مسلمون.. ولا بواكي لهم! .. د / عصام العريان
13/07/2009
*د / عصام العريان
ما أثار مقتل الشهيدة د. مروة الشربيني ثائرة المصريين ضد العنصرية النازية الجديدة الصاعدة بقوة في ألمانيا، والتي تنتشر بقوة في أوربا؛ إلا أنه يلفت الانتباه عدة نقاط:
- فقد تأخَّر رد الفعل الرسمي الحكومي في مصر وألمانيا على السواء، وإن تأخَّر أكثر في ألمانيا ضد الحادث، وجاء تحت ضغط ردِّ الفعل الشعبي القوي، وجاء كي لا تتدهور العلاقات المصرية- الألمانية، وهذا في جانب منه مقبول؛ إلا أنه يستلزم وجود مقابل ألماني رسمي للحفاظ على هيبة الحكومة المصرية؛ حيث جاء الحادث الأليم باغتيال د. مروة بـ18 طعنة قاتلة ضد إنسانة بريئة في ساحة محكمة من المفروض أن تتمتع بالحماية الأمنية، وعلى زوجها البريء من جندي مكلَّف بالحراسة، ولو كان دون قصد عمدي؛ إلا أنه يعكس الحالة النفسية ضد الأجانب وضد العرب وضد المسلمين في اللا شعور الشرطي، وربط جميع المعلِّقين بين الجريمة وبين ارتدائها الحجاب الإسلامي البسيط.

وترجع تلك العدائية إلى حالة "الإسلاموفوبيا" التي خلقها الإعلام الغربي والسياسات الرسمية التي يتبنَّاها رؤساء مثل ساركوزي وبوش الابن، وتترجمها القوانين وقرارات تتحدَّى المشاعر الدينية لمليار وربع المليار مسلم في العالم أجمع.

- قد يكون غياب أي تعاطف رسمي أو شعبي من الكنيسة المصرية- باستثناء ما قام به نجيب جبرائيل- غيرَ مبرَّر وغير مقبول، حتى من الجمعيات التي تقيم الدنيا ولا تقعدها في الغرب بالذات عندما يتعرض أي مسيحي مصري لمشكلة في مصر.

ويقع في نفس المربع الذي لم يشارك في الغضب الشعبي جمعيات وجماعات حقوق الإنسان التي غابت عن المشهد تمامًا؛ باستثناءات قليلة لمجرد الحضور وتسجيل المواقف.

كان ردُّ الفعل للإعلام الألماني والحكومة الألمانية مخزيًا، يعكس الواقع الذي يريد البعض تجاهله، وهو واقعٌ ترجمه الكاتب والشاعر الكبير فاروق جويدة بعنوان مقاله الرائع "ولن يرضى الغرب عنا".

- أثارت القضية غضب المصريين ضد الحكومة المصرية وسياستها ضد المحجبات، والتي جعلت وزير أوقافها مهمّته الرئيسية الحرب ضد الموظفات المنتقبات، وطردهنَّ من وزارته المعنية بالشئون الإسلامية، وجعل وزراء الإعلام المتعاقبين جلّ همّهم عدم ظهور مذيعات محجبات على الشاشة المصرية الرسمية، فكيف نطالب الحكومة بموقف قويٍّ ضد الاعتداء على المحجبات بأوروبا والغرب، بينما هي تطارهم داخل مصر؟! هل يستوعب المصريون الغاضبون الدرس البليغ؟!

إن البداية في مصر وليس في الخارج.. إن احترام كرامة المصري في وطنه هي المقدمة الطبيعية لاحترامه وتكريمه خارج مصر؟! وإن احترام العرب في العالم رهن بواقعهم في بلادهم العربية، وإن الصورة الذهنية التي تتشكَّل عن الإسلام والمسلمين هي نتيجةٌ طبيعيةٌ لما يكون عليه حالهم في بلادهم الإسلامية.

- إهانات المصريين مستمرة، ولن ننسى قضية الزميلين الطبيبَيْن رءوف العربي وشوقي عبد ربه في السعودية، وقد توقَّف جلدُهما، ولكن لم يتم الإفراج عنهما رغم الوعود عالية المستوى بقرب عودتهما إلى مصر.

مسلمون آخرون، مواطنون أصليون، "الأويجور" في الصين، في تركستان الشرقية، هؤلاء الذين سقط منهم- حسب البيانات الرسمية الصينية- 184 شهيدًا في مصادمات مع القومية الصينية الغالبة "الهان" وما يقرب من 800 شهيد، حسب مصادر الأويجور المهاجرين في أوربا وأمريكا، ولم يتحرك أحد من أجلهم حتى الآن.

- الذي تحرك منفردًا هو "رجب طيب أردوغان"، ووصف ما حدث بأنه يقرب من الإبادة الجماعية، وشهدت مدن تركيا الرئيسية مظاهراتٍ صاخبةً ضد البربرية والوحشية التي صاحبت الأحداث.. هل لأن أصول هؤلاء الشهداء والضحايا تركية، أم لأن تركيا في ظل حكم "العدالة والتنمية" باتت هي المتصدِّرة للمشهد الإسلامي الرسمي!!

أين رد الفعل العربي؟
لماذا لم نسمع صوتًا عاليًا مدويًّا من مصر الرسمية أو حتى الشعبية؟

هل باتت المصالح الاقتصادية الضيِّقة أو الانتماء العِرقي أو الانتماء المذهبي هو الذي يحرِّك المشاعر الإنسانية والإسلامية؟

أين أخوَّة الإسلام التي تجمع المسلمين في العالم أجمع؟

لماذا لم يرتفع صوت ساخط أيضًا في طهران أو الخرطوم التي تربطها مصالح عديدة مع الصين، وتملك أدوات ضغط لمنع المذابح التي قد تتصاعد في ظل غياب رد فعل إسلامي قوي؟!

منذ عقدين من السنين وعندما انفرط عقد يوغسلافيا السابقة كان تعاطف العالم الإسلامي مع مسلمي البوسنة والهرسك قويًّا جدًّا، وامتد من تركيا إلى إندونيسيا إلى السعودية إلى مصر إلى الشمال الإفريقي، فما الذي حدث حتى يتراجع رد الفعل الإسلامي الشعبي إلى هذه الدرجة المتأخرة جدًّا؟!

لقد أصدرت منظمة المؤتمر الإسلامي بيانًا خجولاً يدين المذابح "بشينغ يانغ"، واكتفت بذلك البيان، ولم تدعُ إلى أي إجراءات عملية لمواجهة المأساة التي يتعرض لها ملايين المسلمين الأويجور في شمال غرب الصين، والذين يتعرَّض وطنهم لحملة منظمة لتوطين قوميات أخرى مثل الهان به، ويحتوي على ثروات طبيعية هائلة من الموارد الطبيعية.

أكبر الأقليات في العالم هي الأقليات الإسلامية في الصين والهند وروسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية والجنوبية، وهي أقليات متروكة لمصيرها دون حماية دولية أو حماية إسلامية رسمية.

هم مسلمون.. ولا بواكي لهم!.. يتعرضون للتمييز ضدهم وللإهانات المستمرة، ولمحاولات الإقصاء من الحياة العامة، ولمحاولات الإدماج القسري رغمًا عنهم؛ مقابل التخلي عن ثوابت دينهم، ومع كل ذلك، وإضافةً إلى تحوِّلهم إلى لاجئين في بلادهم أحيانًا، ومع تشكيلهم أكبر نسبة من اللاجئين في العالم فلا حماية لهم.. ولا منظمات دولية تتبنَّى قضاياهم، ولا دول إسلامية تبسط رعايتها عليهم..
لهم الله.. لهم الله.. لهم الله..
نعم.. لهم الله بعد كل هذا التضييق حتى على العمل الإغاثي الإنساني الإسلامي لمساعدة اللاجئين ومصادرة ملايين الدولارات في أمريكا ومصر وغيرها التي يتبرع بها الأفراد، ولمساعدة هؤلاء المساكين.

نعم.. لهم الله بعد مطاردة المؤسسات والجمعيات التي تُعنى بشئونهم في أوروبا وأمريكا ومصر والعالم العربي؛ بحجة وذريعة ساقطة، مثل الإرهاب والعنف وتبييض الأموال وغسيلها.

نعم.. لهم الله قبل ذلك، وبعد ذلك، فهو حسبنا وحسبهم، ونعم الوكيل .