قصتنا نحن العرب مع المياه قصة طويلة , بدأت فصولها منذ أن فكر مغتصبو فلسطين بإقامة دولتهم على ترابها . هي قصة حياتنا ومستقبلنا ووجودنا , مع دولة " سرقت مياه الجوار ,وقطعت مياه طبريا عن الأردن , بعد أن كانت المياه تفيض عن حاجتها " وطبعت على علمها حلمها , وجعلت حدودها المياه .

من المؤكد أن بداية المأساة للمياه ومصادرها في منطقة بلاد الشام , وبالذات في مثلث المياه ( مكان التقاء الحدود الأردنية السورية الإسرائيلية ) , لم تقم بعد خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق "ديفيد بن غوريون " David ben Gurion عام ( 1955 ) " إن اليهود يخوضون اليوم مع العرب معركة المياه , وعلى مصير هذه المعركة يتوقف مصير إسرائيل , وإذا لم ننجح في هذه المعركة فإننا لن نكون في فلسطين " . ولكنها قامت قبل هذا التاريخ . فمنذ أن بدأ حلم استعادة أرض صهيون يراود مخيلة قادتها , حوالي منتصف القرن التاسع عشر , أدرك هؤلاء القادة أن تحقيق أهدافهم في تهجير ملايين اليهود إلى فلسطين , لن يتم إلا بالتوسع في السيطرة على أرضها , وأن التوسع في استغلال الأرض لن يتم إلا بتأمين كميات كافية من المياه لإروائها , وبالهيمنة الكاملة على مصادرها.
فمنذ عام ( 1873 ) , تجلى التعاون الكامل بين المستعمر البريطاني والصهيونية العالمية الناشئة آنذاك , حين أوفدت الجمعية العلمية البريطانية بعثة من الخبراء والمهندسين إلى فلسطين لتقصي ما فيها من موارد طبيعية ومنها المياه .

D.Ben Gurion
وجاء في التقرير الذي وضعته تلك البعثة عام ( 1875 ) " أنه من الممكن اتساع فلسطين والنقب لإسكان ملايين من البشر , وبأنه من الممكن ري صحارى الجنوب إذا أمكن نقل بعض كميات المياه الموفورة في شمالي فلسطين إلى جنوبها تحقيقاً لهذا الغرض " . لذلك فإن أول مستعمرة صهيونية في نهاية القرن التاسع عشر , كانت في شمال فلسطين , بالقرب من مثلث المياه , وهذا الأمر لم يكن عشوائياً بل جاء جزءاً من التوجه الصهيوني العام , الذي استمر في محاولات التسلل إلى الأرض , وتقديم مشروعات متتالية للهيئات الدولية .

إثر انتهاء الحرب العالمية الأولى تقدمت المنظمات الصهيونية إلى مؤتمر الصلح عام ( 1919 ) بمطالب مهمة تتعلق بتخطيط حدود إسرائيل المقبلة جاء فيها " أن حدود فلسطين يجب أن تسير وفقاً للخطوط العامة التي تبدأ في الشمال على نقطة عند شاطئ البحر الأبيض المتوسط , بجانب مدينة صيدا , وتتبع مفارق المياه عند تلال سلسلة جبال لبنان , حتى تصل إلى جسر القرعون , فتتجه إلى البيرة – قرية في البقاع اللبناني – متبعة الخط الفاصل بين حوضي وادي القرن ووادي التيم – في لبنان – ثم تسير في خط جنوبي متتبعة الخط الفارق بين المنحدرات الشرقية والغربية لجبل الشيخ , حتى تقترب من الخط الحديدي الحجازي إلى الغرب منه . وفي الشرق يحدها خط يسير بمحاذاة حدود يجري الاتفاق عليها مع الحكومة المصرية , وفي الغرب البحر الأبيض المتوسط ".
نهر اليرموك
ويتضح من خلال رسم تلك الحدود أنها لم تتضمن السيطرة على مجاري أنهار بلاد الشام فحسب , بل منابعها أيضاً . إلا أن اختلاف مصالح الفرنسيين والبريطانيين اللذين اقتسموا بلاد الشام بينهما , عطل جزءاً من المشروع الصهيوني , لأن بعض منابع ومسارات الأنهار كانت تقع في الحصة الفرنسية .

ومع ذلك فإن المنظمات الصهيونية تابعت جهودها لاقتناص أية فرصة للحصول على ما يمكن الحصول عليه . فحصلت شركة روتنبرغ ( Rotenberg ) اليهودية عام ( 1926 ) على امتياز لاستثمار مياه نهري الأردن واليرموك عند نقطة تلاقيهما عند جسر المجامع الأردني ومستعمرة " نهارييم " اليهودية , لتوليد الطاقة لمدة سبعين سنة , مما وضع قيوداً على الأردن , وحد من حريته في استغلال مياه نهر اليرموك لأغراض السقاية وغيرها . وبذلت سلطات الانتداب البريطاني كل مساعدة ممكنة للمنظمات الصهيونية , كي تسيطر على امتياز شركة بحيرة الحولة , لتجفيفها واستثمار أراضيها اعتباراً من عام ( 1934 ) . وتم تنفيذ المشروع بدءاً من عام ( 1951 ) .
في عام ( 1948 ) ولد الكيان الإسرائيلي , ولكن الأطماع بالمياه العربية بقيت كما كانت فبل نشوئه , بل إن الإلحاح على تأمين المياه أصبح من الأمور المهمة جداً لسد احتياجات سيل المهاجرين , الذي بدأ يزداد يوماً بعد يوم , وهكذا توالت حروب السيطرة على المياه .
فمصادر المياه المتاحة داخل إسرائيل قد تم الكشف عنها واستغلالها , ولابد من تأمين مصادر جديدة تواكب الزيادة في عدد السكان , وخاصة أن أكثر من ( 95% ) من مصادر المياه قد تم استغلالها , وهذا يعني أن إسرائيل يجب أن تبحث عن مصادر جديدة , مع استعمال كل المصادر المتاحة , من تحلية مياه المالحة , استعمال مياه المجاري والمصانع بعد معالجتها , محاولة وقف التبخر من بحيرة طبريا , استمطار الغيوم , حجز مياه السيول والتخزين الجوفي لمياه الشتاء ومزج المياه المالحة بالعذبة , الاقتصاد والحد من استعمالات المياه . ومن خلال ذلك يتبين – عدا تحلية مياه البحر – أن إسرائيل استنفذت كل الوسائل المتاحة لها من المصادر الداخلية , ووصلت كمية المياه المنتجة والمتاحة إلى حدودها القصوى . لابد إذن من التطلع إلى خارج الحدود – الغير معروفة حتى الآن – لتأمين مصادر جديدة .
جبل الشيخ
يشكل الحرمون – جبل الشيخ – الذي يزيد ارتفاعه عن ألفين وثمانمائة متر عن سطح البحر , وهضبة الجولان , خزان مياه المناطق الجنوبية من سوريا , فمليارات الأطنان من الثلوج تتساقط على قمم جبل الشيخ , والأمطار الغزيرة التي تنهمر على سفوحه , وعلى هضبة الجولان , والتي تصل حتى ( 1300 ) ميليمتر سنوياً , تتسرب كميات كبيرة منها بعد التغذية السطحية , بعيداً في الأعماق لتشكل المياه والأنهار الجوفية التي تغذي ينابيع نهري الأردن واليرموك , وفروعهما , وجداولهما ( بانياس , الحاصباني , دان , الوزاني ......) والنقطة الحرجة في هذه الأنهار أنها تقع عند التقاء الحدود المشتركة لسوريا والأردن وإسرائيل , بعضها يصب في بحيرة طبرية مباشرة ( الحاصباني , الوزاني , الأردن الأعلى .....) وبعضها يصب في مجرى نهر الأردن الأسفل مثل نهر اليرموك.

أصدرت إسرائيل عام ( 1949 ) تشريعاً يؤمم بموجبه المياه , ويقنن استثمارها ويعتبرها كملك عام من حق الدولة فقط أن تتصرف فيها , ملغياً كل حق للأفراد عليها. إلا أن كل ذلك لم يلبِ أو يفِ بالأطماع الإسرائيلية. فتم وضع المخططات لسرقة مياه نهر الأردن وفروعه . فبعد أن ثبت عجز الآبار المحفورة في مستعمرات النقب عن تأمين حاجة المنطقة من المياه , تقرر عام ( 1954 ) البدء بتنفيذ نقل مياه العوجا ( ينبع من جبال نابلس ويصب في المتوسط ) والينابيع التي تغذيه إلى النقب الشمالي لإرواء أراضيه الخصبة , وصمم المشروع بحيث يشكل حلقة أساسية متكاملة , مع إنشاء القناة الرئيسية المقررة لنقل مياه نهر الأردن وروافده من الشمال إلى أراضي النقب في الجنوب.
عندما بدأ العمل الجدي بتحويل نهر الأردن , تحركت الولايات المتحدة الأمريكية وأرسلت " إيريك جونستون "Eric Johnston عام ( 1953 ) , وتكررت الزيارات وكان آخرها عام ( 1955 ) وهدفت إلى " محاولة إقناع الأطراف بالموافقة على إقامة مشروع استثماري موحد للموارد المائية في حوض وادي الأردن . وقدر المشروع كمية المياه في حوض الأردن بـ ( 1223 ) مليون متر مكعب , تم الاقتراح بتوزيعها حسب الجدول التالي

Water allocation (million cubic meters /year)


Lebanon
Syria
Jordan
Israel
Total
Hasbani
35



35
Banias

20


20
Jordan

22
100
375
497
Yarmouk

90
377
25
492
Side Wadis


243

243
Johnston Plan (1955)

رفض العرب المشروع , لأنه لم يخصص للبنان أية كمية ( من حوض الأردن) , وخصص كمية رمزية إلى سوريا, على الرغم من أنهما يغذيان النهر بأكبر قسط من المياه , وخصص للأردن ما لا يكفيه , ولإسرائيل ما لا تستحقه . إضافة إلى أن المشروع كان يتضمن تحويل مياه اليرموك إلى بحيرة طبرية مما يجعل إسرائيل المتحكم بتزويد الأردن وسوريا بحصتيهما .
ولكن المثير في الأمر أن إسرائيل رفضت المشروع أيضاً . لأنها أرادت كمية ( 890 ) مليون متر مكعب من المياه , وأصرت على إدخال مياه الليطاني في المشروع – الليطاني نهر لبناني نبعاً ومصباً – وطالبت بـ 400 مليون متر مكعب حصة لها منه . وكان يراد من خلال تلك الشروط التعجيزية, إفشال كل المشروع , كمقدمة للاستيلاء على كامل مياه النهر , مع أن المشروع الأمريكي كان له أهدافاً سياسية أبعد من الأهداف الاقتصادية .
وقد قال جونستون عام ( 1954 ) في جامعة " كورنيل " الأمريكية : " لقد وضعنا برنامجاً شاملاً متكاملاً لتطوير حوض الأردن , سوف يعتبر على الأقل بداية لحل عملي بنّاء وطويل الأجل لمشكلة اللاجئين , وبالتالي يساعد في القضاء على جو المرارة والاستياء في المنطقة ". ولكن الخطة كانت خاطئة لسببين 1- إنه من غير الملائم أن تسوى مشكلة سياسية بصفة جوهرية بوسيلة اقتصادية .... 2- إن سياسات المياه في إسرائيل عكست التطلعات السياسية غير القابلة للتفاوض , كما أن الإسرائيليين لم يكونوا راغبين أبداً في إلزام أنفسهم بأسس وقواعد لاستغلال المياه , يمكن أن تؤدي إلى تقييد حريتهم في القيام بأي عمل من جانب واحد ". Cornell University
جمال عبد الناصر
وفي عام ( 1956 ) استأنفت إسرائيل تحويل نهر الأردن إلى النقب واعتمدت عدة تقنيات في سبيل ذلك . وأعلنت في عام ( 1964 ) نهاية المرحلة الأولى من إيصال المياه إلى النقب .
رد الرئيس المصري الأسبق الراحل جمال عبد الناصر بالدعوة إلى مؤتمر قمة في القاهرة , واتخذ قراراً بتشكيل هيئة سميت " هيئة استغلال مياه نهر الأردن وروافده " تتولى مهمة وضع التصاميم والإشراف على تنفيذ سلسلة من العمليات الهندسية في لبنان وسورية والأردن . ولكن حرب حزيران عام ( 1967 ) قضت على كل المنشآت التي كانت قائمة لتحويل روافد نهر الأردن , واحتل الإسرائيليون الضفة الغربية والجولان وسيناء , وأطلقوا أيديهم في طبرية , وحوض نهر الأردن الأعلى بكامله . يقول " إيغال آلون " Yigal Alon نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي , ومنظر حزب العمل " إن لهضبة الجولان ولمنحدر جبل الشيخ , أهمية حيوية لا من أجل الدفاع عن مستوطنات وادي الحولة ضد الرمايات السورية , فحسب , وإنما أيضاً لحاجات إسرائيل الإستراتيجية الشاملة في الإشراف على الجولان , فهذا الأمر يتعلق بالدفاع عن الموارد الأساسية لمياهنا , وبالدفاع عن الجليل الأعلى والأسفل , وبالدفاع عن الأردن الأعلى والأوسط ".
في عام ( 1975 ) أعدت هيئة المياه الإسرائيلية تقريراً جاء فيه " أن الحل الوحيد لمشكلة المياه في إسرائيل هو الوصول إلى مياه النيل , حتى ولو حصلت إسرائيل على جزء من مياه نهر الأردن ومياه نهر الليطاني "
وفي خبر أذاعه الراديو الإسرائيلي يوم 26 تموز عام ( 1979 ) جاء فيه :" أن بحيرة طبرية – المخزن الرئيسي لمياه إسرائيل – سجلت انخفاضاً خطيراً في مستواها في الأيام الأخيرة ". وقد عنى الخبر أن على إسرائيل إذا أرادت أن تستمر , أن تبحث عن مصدر جديد للمياه . وإذا لم تستطع أن تؤمنه بالسلم أو بالتراضي , عندئذ ستضطر إلى اللجوء للقوة.
بناء على تقرير هيئة المياه الإسرائيلية , قامت إسرائيل بغزو لبنان عام ( 1978 ) وسمت عملية الغزو " الليطاني " واحتل أجزاء منه , بمساعدة ما كان يسمى " جيش لبنان الجنوبي " .
نهر الليطاني
ثم غزت إسرائيل لبنان مرة ثانية عام ( 1982 ) فأصبح الليطاني تحت السيطرة الكاملة لإسرائيل , حيث أقامت عدة منشآت لتحويل الليطاني , والسيطرة على مياه الوزاني والحاصباني . لقد أجرى المهندسون الإسرائيليون عدة مسارات للتحويل , تتكون من مجموعة من القنوات , وقنوات الجر , والسيفونات والأنفاق التي ستحمل مياه نهر الليطاني من جنوب لبنان إلى بيت ناتوفا – بحيرة اصطناعية قريبة من بحيرة طبرية – حيث تفرغ هناك في خط المياه الذي يمتد إلى النقب .

وعلى الرغم من انسحاب إسرائيل من الجنوب اللبناني – مع بقاء مزارع شبعا وتلال كفر شوبا- فإن مياه الليطاني والوزاني والحاصباني , كلها تبقى ضمن الأطماع الإسرائيلية المعلنة مراراً وتكراراً , والانكفاء الحاصل ما هو إلا ترصد إلى حين المباشرة بالمفاوضات لإثارة تقاسم حصص المياه من جديد .
يقول " إريك أورسينا " Eric Orsenna مؤلف كتاب مستقبل المياه " إن إسرائيل هي أكثر دول العالم براعة في إدارة المياه , فهي طورت أنظمة تقلِص تبديد المياه , ويسعى باحثو جامعة النقب في تحويل الصحراء إلى مساحة خضراء . ولكن إسرائيل سرقت مياه دول الجوار , وقطعت مياه طبرية عن الأردن . ففي الماضي , كانت المياه تفيض عن حاجة الأردن , وهي اليوم شحيحة ".
إن وضع أنهار هذه المنطقة وجريانها في مجار مشتركة , جعلها عرضة للخلافات والتعدي على حقوق معروفة ومنصوص عليها في القانون الدولي . وبما أن إسرائيل أقامت كيانها من منطلق الاغتصاب , وتجميع أكبر عدد من اليهود في بقعة من الأرض محدودة في المساحة والموارد , فإنها ستلجأ إلى متابعة حالات السرقة بين الحين والآخر , وذلك كي تستجيب إلى الحاجات المتزايدة لمستوطنيها وأرضها. وحتى الآن مازالت إسرائيل تلجأ إلى كل أساليب الخداع والمراوغة , لسرقة المزيد من المياه , من الأراضي السورية المحتلة , ولبنان , والضفة الغربية , وتجعل أسس مفاوضات السلام قائمة على الأطماع المستقبلية للموارد المائية في المنطقة , وخاصة مع تفاقم حالة الشح , التي تنذر الأمم المتحدة , بأنها سوف تزداد خلال الأعوام الخمسة عشر المقبلة. وقد تنبه المفاوضون السوريون في محادثات كامب دايفيد عام ( 1999 ) إلى ذلك , بعد أن عرض رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق " إيهود باراك " Ehud.Barak الانسحاب من كامل الجولان المحتل , مع بقاء الشريط الشاطئي لبحيرة طبرية بيد الإسرائيليين , ورفض السوريون هذا العرض , وفشلت المفاوضات . واعتقد أن أية مفاوضات سلام مستقبلية لن تنجح مع بقاء هذا العرض , اللهم إذا كان هناك مفاوضات سلام مع حكومة نتنياهو المتطرفة .


المراجع
1- كتاب " المشكلة المائية في إسرائيل وانعكاساتها على الصراع العربي الإسرائيلي " صبحي كحالة .
2- كتاب " إسرائيل والمياه العربية " عفيف البزري
3- Eric Orsenna ( Le Nouvel Observateur ) 13/11/2008
4- www.jawlan.org
5- http://upload.wikimedia.org
6- http://en.wikipedia.org/wiki/Jordan_...ied_Water_Plan


----------------------- منقول ----------------------