ترتقي الأمم مدارج الحضارة عندما تلتقي إرادة أبنائها وتصميمهم على استنهاض الهمم.
ولأن العلم هو محور الحضارة وسبب رقيّها فكان للتعليم والتعلم أهمية قصوى في تقييم مستوى ما وصلت إليه أيّ أمة من الأمم .

وقد تميزت العلاقة التبادلية بين الطالب والمعلم على مدى التاريخ بالتذبذب واختلفت مكانة المعلم وأهميته من بلد لآخر .. وبالرغم من أن الطالب والتلميذ ( المتعلم) يعتبر هو محور العملية التربوية، إلا أنه يظل المادة الخام التي يضعها أولو الأمر بين يدي المعلم لكي يشكل منها ما يشاء من شخصية قد تكون -بإرادة المعلم الذكي ذو الهدف الواضح- مثالا يحتذى به وعلما من الأعلام. أما نوعية العلاقة التبادلية التي تربط الطالب بمعلمه فقد وضع لها المهتمون صيغ وسلوكيات على الطالب إتباعها إن أراد الحصول على ما لدى أستاذه من علم لينتفع به .
وأهم هذه السلوكيات هي الاحترام والتواضع للمعلم كما نرى في وصية سيدنا عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه) : (( تواضعوا لمن تتعلمون منه وليتواضع لكم من يتعلم منكم، ولا تكونوا من جبابرة العلماء فلا يقوم علمكم بجهلكم)) فالمتعلم لا يتكبر على العلم ولا يتأمر على معلم ، بل يلقي إليه زمام أمره بالكلية في كل تفصيل ويذعن لنصيحته إذعان المريض الجاهل للطبيب المشفق الحاذق
ومع هذا نرى أن اللوم يطال المتعلمين إن هم قصروا في أداء ما عليهم، بغض النظر عن دور المعلم في هذا التقصير.



أما المعلم الذي حظي بكل التقدير والاحترام في الأيام الخوالي نجده اليوم يعاني من الجفاء والإهمال وقلة الاحترام من قبل طلبة هذه الأيام. وعند التقصي عن حقيقة هذا الجفاء نجد أن للمعلم نفسه الحصة الأكبر في ما يعانيه .. فمعلم الأمس كان همّه إيصال ما لديه من معلومات إلى مريديه حتى لو كان ذلك بلا مقابل، بل تجد بعض المعلمين يبذل الغالي من أجل طالب رأى عليه إمارات النبوغ فيتعهده بالرعاية والاهتمام ولأن الله ( لا يضيع عمل عامل منكم ) تجد المتعلمين سواء النابغين منهم أو ذوي الحظ البسيط من الفطنة يجلّون أستاذهم ويتخذون مِن ( مَن علمني حرفا ملكني عبدا) سلوكا مؤدبا مع من علّمهم.

أما معلم اليوم (وهنا لا يجوز التعميم طبعا) يجد في تقربه للمتعلم وتملّقه على حساب سير العملية التعليمية والتربوية من أجل أن يحصل على مردود مادّي جيد -خاصة معلمي الدروس الخصوصية- الطريقة المثلى للتعامل، وبِوِزْرِ هذه النماذج ساءت سمعة المعلم وقلَّ احترامه لدى مريديه لأنهم اعتقدوا أن المعلم راغب في ما لديهم من أموال فظنوا أنهم هم المتفضلين عليه لا العكس.
ومن هذا المنطلق نجد أن العلاقة التبادلية بين الطالب ومعلمه ساءت كثيرا وأصبحت مادية ممقوتة.
ورغم أننا لا نريد أن نضع اللوم كله على طرف واحد إلا أن الحقيقة تشير أن المُوجِّه لحركة العلم والصاقل لمواهب الصغار إن لم تكن نيته خالصة لوجه الله أولاً ثم إن لم يجددّ ما لديه من علوم ثانيًا وان لم يجعل من القناعة والترفع عما في أيادي مريديه ثالثا فإنه يتحمل مسؤولية ما آلت إليه الأمور من سوء.





بقلم وريشة:
hedaya