السجّان والسجن في كوسوفو: تبادل الأدوار
المستقبل - السبت 28 شباط 2009 - العدد 3233 - رأي و فكر - صفحة 19


محمد م. الأرناؤوط
سمحت لي عطلة مابين الفصلين أن أقضي اسبوعا في كوسوفو عشية الاحتفال بالذكرى الاولى للاستقلال، التي تميزت بطوفان بشري تدفق على المدينة خلال النهار والليل على الرغم من تدني درجات الحرارة الى ما دون الصفر.
وفي هذه المناسبة كانت الفرحة مختلفة عما كانت في 17/2/2008 نتيجة لما تحقق خلال عام من الاستقلال. صحيح أن الامور لم تجر كما كان يقول المتفائلون ولكنها أيضا لم تسر كما كان يتخوف المتشائمون. فلم يحدث خروج جماعي للصرب من قلب كوسوفو ولا انفصل الجزء الشمالي الذي يقطنه الصرب، بل اعترفت بكوسوفو 22 من 27 دولة من الاتحاد الاوربي و54 دولة من اليابان الى كندا والولايات المتحدة تمثل نحو 65% من الاقتصاد العالمي.
وأريد هنا أن أتوقف عند جانب ما كنت لألاحظه لولا عشاء غير رسمي مع السيدة نقيبة كلمندي وزيرة العدل في الحكومة الكوسوفية، الذي يعبر بشكل خاص عما تحقق خلال عام من الاستقلال.
وتجدر الاشارة هنا الى أن السيدة نقيبة تتمتع باحترام كبير في أرجاء كوسوفو على المستويين الرسمي والشعبي. فهي كانت قاضية معروفة الى أن فصلها نظام ميلوشيفيتش عن عملها في 1987، وتابعت العمل العام مع زوجها المحامي المعروف بيرم كلمندي الذي انشغل بالدفاع عن المواطنين أمام المحاكم وهيئات حقوق الانسان خلال الحكم الميلوشيفي الى أن أغتالته قوات الامن الصربية مع ابنه البكر في 25/3/2009. ومنذ ذلك الحين اتشحت السيدة نقيبة بالسواد ولكنها ازدادت عزيمة للعمل وانتخبت نائبة في البرلمان الكوسوفي بعد 1999 ثم وزيرة للعدل، وهي تفخر ببساطة انها لم تأخذ اجازة سنوية من حينها بل تفرغ كل وقتها لبناء كوسوفو جديدة تقوم على القانون لا على الانتقام.
وفي هذا السياق سألها صديق مشارك في العشاء : هل لديها رغبة في الثأر من قاتلي زوجها، فأجابت فورا انه لو أدخل الان قاتل زوجها الى المكان الذي نحن وقدم لها مسدساً لقتله لما وافقت أبدا بل انها تريد العدل بالقانون.
وقد جر هذا الامر الى موقفها من الحكم بالاعدام، حيث قالت انها خلال عملها قاضية كانت تعارض دائما الحكم بالاعدام ولم تنطق به مرة واحدة. أما السبب في ذلك فهو ايماني أو انساني بحت فهي تعتقد أن الله هو الذي وهب الروح للانسان وهو الذي يستردها منه. وهنا تقول انها تنام مرتاحة الضمير كل ليلة بعد أن تقرأ 3 مرات سورة الفلق ومرة واحدة سورة الفاتحة.
أما الامر الاخر الذي ركزت عليه طيلة السنة الماضية فهو تحسين وضع السجون والسجناء. صحيح انها لاتؤمن بالاعدام ولكنها تقر الحكم العادل وتؤمن ان السجن هو مكان للاصلاح وليس للاخلال بحقوق الانسان / السجين، الذي يفترض أن يعود عضوا صالحا الى المجتمع.
وفي هذا السياق تستشهد بالكثير من الاصلاحات التي أدخلتها على السجنين في كوسوفو، الاول للنساء والاطفال قرب المطار والثاني للرجال قرب مدينة استوغ. وهكذا هناك تلفاز لكل سجين في زنزانته وتشجيع للسجين على تعلم حرفة أو متابعة دراسته. وفي حال حسن السلوك يسمح للمتزوجين بخلوة لمدة ثلاث ساعات يوميا مع زوجاتهم، وفي خطوة ثانية قضاء عطلة نهاية الاسبوع وفي خطوة ثالثة قضاء اجازة سنوية لمدة اسبوعين في بيته مع زوجته وأولاده. وهنا تعلق الوزيرة نقيبة مع ابتسامة خفيفة انه لم تحدث حالة تخلف أو تأخر واحدة بل ان السجناء يعودون الى السجن في الليلة الاخيرة.
وقد سألها صديق عن وجود أجانب في السجون الكوسوفية فذكرت حالات محدودة على الرغم من الوجود الكبير للاجانب في كوسوفو، منها سجين مصري حكم عليه بالسجن 35 سنة بعد أن قتل صديقته الكوسوفية التي رفضت الزواج منه بعد أن رآها تمشي مع غيره فثارت فيه النخوة المصرية. وهنا تحمست الوزيرة وقالت ان القوانين الكوسوفية تتيح للسجين المصري أن يقضي عقوبته في بلده، ولكن أحد الاصدقاء المشاركين في العشاء تمنى عليها أن تبقي هذا السجين في السجن الكوسوفي عوضا أن ترسله الى أحد سجون مصر!
في كوسوفو ونتيجة لظروف الحرب المدمرة ونسبة البطالة الكبيرة بين الشباب اعترفت الوزيرة ان معظم الاحكام تتعلق بالسرقة والمخدرات والتزوير وغيرها.وخلال الحديث اتصلت هاتفيا بمدير السجون لتتأكد منه عن آخر عدد للسجناء من كافة الانواع (الرجال والنساء والاحداث) حيث تبين انه لا يتجاوز الفا، وذلك لدولة يقترب سكانها من مليونين ونصف.
خلال 1989 ـ 1999 كان عشرات آلاف الكوسوفيين قد أودعوا مراكز التحقيق والسجون في كوسوفو وصربيا بتهم أو بدون تهم، وبأحكام وبدون أحكام، حتى بات السجن البيت الثاني للكثير من الكوسوفيين. أما الان فقد أصبح السجن رمزا لما تحقق خلال عام من الاستقلال!