعاناة عن الناس . منظر الناس يسلمون أرواحهم .. طواعية لآخرين ، ويأتمنونهم على أجسادهم ، لم تكن عملية سهلة . استشعرت المسؤولية ، إلى درجة أنها في بعض المرّات ، تتردد في اتخاذ الخطوة الأولى ، لخوض تجربة معادة ومكررة ، ضمن روتين عملها اليومي .
    لم يكن ترددها في دخول غرفة العمليات .. الذي تفـــكر فيه ، ولا تعلنه ، نتيجة خوف ، أو رهاب من أي نوع . ثمة صراع يتنامى داخلها . فهي .. إزاء ما تراه من تقصير وتجاوزات ، تحدث في غرف العمليات .. تجاه المرضى ، طورت لنفسها معادلة صارمة : " يسلمك روحه .. تحافظ عليها ، يأتمنك على جسده .. لا تخونه " . معادلتها الصارمة ، التي لم تتهاون في تطبيقها ، كثيراً ما أدخلتها في جدالات حادة ، مع أساتذة وزملاء . اعترضت مرّة ، على وجـــود زميل بملابسه العادية في غرفة العمليات ، لأنه كما يقول ، وصل متأخراً ، ولم يجد الوقت لتبديل ملابسه . أصرت أن يبدل ملابسه ، أو أن العملية لن تبدأ ، كما هددت بالتصعيد .
    في مرّة ثانية كانت المشكلة مع زميلة . جاءت إلى غرفة العمليات ، كما لو كانت تدخل قاعة أفراح .. كما تقول . المكياج طبقات ، والعطور أنواع . أبدت استياءها في البداية ، ولكن .. حينما بدأ المكياج يسيح ويختلط بأحمر الشفاه .. قررت أن تتوقف ، وتوقف كل شيء . لم يكن الوضع يسمح بأي نوع من أنصاف الحلول . تم استبدال الزميلة بأخرى ، لكن القصة خرجت من غرفة العمليات .. ووصلت العميد . لم تحصل محاسبة ، ولا لفت نظر . لكن أصداؤها وتداعياتها ، ظلت تتردد داخل الكلية ، عبر التعليقات الساخرة ، التي يتداولها الطلاب والأطباء : غرفة العمليات صار يطلق عليها ( قاعة الديسكو ) ، أما العملية نفسها ، فأصــــــبح اسمها .. بين الطلاب والطالبات ، ( حفلة الدي جي ) .

    مسألة الانضباط المهني ، في غرفة العمليات ، تبدو يسيرة ، أمام موقفها الحاد والقطعي ، تجاه حماية خصوصية المرضى . حين يأتي دورها في الجدول ، لتكون ضمن الطاقم الطبي داخل غرفة العمليات ، تحدث حالة استنفار قصوى بين جهاز التمريض ، الذي سيتولى تجهيز المريض . التعليمات تنفذ بدقة ، بخصوص الأجزاء التي يمكن كشفها من جسم المريض ، الذي ستجرى له العملية . عندما يكون المريض أنثى ، تتابع شخصياً إجراءات تجهيزها لغرفة العمليات . في البداية واجهت إهمالاً ، أو تجاهلاً ، أو رفضاً من الأطباء .. بـــشأن طلباتها بهذا الخصوص . لكنها .. متسلحة بموقف شرعي وأخلاقي ، قاومت كل الضغوط ، وأساليب الإهمال والتجاهل . لم تكن تتردد في التعبير عن اعتراضها ورفضها ، لأي سلوك ترى فيه انتهاكاً لخصوصية مريض ، تحت أي تبرير . كثيرٌ من الألقاب والصفات ألصقت بها ، ويتم تداولها همساً ، بين بعض الأطباء مثل : ( حارسة العورات ) . تتصنع اللامبالاة أحياناً ، وتتظاهر بالقوة . لكن .. حين تخلو بنفسها ، يعتريها الضعف البــــــــشري .. فتــــــــــبكي . تحدث نفــــــسها : " الجميع يـــؤثر الســـــلامة " ، حتى ( الطيبون ) . في إشارة منها للأطباء المتدينين .

    كان قد بقي أمامها أسابيع لتتخرج وتصبح طبيبة عامة . لكن .. كأن قدرها يأبى إلا أن تنهي مسيرة حياتها الأكاديمية ، بحدث غير اعتيادي ، يضاف إلى سجلها الحافل بالمواجهات والمصادمات والمواقف المدوية . كان يوم اثنين ، خرجت من البيت صائمة ، جدولها اليوم مزدحم . أوصلها السائق إلى المستشفى ، متأخرة خمس دقائق . صعدت إلى القسم ، وأنهت تحرير بعض الأوراق . كانت هناك جولة على بعض المرضى ، حرصت أن تنهيها قبل التاسعة ، حيث أن موعد عملية ، ستكون ضمن طاقمها .. سوف يكون السـاعة التاسعة وعشرون دقيقة . لم تنس أن تتصل بجهاز التمريض ، لتؤكد على تجهيز المريض . صار لها عادة أن تصلي ركعتين ، قبل كل عملية تدخلها .. فاتجهت إلى مكتبها وَصلّت . وصلت غرفة العمليات في التاسعة وخمس دقائق . مريضة اليوم شابة في بداية عشريناتها ، تشتكي من فتق مزمن أسفل البطن . كانت المريضة قد وصلت ، فاتجهت إليها وطمأنتها ، وهدّأت من قلقها . بعد عشر دقائق ، اكتمل وصول الطاقم الطبي .
    بدأت العملية ، ومرّت النصف ساعة الأولى بشكل اعتيادي . انتبهت بعد ذلك ، أن الطبيب ومساعده ، يتبادلان إشارات بالأعين . لم تفهم طبيعة هذه الإشارات ، ولم تجد لها تفسيراً .. إلا حين لاحظت أنهما يتعمدان إزاحة الغطاء عن بعض أجزاء جسد المريضة ، بطريقة تبدو عفوية . توترت .. لم يكن بمقدورها أن تفعل شيئاً ، سوى ملاحقتهما ، وتغطية الأجزاء التي تتعرض للكشف . انتهت العملية ، لكنها شعرت بإحباط شديد . مبدؤها : " يأتمنك على جسده .. ولا تخونه " . ، صار يلح عليها بأن تفعل شيئاً . في طريقها لغرفة تغيير الملابس ، قلبت الأمور ، فرأت أنه ليس لديها الكثير لتفعله . سلوكهما بدا عفوياً وتلقائياً ، ولا يمكن إدانتهما بأي شكل من الأشكال . أي تصعيد ، سيكون بالضرورة ضدها .


    عن أنس رضي الله عنه قال
    : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن لله تعالى أهلين من الناس . قالوا : يا رسول الله من هم ؟ قال : هم أهل القرآن أهل الله وخاصته ) . (صحيح الجامع2165)







  18. #18
    عضو متميز
    صور رمزية sa9r
    تاريخ التسجيل
    Mar 2005
    المنطقة
    عابر سبيل
    ردود
    7,648
    عندما انتهت من تبديل ملابسها ، غسلت وجهها واسترخت على أحد المقاعد . التوتر مع الصيام أرهقها ، والحدث زادها مرارة . مرت ربع ساعة ، شعرت أنها أكثر هدوءاً . نهضت وتوجهت خارجة من غرفة العمليات ، ثم خطر لها أن تمر على المريضة في غرفة الإفاقة ، لتطمئن عليها . حين أزاحت الستارة ، فوجئت بمنظر صدمها . المريضة ما زالت في غيبوبتها ، عارية تماماً .. الغطاء مرفوع عنها ، والطبيب ومساعده يتأملانها . صرخت :
    - حسبي الله عليكم ..! هذا والله خيانة وإجرام ..
    فوجئا بوجودها فارتبكا ، وحاولا استيعاب المفاجأة ، بالتظاهر بأنهما يقومان بإجراء روتيني ، لمتابعة حالة المريضة ، وذلك بالتهامس والإشارة لموضع العملية ، ثم إعادة تغطية المريضة . لم تنجح محاولتهما في تهدئتها ، أو الحد من انفعالها ، رغم أن الطبيب حاول الاستخفاف بها ، والظهور بمظهر الواثق من نفسه .. حين قال :
    - روحي لبيتكم يا شاطرة .. أحسن لك .

    استمرت في توجيه عبارات التوبيخ والتوعد بتصعيد الموضوع .. والتهديد بمقاضاتهما . صوتها المرتفع ، جعل بعض الأطباء والعاملين ، يتوجه لمصدر الصوت ، لتقصّي الأمر . حرج الطبيب ومساعده ، ازداد مع تكاثر الأشخاص ، الذين دفعهم الفضول للقدوم ، لمعرفة ما يجري . كانت تتكلم عن " خسة ونذالة .. وخيانة للأمانة وشـــرف المهنة " ، دون أن يدري الموجـــــودون ، ما الذي حـــدث بالضبط . بعض الحضور ، ظن أنها قد تعرضت للتحرش .. إلى أن قالت :
    - لقد مسكت سعـــــادة الدكتور بسام ومساعده متلبسين ، بجريمة كشف عورة مريضة . إن الأمر لا يقف عند الاعتداء على شرف الناس ، وهذه بحد ذاتها جريمة ، بل كذلك .. خيانة للعهد والميثاق وشرف المهنة .
    رد الدكتور :
    - أنتم تعرفون الأخت .. مريضة بالوسواس ..
    - المريض يا دكتور ، هو الذي لم يردعه دين ، ولا سن ، ولا شرف مهنة ، عن كشف عورات المرضى النائمين .
    - ما قلت لكم ..؟ الأخت مهووسة بشيء يتداوله المتطرفون في الانترنت ، اسمه العورات النائمة .. وهناك من يحرضها من متطرفي وإرهابيي الانترنت .
    ثم أراد أن يحول الأمر إلى سخرية منها ، وتكريساً لاتهامه لها بالوسواس ، وصلتها بمن يسميهم متطرفي الانترنت .. فقال :
    - الأخت تحب القيادة والزعامة والأضواء .. ما يكفيها أنها اشتهرت في الكلية باسم ( الملا عمر ) ، بسبب سلوكها المتطرف ، البعيد عن المهنية . لذلك .. أقترح .. لإرضاء هوسها ، نسميها زعيمة ( حزب العورات النائمة ) .
    ثم اصطنع ابتسامة ، وصار يتلفت نحو الموجودين ، لينال تأييدهم ، ومشاركتهم السخرية منها .. لكنها ردت :
    - الدفاع عن عورات المسلمين النائمة ، ضد لصوص الأعراض مثلك ، يا سعادة الدكتور .. شرف . من هو المسكون بفوبيا الجنس .. أيها التنويري ، من نوع تلك الشعارات الفارغة التي دائماً ترددها .. لتسويغ الانحراف ..؟ والله العظيم لن يمر الحادث بسهولة ، وإن لم تتخذ الكلية إجراءاً .. إني لأصعد الأمر لوسائل الإعلام .

    لم يتخذ إجــراء من أي نوع ، ولم تجرِ حتى مساءلة .. وحرصت عمادة الكلية ، وإدارة المستشفى ، على احتواء الموضوع ، والتكتم عليه .. حفاظاً على سمعة الكلية والمستشفى . كـــــــــثير من حقوق الناس تهدر ، لتبدو صـــــــورة المؤسسات الرســـــمية ( كاملة ) . يموت الناس ، أو يتعرضون للأذى .. بسبب إهمال الأطباء ، أو تعدي الأفراد ، على الموقوفين في المراكز الأمنية .. ولا يحاسب أحد ، لأن هذا يضر بسمعة الوزارة المعنية ، التي ترخص أمام ( نزاهتها ) المزعومة ، أرواح المواطنين . تساق قضية ( الخصوصية ) دائماً ، لتبرير عدم مساءلة أي مسؤول ، أو محاكمته علناً على تقصيره . أطرف تعليق على هذا الوضع الشاذ ، ما سمعته مرّة من إحدى صديقاتها : " في العالم .. غيرنا ، حين يعيث المسؤول فساداً ، في حياة الناس وأموالهم .. يستقيل أو يحاكم ، أما عندنا .. فلا هذا ولا ذاك ، لأن لنا ، كما يقولون ( خصوصيتنا ) ، وقاعدتها الذهبية : " صورة الحكومة أولاً ، وسمعة المسؤول ثانياً .. وليذهب المواطن إلى الجحيم " . عائشة .. على أساس من قناعات وتجارب سابقة ، كانت تتوقع موقفاً مثل هذا ، لكنها .. نجحت في تسريب الموضوع إلى الصحافة .. إلى الأستاذ سعد ، كاتب عــــمود صحفي مشهور ، فدارت سجالات حول القضية ، تؤكد على وجوب حماية خصوصية المرضى ، واستحداث نــــظام للملابس ، داخل غرف العمليات .. يحميهم من العبث والتجاوزات .
    الميدان الآخر للحدث ، كان أحاديث أفراد المجتمع ، ومنتديات الانترنت . ظل النقاش حاداً وساخناً ، لأكثر من شهر .. مما خلق رأياً عاماً ، يطالب بوضع قوانين تحمي المرضى ، وتعاقب من ينتهك حرماتهم . الحادثة نفسها وتداعياتها ، أشاعت حالاً من الحذر والخوف ، لدى أفراد يقعون في انتهاكات لخصوصيات المرضى ، أو تقصير في حقهم . هناك حديث مرتفع ، عن تحرشات يقوم بها بعض العاملين الذكور في المستشفيات . يتردد أن هناك عبثاً واستغلالاً جنسياً ، لبعض المريضات ، من قبل أشخاص ، يعملون في قطاعات فنية مساندة في المستشفيات ، يزعمون أنهم يتلقون توجيهات من أطباء ، مستغلين جهل المرضى وذويهم .


    عن أنس رضي الله عنه قال
    : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن لله تعالى أهلين من الناس . قالوا : يا رسول الله من هم ؟ قال : هم أهل القرآن أهل الله وخاصته ) . (صحيح الجامع2165)







  19. #19
    عضو متميز
    صور رمزية sa9r
    تاريخ التسجيل
    Mar 2005
    المنطقة
    عابر سبيل
    ردود
    7,648
    بعد الفضيحة .. التي صارت حديث الناس ، صار هناك توجس . لا أحد يرغب أن يضع نفسه ، في موقف مثل الذي حصل للدكتور ومساعده . الأمر في بعض مراحله ، كاد أن يكون أكثر خطورة ، لولا تدخل بعض الأشخاص ، من داخل الكلية .. لدى عائشة . كانت قد هددت ، إن لم يتخذ إجراء وعقوبات رادعة ، بأنها ستبلغ أولياء المريضة ، بالفعل الذي ارتكبه الدكتور ومساعده .

    صدمة عائشة ، لم تكن من الفعل فقط .. على بشاعته . بل من الطبيب نفسه . يقدم الدكتور بسام نفسه ، ويعرّفه زملاؤه ، على أنه ليبرالي تنويري ، يناصر حرية المرأة ، وحقها في العمل ، ويدافع عن الحريات عموماً . كثيراً ما وصف الدعوات التي توجه إلى عمادة الكلية ، أو لوزارة الصحة ، بتنظيم عمل المرأة في القطاع الصحي .. بما يوائم عادات المجتمع وتقاليده ، والحد من الاختلاط .. غير المبرر ، بين الجنسين ، بأنها ( فوبيا ) جنسية ، يروّج لها ( المتزمتون ) ، المسكونون بميكانزم غريزي ، يجعلهم ينظرون للمرأة ، على أنها هدف جنسي متحرك . جاءت الحادثة ، ليس فقط ، بمثابة الفضيحة للدكتور بسام ، ولتسقط صورة المثقف ، التي صنعها لنفسه . بل كذلك .. لتكشف حــــقيقة موقفه من المرأة ، و( الأجندة ) التي يقوم بتسويقها ، حول حقوق المرأة . كما أن وقوف بعض زملاء الدكتور إلى جانبه ، ومساندتهم له .. على فداحة الفعل الذي ارتكبه ، جعلها تقطع أن دعاوى الحرية والليبرالية ، التي يدعيها بعض الأشخاص ، ليست إلا شعاراً فارغاً ، لسلوك شهواني . أمْرٌ كانت تدركه ، وتعرفه حق المعرفة ، لكنها كثيراً ما تدخل في جدالات ونقاشات ، حول حقيقته ، وإمكانية إثباته . قالت للدكتور نايف ، وهو زميل للدكتور بسام ، تبنى حـــملة للدفاع عنه :
    - أفهم أن تنادوا بحق امرأة أن تتبرج ، لكن كيف تدافع عن زميلك الذي يعرّي امرأة نائمة ، معتدياً على أهم حقوقها .. خصوصية جسدها ..؟ هل تريد أن تقنعني أن المريضة النائمة ، كانت في حالة ( سلوك ظلامي ) ، وأن زميلك الدكتور بسام ، كان يمارس ( فعلاً تنويرياً ) ويعبر عن سلوك ليبرالي ..؟!

    الحدث صار حديث مجتمع الجامعة ، وربما انتقل خارجها ، لكن عين عائشة وقلبها ، كانا في مكان آخر . ماذا كتب في الانترنت عن الموضوع .. وما الذي كتبه شهاب الإسلام تحديداً ..؟ شقيقها أحمد ظل يزودها بكل ما دار في الانترنت حول الحادثة وتداعياتها . مكثت هي أسابيع ، تتابع الإنترنت بنفسها ، وَتَطّلع على ما يحضره أحمد لها . لم تجد شيئاً لشهاب الإسلام . نفد صبرها ، فسألت عنه أحمد ، الذي كان يتوقع سؤالاً مثل هذا .. قال :
    - تابعت كل ما كتب .. لم أجد شيئاً لشهاب الإسلام ، ولم يرد على البريد الالكتروني ، الذي أرسلته إليه بهذا الخصوص .

    أحمد كتم عن عائشة ، كلاماً سمعه عن شهاب الإسلام .. وهي ظلت تترقب . بعد أيام ، بعض زميلاتها اللائي يعرفن اهتمامها بما يكتب شهاب الإسلام ، سَرّبن لها كلاماً منسوباً إليه ، في أحد مواقع الانترنت .. مفاده : " موقفها جيد ، لكن ما الذي يجيز لها أن تبقى في غرفة العمليات ، مع رجال أجانب ، يتكشّفون عورات المسلمين ..؟ ! " . سكتت ولم تعلق ، وحاولت أن تستبعد صدور هذا الكلام منه . صار الموضوع هماً ، لم تطق الصبر عليه ، فصارحت أحمد بما نقل إليها . لم يشأ أن يؤكد لها الموضوع ، الذي تواتر عنده من أكثر من مصدر . خشي أن يسبب لها صدمة . قال :
    - سمعتُ مثلك هذا الكلام .. لكني لست متأكداً من أنه فعْلاً قاله ..!

    هزت رأسها ، وهي تنصرف لغرفتها .. وتغالب ، لتبدو تعابير وجهها طبيعية . لم يكن ردّه مقنعاً .. ولم تعلق . لكنها .. شعرت بجرس يُقْرع في قلبها . للحزن ، والرحيل ، والفقد .. طعم واحد ، وأصواتٌ متعددة . قَرَأَتْ مرّة .. أن الريح تعوي في الأطلال الخربة . حين ضمت ساعديها إلى صدرها ، وتلمست أضلاعها ، تحسست صوتاً ، كأنّ صخبه في أذنيها.. تساءلت : أهذا صوت عواء الريح في قلبي ..؟
    على مشارف عامها السادس والعشرين .. تلتفت ، ثمة إنجازات كبيرة ، على أكثر من صعيد . الذين حولها يقولون : ما زلت صغيرة .. المستقبل أمامك ، لديك الكثير لتحقّقينه . اليوم .. حين أحست بذلك الدويّ في صدرها ، أدركت أن لا شيء في قلبها تحقق ، منذ أول خاطر ، تسلل عبره شهاب الإسلام إليه : أطلال .. وريـــح تعوي . نحن لا نقيس انــــــــجازاتنا .. فقط ، بما حققناه .. لندهش الآخرين ، فيصفقوا لنا . للقلوب مساحة من زمن ، تزهر فيها .. قــصيرة ، إن لم يأتِ ربيعها بــ( وسمي ) ، فليس إلا عطش الدهر .. وحزن الأبد . المستقبل بدا موحشاً وعدماً ، وحديث القلب : شُختِ .. ليس ثمة وقت لأحلام ..!


    عن أنس رضي الله عنه قال
    : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن لله تعالى أهلين من الناس . قالوا : يا رسول الله من هم ؟ قال : هم أهل القرآن أهل الله وخاصته ) . (صحيح الجامع2165)







  20. #20
    عضو متميز
    صور رمزية sa9r
    تاريخ التسجيل
    Mar 2005
    المنطقة
    عابر سبيل
    ردود
    7,648
    كانت جالسة على طرف سريرها . أرهقها الهم ، فلم تخلع حتى معطف المستشفى الأبيض . الأفكار كانت قد أخذتها بعيداً ، حين دقت نغمة جوالها ، معلنة استلام رسالة . سحبت الجوال من جيب معطفها ، ووضعته على منضدة الزينة . ترددت في فتح الرسالة . سئمت من كثرة الرسائل ، التي وصلتها ، حول قضية الدكتور ومساعده ، إما استفساراً عن الموضوع ، أو إشادة بموقفها .
    حين بدلت ملابسها ، ألح عليها فضول غير عادي ، بأن تفتح الرسالة التي وصلتها قبل قليل . التقطت الجــــــــوال واستلقت على سريرها ، فتحت الرسالة .. لم تكن من النوع الذي اعتــــــادت استلامه مؤخراً : " لكم باقة ورد ، لــــــــدى محل ( الفصول الأربعة ) للورود . نرجو الاتصال ، لإعطاء مندوبنا وصفاً لعنوانكم . رقم الطلب 5/5/24 " . اعتدلت في جلستها . غمامة فرح ، بدأت تتشكل على محياها . قسماتها غدت أكثر إشراقاً ، وابتسامة صارت تنمو في ثغرها . شعور بالبهجة ، تحسه يجتاحها ، ويكاد يرفعها عن الأرض .. كأنها على بساط ريح . همست لنفسها : " شيء رائع ، أن يأتيك ورد بعد أن أصبحت المشاهد كلها .. بلون رمادي ، ولم يعد لإيقاع الحياة طعم .. أو لون " . تحب الورد ، ولا تتفق مع الرأي الرافض له ، على أساس من موقف ديني . ليس في تهادي الورد تقليداً لكافر . سمعت هذا الرأي من أكثر من عالم موثوق . تحتفظ بذاكرتها بموقف جميل عن الورد ، ترويه إحدى زميلاتها . تحدثت الزميلة عن زوجها الذي غاضبها مرة .. فندم . ثم اختلس .. في ذات الوقت ، فرصة انشغالها ، بأمر ما ، وأشترى لها وردة ، أرفقها ببطاقة كتب فيها : " أفتقد الذوق أحياناً " . كان للوردة ، والعبارة ، والموقف .. فعل السحر ، تقول الزميلة .
    الورد مظهر من مظاهر الجمال .. أو هو أبهى مظاهر الجمال .. و " الله جميل يحب الجمال " . لكنها .. تكره المغالاة والتباهي ، في إهداء الورد ، مثل ذلك الذي تراه يحدث في المستشفى .. بين النساء خصوصاً . تذكر أنها دخلت على إحدى المريضات ، فوجدت حول سريرها ورداً ، قيمته لا تقل عن عشرة ألاف ريال . عرفت السبب . كل صاحبة باقة ورد ، تبرز اسمها بشكل واضح على باقتها ، فتأتي أخرى تزايد عليها ، فتهدي أغلى منها .. وتجعل اسمها بارزاً .. وهكذا ..! المريضة لاحظت اندهاشها من العدد الكبير من باقات وآنية الورد .. فقالت مزهوة : " أنا سعيدة .. الورد جميل " . فاجأها ردّها : " ألا ترين أنه يصبح قبيحاً ، عندما يتحول إلى مباهاة وتبذير " .

    اتصلت بمحل الورد ، وأعطتهم وصفاً لعنوان البيت . بانتظار وصول الهدية ، أخذت تستعرض في ذهنها من قد يكون المرسل . اليوم الخميس ، لا تتذكر مناسبة توافق هذا التاريخ . رجحت أن تكون إحدى صديقاتها .. في الكلية أو المستشفى ، أو ربما أحدٌ من عائلتها ، مهتم بها ، وهي لا تعلم .. أو قد يكون شخصاً قدر موقفها ، في موضوع عورات المرضى النائمين . وصل مندوب الفصول الأربعة ، واستلمت الباقة . كانت جميلة جداً ، فتلهفت لمعرفة المرسل . التقطت البطاقة المرفقة ، التي كانت كبيرة ، خلاف البطاقات ، التي ترفق عادة مع باقات الورود .. وشرعت تقرأ :
    " سيدتي الجميلة ، أنت لا تعرفينني ، ولستِ بحاجة لأن تعرفينني . جئتُ مرّة .. قبل عام إلى الطوارئ ، ومعي طفلتي المريضة ، وهي في حال يرثى لها ، من المرض وعدم النظافة . كان اهتمامك بها ، ورعايتك لها ، ولمستك الحانية ، ومتابعتك لحالتها ، شيء لا يفعله .. إلا إنسان يمارس فعله عن إيمان . ثم كان خطابك المطَمْئِن ، اللطيف ، المؤدب لنا .. الــــذي غمرنا بشعور من الأمان والسكينة .
    أعتقد أن وجود مثلك ، ليس في هذه الأماكن فقط ، بل في حياة الناس ، ضرورة كونية ، لكي لا يختل ميزان القيم ، وليكون للحياة معنى .. كذلك .
    لقد سألت عنك وقتها ، وأُخْبِرتُ باسمك ، وعلمت أنك طبيبة تحت التدريب ، ولم تتخرجي . بقيت أسأل عن موعد تخرجك ، فعلمت أنه يوم السبت ، فأردت أن تكون لي مشاركة بالفرحة ، بإنجاز إنسان رائع خَـلاّق مثلك .
    حين أردت أن أشاركك فرحتك ، فكرت بروحك الجميلة ، التي لا يهمها ما يلمع وما يبرق . أعلم أنه يستهويك ما يستهوي النساء ، لكن قيمتك لدي .. لا أستطيع أن أصل إليها . ليس لأن حالتي المادية لا تسمح ، بل لأني أؤمن .. وأحلف بالله العظيم ، أنك أسمى من جواهر الأرض كلها .
    أؤمن بأن إنساناً ، بمثل أدبك ، وأخلاقك ، وجمال روحك .. لابد أن يكون هو نفسه مصدراً للجمال ، ومُستَقْبِلاً للجمال . أؤمن أيضاً ، أن الورد ، من حيث هو ، تعبير عن قيمة جمالية سامية ، ورمز لأسمى معاني التواصل الإنساني .. يمثل مشتركاً ثقافياً إنسانياً . أما أعلى درجات إيماني ، فهي أن كينونتك ، أصدق معنى للحضور الإنساني ، وحضورك الفاعل في حياتنا .. أبهى صورة للجمال ، لذلك أهديتك ورداً ..
    ســـــــــــــــــلامي ، ومودتـــــــــــــي .. ودعــــــــــــــــــــــائي " .
    محمد ..


    عن أنس رضي الله عنه قال
    : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن لله تعالى أهلين من الناس . قالوا : يا رسول الله من هم ؟ قال : هم أهل القرآن أهل الله وخاصته ) . (صحيح الجامع2165)







Bookmarks

قوانين الموضوعات

  • لا يمكنك اضافة موضوع جديد
  • لا يمكنك اضافة ردود
  • لا يمكنك اضافة مرفقات
  • لا يمكنك تعديل مشاركاتك
  •  
  • كود BB مفعّل
  • رموز الحالة مفعّل
  • كود [IMG] مفعّل
  • [VIDEO] code is مفعّل
  • كود HTML معطل