مقالة جميلة متوازنة.

سنواتٌ عجاف مرَّت بالعالم الإسلامي المعاصر، بل طالت العالمَ كلَّه، ابتدأت بضرب أبراج التجارة في أمريكا في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م، وانتهت بانهيار مالي عالمي مروّع 2009م، وبين الانهيارين مصائب ورزايا وانهيارات أخرى وأحداث ومآسٍ، رسمت بمجملها ما يمكن أن يُصطلح عليه بالحقبة (البائدة البائسة) (حقبة الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش).


وإذا ما اعتبرنا هذه الحقبة ضمن فترات الضعف والانحطاط والقهر والإذلال، فهل نعد ما بعدها مرحلةً للقوة والعزة والإنطلاق والنصر؟
لا سيما وقد تزامن مع رحيل هذه الفترة البائسة استقبال انتصار غزة وهزيمة اليهود في فلسطين.
إن من فقه التاريخ أن نسجل أبرز معالم الفترة البائدة، ونستشرف أبرز ملامح الفترة القادمة..
وإذا كان الشرُّ لا يخلو من خير، والعُسرُ لا يمنع اليسر، فبإمكان المتأمل المنصف أن يسجل – في معالم الحقبة الماضية البائسة – نقاطاً مظلمة سلبية، وأُخرى نقاطَ ضوءٍ إيجابية ونستشرف المستقبل.. فإلى معالم تلك المرحلة بسلبياتها وإيجابياتها.


أولاً: أبرز المعالم السلبية:
1. الحرب على الإرهاب:
تلك دعوى أطلقت لتكون شعاراً لهذه المرحلة، وإن شئت فقل مسوغاً للأعمال الإرهابية التي ارتكبت، وإلا فأين الإرهاب الدولي المنظم من إرهاب أشخاصٍ أو منظمات (مزعومة)؟ كان الشعار الوهمي (الحرب على الإرهاب) يعني باختصار الحرب على الإسلام ومؤسساته، وكان المتضرر الأكبر – إن لم يكن الأوحد – هم المسلمين وفي سبيل (تسويق) هذه الحرب، احتل الجيش الأمريكي (أفغانستان، ثم أقام عنه – من عملائه – من ينوب عنه، ولا يزال شعبُ الأفغان يئن تحت وطأة المستعمر، ولا تزال نسبة كبرى من شعب الأفغان يعيشون في كهوف الجبال، ولا تسأل عن حجم الفساد وتغيير الهوية في أرض الأفغان بمؤامرة المستعمرين وأذنابهم؟
ثم تجاوز (المحتل) إلى (أرض الرافدين) وعلى مرأى العالم ومسمعه يُستعمر العراق، وبحجج أوهى من خيط العنكبوت، انكشفت بَعْدُ الحقيقة – لمن غُرر بهم من شعوب الغرب، وإلا فغيرهم يعرف الحقيقة من قبل.. ولا يزال العراق نهباً للصراعات المذهبية، وميداناً للتصفيات العرقية، ومسرحاً للتدخل الأجنبي، غُيِّرت هويتُه، واعتدى المستعمرون وأتباعهم على أنظمته وقوانينه، وعاد العراقُ شيئاً آخر، لم تكن (الديمقراطية) المزعومة أول الضحايا، في العراق، ولم تك جرائمُ قتلِ الأطفال، وهتكِ أعراض النساء – إلا جزءاً من نتائج الحرب المزعومة على الإرهاب.. بل عاد كلُّ شبرْ في العراق مصطبغاً بالدماء وفي كل محافظة أشلاء، لقد عصفت (الفتنة) في أرض الرافدين – وبكل ما تحمله الكلمة من دلالات وثمة مخططات نُفذت، وأخرى تنتظر التنفيذ، - أخطارٌ داخلية، وأخرى خارجية يُراد لها أن تكون وتنطلق من أرض العراق.. وهذه وتلك المحصلة النهائية للحرب (المزعومة على الإرهاب).
وتجاوزت أهدافُ الحرب على الإرهاب (الأفغان والعراق) لتصل إلى (إندونيسيا) وفي (تيمور الشرقية) خبرٌ وشاهد، وإلى (السودان) وفي محاصرته، وإشعال الفتن في الجنوب (ودعم (قرنق) الهالك) ثم في الغرب (أحداث دارفور) واحتلاله بالمنظمات والهيئات التنصيرية (الغربية) إلى أن وصل الأمر إلى طلب محاكمة رئيس السودان؟
ولم تكن دول أفريقيا الأخرى بمعزل عن هذه الحرب المزعومة – وفي الصومال (شاهد ومشهود).


2. محاصرة الخير، والهيئات الإسلامية والقطاع الخيري:
حيث مارس الغربُ – ودون مواربة – محاصرة الهيئات والمؤسسات الخيرية الإسلامية، وضيقت مناشطها – وأقفل عددٌ منها – وصُنف البعض منها في قائمة الإرهاب، وما لم يُصنف أُرهب أو ارتهب – أغلقت أصول أو فروع لهذه المؤسسات وكان الجورُ واضحاً على الفقراء الذين ينتظرون الغذاءَ أو الكساء، وعلى المرضى الذين كانوا بأشد الحاجة للدواء، ناهيك عن دور العلم ومحاضن التربية التي سُرِّح معلموها، وفقد الدعمَ المربون فيها، فعادت أطلالاً، وعاد منسوبوها إلى حيث كانوا في الجهل والأمية والضياع والانحراف.. لقد كانت حملةً ظالمة ليس فيها من معاني (الإنسانية، والرحمة، والحرية، والمساواة) نصيب.. وكذلك يُصنع الإرهابُ تحت مسمى محاربة الإرهاب؟


3. الاتهام والتضييق على المقاومة المشروعة:
وحيث طال الإرهابُ الجناحَ السلمي الخيري فمن باب أولى أن تطال الحربُ الظالمةُ عناصر المقاومة المشروعة التي اُعتدي على أرضها، وظُلمت شعوبُها فمنظمةُ (حماس) ومثيلاتها من الفصائل الجهادية المقاومة في (فلسطين) تُصنف ضمن (الإرهاب) وفي الوقت الذي يُدعم فيه الكيانُ الصهيوني بأنواع الأسلحة الحديثة والمتطورة ويعتبره الغرب النموذج (المتحضر) في الشرق الأوسط.. يُكال ببخس لمن يقاوم عدوانها ولا يكتفى بالتضييق عليه في السلاح والغذاء والدواء.. بل ويصنف في خانة (الإرهاب)، و(طالبان) التي اعتدي على نظامها واستعمرت أرضها مصنفة في قائمة (الإرهاب) وقل ما شئت عن غيرهما.


4. التلاعب بالمصطلحات وتغيير القيم:
فتلك كانت جناية كبرى، لا سيما إذا وصلت ثوابتَ الأمة واعتدت على قيمتها المعرفية.. فقد بات (الجهاد) المشروع إرهاباً وعاد مصطلح (الولاء والبراء) الشرعي تطرفاً وأصولية، وانقلب (العدل) إلى ظلم و(الحرية والمساواة) إلى نهب للمقدرات، وعادت (الديمقراطية) عدواناً على الشعوب المسلمة وما لم يصله المستعمر بشكل صريح، وكَلَ به (المرجفين) من أذنابه، فكانت الدعوةُ صريحةً إلى (العبث بالمناهج) – والعبثُ والتضليل شيء والإصلاح والتطوير شيءٌ آخر – وكانت الحربُ شعواءَ على المؤسسات الإسلامية (كالهيئات، وجماعات تحفيظ القرآن) وما من نشاط إسلامي إلا وطاله من التهم والإرجاف نصيب، سُخر من الدين، ولُمز المطوعون من المؤمنين، ولم يُستثن من ذلك كبارُ العلماء، فضلاً عن الدعاة وطلاب العلم، ورجالات الهيئات.
وكانت الفترة – البائسة البائدة – مناخاً تنفس فيه المغرضون وتحدثت (الرويبضة)؟


5. وما سلم الكبار ولا عُظِّم مقامُ النبوة – في ظل هذه المرحلة البائدة –
فمحمدٌ صلى الله عليه وسلم خاتمُ المرسلين والرحمةُ للعالمين، تَطَاله هذه الحربُ الظالمة فتسخرُ من شخصه، وتحاول التقليل من شريعته، وتصفه بأبشع وصف يتنزه عنه من هو أقل منه، وكانت حملةُ الدنمارك وسُخريتُها فتيلاً أشعل الجذوة وفتح الباب لصحف ودول أخرى للسخرية – فلم تكن الحملةُ جهوداً فردية، أو محض غلطة عابرة.. بل كانت منظمة وضمن (مشاريع) المرحلة البائسة.
وكان الإسلامُ محلاً للتهمة بـ(الفاشية) وجرى على ألسنة القادة المشؤومين مصطلح (الحرب الصليبية) وعادت ذاكرة العالم كلُّه إلى حروب (الصليبيين) و(التتر) وكان هذا وذاك جزءاً من المكر الكبار، ومحاربة الإسلام ورسول الإسلام؟


6. وأصاب معظمَ الناس في تلك المرحلة حالةٌ من الضعف والوهن:
وكان (مرض) الإرهاب شبحاً مخيفاً، حتى لو تنفس متنفس – بما لا يرضي الغرب – قيل هذا إرهاب، ولو حركت الرياحُ باباً للخير قيل هذه رياح إرهابية؟! وشاع مصطلح الإرهاب – وحسب وصفة الغرب – على كل لسان – إلا من رحم ربك – وتوسع مفهومُ الإرهاب حتى شمِل كل شيء، وعُقدت مؤتمرات وملتقيات لا يسع المنصف إلا أن يستثني بعضها لتحرير مصطلح الإرهاب، والتفريق بين تدمير البُنى، وإزهاق الأرواح بغير حق.. وبين التهم الباطلة بالإرهاب للإسلام وأهله ورجالاته، ولكن الدعاة الغربيين وأبواقهم لم يشاءوا التفريق بين ما هو إرهاب أو إصلاح، بل تعمدوا خلط الأوراق واستخدام (سيف) الإرهاب على كل نشاطٍ إسلامي متميز؟


7. ومن أبرز معالم تلك الفترة نجومُ النفاق وكثرةُ المرجفين في المدينة:
فالمناخُ يساعدهم، والأجواء تخدمهم، وركضوا وائتمروا باستثمار هذه الفرصة ففتحوا (ملف المرأة) وطرحوا أوراقاً ورؤى لتغريبها، واعتبروا (الفضيلة) مؤشراً للإرهاب، و(الحجاب) عنواناً للأصولية والتطرف، وكان الطرح فجاً في (الاختلاط) و(السفور)، وكان الاعتداء واضحاً على (قوامة الرجل) والدعوة بإلحاح لـ(قيادة المرأة للسيارة) لخدمة المآرب وتسويق التغريب واختلط هنا الحق بالباطل، والأحكام الفقهية، بالمشاريع العلمانية، وليس على الناس ما يعلمون، وحاول المرجفون (هزّ القناعات) الشرعية، واعتبارها (عوائد اجتماعية) لا أكثر؟
كما فتح ملف (الإعلام) على مصراعيه لكل طرح مستغرب، وتجاوز الإعلامُ السياسات المرسومة والخطوط الحمراء – وكانت الممارسة (الأحادية) ظاهرة، فمن لا يسير في (الفلك) (العلماني) أو (الليبرالي) تُحضر عليه المشاركة أو تقيد؟ وباختصار فقد كثر المنافقون في هذه المرحلة، وكثرت مشاريعهم وطروحاتهم التغريبية.


8. ونشطت (الليبرالية) والليبراليون
وبرز عدد من أصحاب التاريخ يلتمسون في (الليبرالية) مدخلاً لحسن السيرة والسلوك، وكأن لم يكن من موارد الكتابة إلا (مواطن الخلاف) وسلوكيات (التسامح) المصحوبة بالانهزامية – يكتب فيه هؤلاء – علماً بأن الأمة كانت تمتشط بدماء، وتعاني من نكباتٍ واستعمار تحتاج إلى بيان وجلاء.. وكانت الانهزامية ظاهرة في (الفكر) و(السلوك) وانبعثت (عقلانية) المعتزلة، وقويت شوكة الرافضة، وسار قطار التشيع والمذهبية في العالم بشكل أخاف العلماء وأذهل العقلاء، وشاع الفكر (المستنير) وأصبحت هذه وتلك من شعارات هذه المرحلة، فعادت (الوسطية) مصطلحاً متذبذباً بين (الغُلاة) و(الجفاة) ولم يَعُد ثمة (محكمات) في الدين – عند البعض – يمكن الوقوف عندها، بل عاد كل شيء للنقاش، وأصبح الكاتب (المبجل) عالماً بالشريعة، والتاريخ قادراً على الحكم والتصنيف – وإن كان أبعدَ ما يكون عن العلم الشرعي، ولا يمتلك من أدوات العدل والعلم ما يُصنف به نفسه وأنى له أن يُصنف الآخرين؟
9. وللعدل والإنصاف فقد أفرزت هذه المرحلة توجهاتٍ فكريةً منحرفة:
اختلطت فيها مفاهيم (التكفير والتبديع والتفسيق) وظهرت اجتهادات خاطئة في مفاهيم (الجهاد) وتحقيق (الولاء والبراء) نالت (أنفساً معصومة) وطالت (مؤسسات وبُنى) هي من المكتسبات فأُهدرت، أو كانت سبباً في (التضييق) عليها، كان (الغلو) سمةً من سمات هذه المرحلة، ربما نجد ما (يُفسره) لكن لا نجد ما (يبرره)، وبرزت مجموعات (جهادية) ترى العبث بأرض المسلمين نوعاً من (الجهاد في سبيل الله) وتعد (العلماء أو الدعاة) الذين لا يوافقونهم في الرأي (علماء سلطة) أو (دعاة ضلال) وكان هذا مدعاة لتفريق الصف الواحد، وتسلل (المنافقين)، بل كانت هذه (المفاهيم الغالية) و(التصرفات الخاطئة) صيداً ثميناً لأهل الأهواء والنزعات الفكرية المنحرفة – فزادت الطين بلة، والمصيبة أخرى!!


10. وكان من سمات هذه المرحلة بل ومن آخر مخرجاتها النكساتُ الاقتصادية:
المروعة على مستوى العالم، والخسائر المالية – على مستوى العالم، والخسائر المالية – على مستوى الأفراد والدول والمؤسسات – وشاء ربُّك أن يشترك أرباب المال مع رجالات الفكر والعلم في كره هذه المرحلة,وصبِّ (اللعنات) على أصحابها, وكانت هذه النكسة الاقتصادية عنواناً ودليلاً على فشل القادة المخططين, حيث ذهب (الزبد) وبرز (النكد) وحاقت الخسائر وتشاءم الناس كلهم, وَعَّبر (الحذاء) عن السخط العارم, ويُرمى به أكبر رئيس دولة في العالم, فإذا أخطأه الحذاء وقع على (علم) الدولة.. ليكون التعبير أعمق والاستخفاف بالدولة لا بمجرد القائد الفاشل؟ والسقوط للنظام لا لمجرد الأشخاص؟
11. وشاء ربك -كذلك- أن تختم هذه المرحلة البائدة البئيسة بحصار (غزة) وجرائم الحرب في فلسطين تلك التي انبرى المحامون وأهل القانون لمطابق مجرمي الحرب فيها وحيث نفذت هذه المؤامرة الوحشية التي قتل فيها أعداد من النساء والأطفال والشيوخ وهدمَت المساجد والمدارس والمستشفيات بأيدي اليهود فخلف الستار مجرمون آخرون يمدون بالسلاح ويرفضون في هيئاتهم ومنظماتهم العالمية مجرد التنديد والاستنكار ولم يكن زعماء هذه المرحلة البائدة بمعزل عن هذه المآسي بل كانت آخر فصل من فصول نكدهم, ليشهد العالم كله على حجم الجريمة, وليسجل التاريخ هذه المآسي في رصيد تاريخهم وفي زمن ولايتهم ( ومن يهن الله فما له من مكرم).


ثانياً :أبرز المعالم الإيجابية:
ليس ثمة شرُّ محض, ومن رحم المحن تولد المنح, ولو دخل (العسر) جُحر ضب لتبعه (اليسر) فأخرجه ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم )
وفي وسط هذا الظلم والظلام بقي نورٌ يضيء, وانبعثت همم وإرادات, ونشطت عزائم وبرزت تحديات تواجه الباطل وتوهن كيد المبطلين .. ويمكن للمتابع أن يرصد جملة من الإيجابيات التي كانت تسير باتجاه معاكس للسلبيات, ومن أبرز هذه الإيجابيات:
1. تمحيص الصفوف وتمييز الخبيث من الطيب .. فالأزمات دائماً محل للابتلاء والاصطفاء وقد كشفت هذه النوازل عن مؤمنين صادقين في ولائهم لله ولرسوله وللمؤمنين, ولم تهزهم الضربات الموجعة ولم يؤثر فيهم (النعيق) و (الإرجاف) بل قال قائلهم ( هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً) وثبتوا على (العهد) واستمسكوا بـ(الحق) زادهم الله هدى وثباتاً كما كشفت عن أهل النفاق والعلمنة ودعاة التغريب والراقصين على جراح الأمة وارتفعت أصوات هؤلاء وكثر وفجّ طرحهم, وثمة فئة ثالثة أصابها من الضعف والانهزامية نصيب – وإن بقي معهم رصيد من الخير – حجبهم عن مزيدٍ من التردي في مستنقع (الإرجاف والنفاق) لكن هول الصدق, وشدة الهجمة جعلتهم (يتراجعون) ويبحثون عن (مخارج)و(تعليلات) قد يخالفها الصواب حيناً, لكن جانبها (الحق) في أحيان كثيرة ..وهذه المظاهر المنهزمة إنما هي استجابة للظروف النازلة ..ولم تكن في غالبها اجتهادات مجردة؟


2. وكشفت الحرب الظالمة عن قيم الغرب ومخرجات حضارته، في زمن فُتِن الناس بمسميات بقيم (الحرية) وألقاب و(العدل)(المساواة)(وشعار الديمقراطية) ونحوها من مصطلحات فُرغت في الوحل بفعل الغرب أنفسهم, وشاهد الناس كلهم ألواناً من الظلم مسحت كل صورة غربية للعدل, وألواناً من التعدي والقسر .. ألغت كل دعوى عن الحرية والديمقراطية .. وباتت قيم الغرب مكشوفة في العراء, بل ذهبت إلى مزبلة التاريخ - غير مأسوف عليها - ولئن بقي منها ما يمارس في ديار الغرب..فالحديث عن ممارستها في بلاد المسلمين حيث تختل الموازين ويُكال بمكيالين ..وتلك سمة الأنظمة والقوانين التي لا تسترشد بوحي السماء, ولا تقوم على (أصول)تضبط مسارها,وتعدل في تطبيقاتها .


3. كما شجعت هذه الحروب - المختلفة الميادين - العسكرية, والفكرية والاقتصادية.. على المقاومة لدى الشعوب المسلمة, وخلق أجواء التحدي بالقدر المستطاع, فالفكر يقاوم بفكر آخر, والهيمنة ترفض – ولو عبر الكلمة – المتاحة, والمقاومة المسلحة المشروعة باتت تَعِدُّ نفسها وتتنادى لتحرير أراضيها المستعمرة ورغم قوة سلاح العدو.. فقد صمد المقاومون - ولا تزال أرض الأفغان تشهد مقاومة عز على العدو وأتباعه أن يتخلص منها فضلاً أن ينتصر عليها .. وفي أرض الرافدين مقاومة أجبرت المحتل على إعلان الرحيل ..(وفي فلسطين) شهد العالم كيف قاومت (غزة) رابع قوة في العالم,وكيف تحقق (النصر) و (الهزيمة) مع فارق العدو العدد بل سارعت عدد من الدول – في الميدان الاقتصادي – لتعزيز اقتصادها, وفتح منافذ (شرقية) للاقتصاد, حتى لا يحتكر (الغرب) الاقتصاد, وهذا نوع من التحدي وأسلوب عملي لمقاومة الاحتكار الغربي, وقد أثمر حاضراً .. والمنتظر أن تكون آثاره (المستقبلية) أكثر وأعمق.


4. وكان من إيجابيات هذه المرحلة أن حسست العالم الإسلامي بقيمة (الوحدة) و (آثار الفرقة) فارتفعت (أصوات) تنادي بالوحدة والاجتماع, وتجميع الطاقات, والالتفات للعدو المشترك - وأصوات أخرى تنادي بردم هوَّة الخلاف وإرجاء بعضها, فالأمة تُرمي عن قوس واحدة، والعدو لايفرق بين (الثور الأبيض) و (الأسود)، وإذا لم تجتمع الأمة في ظل هذه الظروف الصعبة فمتى تجتمع؟ ورغم بقاء عناصر ومؤشرات للافتراق وظاهر للتشرذم والتبعية.. إلا أن هذه الصيحات(المنقذة) تعمل عملها، وتؤسس لوحدة – وإن لم تنتظم الأمة كلها – فعلى الأقل تبدأ بـ(النخب) و ( أصحاب القرار) وأولي النهى، والضمائر الحية) في الأمة والواعين بالمخططات العالمية، وأهداف ( العولمة) الغازية – وأولئك أرقام مهمة – وإن كانوا قلة – وفاعلون ومؤثرون – وإن ضيق عليهم فترة – وهؤلاء يدركون أكثر من غيرهم أن من أهم ( أولويات) المرحلة (الاجتماع) على كلمةٍ سواء، والتركيز على (فقه الائتلاف) والتداعي لمشاريع ( جماعية) بدلاً من ( الجهود الفردية) وتنشيط عمل ( المؤسسات) أكثر من نشاط (الأفراد)، وتعدد (المؤسسات المدنية) لتساهم في الإصلاح بأجواء طلِقة، والمساهمة الفاعلة في (الملتقيات) الجماعية، وتناسي حظوظ النفس، ومخاطر ( الزعامة).


5. وكانت هذه الأزمة سبباً داعياً (للمراجعة) و ( التطوير) لعدد من الأعمال والمؤسسات، القصد من ذلك (تحسين الأداء) و (اتقاء المخاطر) و (سد الثغرات) حتى لايتسلل (العدو) من أي ثغرة، فـ ( الهيكلة) و (التنظيم الإداري) الدقيق، وضبط (المدخلات والمخرجات) كل ذلك مطلب في كل حين، لكن الحاجة تدعو إليه أكثر حين يشتد (الضيق) وتكون ( المحاصرة) للخيرين، والأعمال الخيرية، وجزى الله الشدائد كل خير – إذا عرَّفت العدوَّ من الصديق وخلقت أجواءً من (التجديد) و ( التصحيح) فالمراجعة مطلب، وتطويل (أمد) العمل الخيري و (توسيع ) مجالاته، و (زيادة) أعداد المستفيدين منه.. كل ذلك أمارة للصحة وعلامة للجودة والمتأمل في واقع العمل الإسلامي، يلاحظ إنه برغم ما أصابه من (تشويه وحصار) إلا أنه التفت إلى (التأصيل) والتجديد، ورسم (الاستراتيجيات ) (واستشراف المستقبل) بشكل أكثر.
6. وكانت هذه الأزمة سبباً كذلك في مزيد دعم العمل الخيري بالمال إضافة إلى الإدارة، ففي القوت الذي ضُيق على أصحاب المال في الدعم والمساندة – شاء ربك أن يكون الدعم أكثر وبشكل أوسع وأعمق، فالاتجاه للأوقاف الخيرية المستديمة عزّ سوقه في هذه الأزمنة، وكان بديلاً أو مسانداً للدعم المادي المقطوع، وحيث شعر أهل الدثور بالتضييق عليهم ذهبوا يبحثون عن فرص ومخارج يدعمون فيها الخير، وينشطون العمل الدعوي، ووجدوا في عدد من المؤسسات الرسمية والخيرية مجالاً خصباً وآمناً للدعم، كما كان التوجه لدعم المناشط الإعلامية والعلمية معلماً بارزاً في هذه المرحلة ( ويمكرون ويمكر الله ).


7. ومن المظاهر الإيجابية – في هذه المرحلة – الاتجاه نحو المناشط الإعلامية، لفك الحصار من جانب، ولإيجاد قنوات أكثر فاعلية للدعوة والتعليم من جانب آخر، وبدأت تتكاثر المواقع الإلكترونية ( الإسلامية) ثم كانت ( القفزة) بوجود قنوات فضائية (إسلامية) تطرح، وتحلل، وتعمق الوعي، وتكشف (الزيف) و (الزبد) وكانت ( متنفساً) لأهل الخير في طروحاتهم، حين ضاقت بهم وسائل الإعلام، وحُجبت آراؤهم عن النشر؟ ولاشك أن (الإعلام) وسيلة فاعلة، وأسلوب للدعوة، وميدان لتسويق الرؤى والأفكار.


8. ومع شدة الهجمة على الإسلام والسخرية بخاتم المرسلين، كان قدر الله أبلغ وإرادته أعظم لتوسيع رقعة الإسلام والتعريف به وبنبيه – صلى الله عليه وسلم – من لم يكن يعرفهما من قبل، فقد بات كثيرٌ من غير المسلمين يقرأ عن الإسلام (المُتهم) وعن النبي المستهزأ به، ولاشك أن ذلك أورث (إسلام) البعض أو على الأقل (التشكك) بهذه التهم، ورفض هذه السخريات ( وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسود) لقد شهدت الإحصائيات على كثرة طلب (المصاحف) المترجمة وكانت القراءة عن (الإسلام) بشكل عام تحتل مكان كبيراً – إن لم نقل – مركز الصدارة.


9. وأورثت (الهجمة) الشرسة كذلك، ردود أفعال على مستوى (الدول) و (الأنظمة) فعادت أنظمة تتشبث بالعلمانية تتأمل في مسيرتها وتراجع مخرجاتها، وعادت دول ذات ارتباط وثيق بالغرب وإسرائيل ولكنها في الوقت نفسه ذات (أصول إسلامية) تعيد صفحات التاريخ الماضي وكانت (تركيا) نموذجاً بارزاً في المنطقة. باتت تتخفف من تاريخ العلمنة ( والتغريب) وإن ظلت تردد (التشبث به) وتعود إلى تاريخه الإسلامي، ومعطياتها في العالم الإسلامي – وجاءت أزمة (غزة) آخر مشهد تظهر فيها (تركيا) ويظهر فيه (الأتراك) بوجه آخر، وبدعم يفوق (الأقربين) وبحنين واضح للإسلام، وبنصرة ( متميزة) للمسلمين المظلومين في فلسطين، وعلاقاتهم باليهود؟.


10. ومن إيجابيات هذه المرحلة (وعي المرأة) وهي التي كانت هدفاً كبيراً للغزو والتغريب من قبل (الأعداء وأدلاء الطريق) لقد عاد (الحجاب) كظاهرة في العالم كله – ولم تكن دول الغرب – بمعزل عن هذه الظاهرة، وبقطع النظر عن أساليبهم في محاربته، فقد فرض الحجاب نفسه، وأعلنت المرأة المسلمة عزتها به.
(والحجاب) ليس مظهراً لإسلام المرأة فقط، بل ولوعيها، وشعورها بخطر الهجمة، والمشاركة في مقاومة العدوان، وفي ظل هذه الفترة تكاثرت المناشط ( النسوية) الإسلامية وتعددت مجالات نشاط المرأة في الدعوة للخير، وكان اللائي يحملن (اللواء) (أكاديميات) و (داعيات) و (مربيات) و (إعلاميات)، وحيث وجدت مؤسسات للمرأة (كالدور والمدارس النسائية) فقد وجدت كذلك (جمعيات ومؤسسات نسائية متميزة) والمأمول أن تزيد هذه المؤسسات والبرامج. لتكون البديل المناسب للمرأة المسلمة، ولتقاوم التغريب وإفساد البيوت والمجتمعات.


11. وكان (الوعي) بشكل عام مؤشراً إيجابياً لهذه المرحلة، فالحربُ المكشوفة على الإسلامية وأهله ومؤسساته رفعت مستوى الوعي، وكشفت (العدو) على حقيقته ولم يكن الوعي قاصراً على مؤسسات (الغرب) ورجالاته، بل شمل الوعي بمؤسسات (ضرار) كانت ترتدي لبوس (الإصلاح) وبأشخاص أو هيئات كانت تتدثر بـ (النصح) أو (التحرير) أو (الإصلاح) وصدق فيهم قوله تعالى( وإذا قيل لهم لاتفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون).
وزاد مؤشر الوعي بحقائق القرآن في (الولاء) و (البراء) و (الأخوة) و (العداوة) و(المكر) و (التضليل) و (الإنفاق) و (الإرجاف) ، (والنصر) و (الهزيمة) و (عوامل القوة) و (أسباب الضعف) إلى غير ذلك من مصطلحات ومعالم قرآنية جاء الواقع ليؤكدها في الحاضر، كما تأكدت في الماضي.
وبعد فهذه إلماحات عجلى لإبراز جوانب من سلبيات وإيجابيات المرحلة البائدة ولكن المهم (استشراف المستقبل) وذلك برصد هذه السلبيات وأمثالها وعدم الوقوع في فخها والحذر من آثارها ومنع انتشارها، والحفاظ على (المكتسبات) وزيادة (الإيجابيات) للانطلاق منها والاتكاء عليها لصناعة المستقبل.
وثمة عناصر وإيجابيات، وثمة هِنات ومخاطر للمستقبل، لابد من استشرافها وزيادة التفكير فيها، لصياغة مشاريع مستقبلية تأخذ بُعد (الاستراتيجيات) وتنتظم في (مؤسسات) و (مجموعات) تنأى بها عن ( الاجتهادات الفردية) وتسلك بها (صفة التعاون) على البر والتقوى، وتأخذ طريقها الآمن في (النهي عن الإثم والعدوان، والفحشاء المنكر).
لابد من وضع (آليات) لصياغة مشاريع مستقبلة، ولابد من (ورش عمل) يشارك بها (الهيئات والمؤسسات والجمعيات) تقترح وتجدد، ولا تكرر، ولا تُحبط، تعتمد (التخطيط) السليم، وترتكز على (الفأل) وتستفيد من حركة (التاريخ) في الماضي والحاضر.
لابد من قدح (الزناد) ولابد من الشعور ( بمرحلة جديدة) ، ولابد من عصف العقول واستحضار بم يفكر الآخرون؟ ولابد مع هذا وقبله من (اليقين) بأن العاقبة (للتقوى) و(المستقبل) للإسلام وأهله ذلك وعدٌ غير مكذوب، ولو كره الكافرون والمنافقون، لكن بعد صحة النوايا، واستفراغ الجهد، واستكمال أسباب النصر.
[إن الله لايغير مابقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) [ولينصرن الله من ينصره].





المصدر:


http://almoslim.net/node/107125