ما أنا لازم أعمل كده

أعتقد أنها مجرد جملة .... قد تمر على الكثير ... ولكنها في هذا الموقف كانت مختلفة ... على الأقل عندي... وذلك عندما رأيت تفاصيل نعل أحد المواطنين الذي كاد يسحق وجهي وسط الزحام عندما كان يحاول ركوب أتوبيس الهيئة ... وكأنه يوصل آخر رسالة في حياته لأمير المؤمنين من أجل الفتوحات الجديدة ... حقيقة عذرته جداً "لأن عذره معاه"
... فقد تمتم بكلمات هي بطل مقالاتي اذا قال بحزقه كاد أن يفطر منها كبده ... "وسسسسع ... مأنا لازم أعمل كده عشان أركب" ... أحسست بمجموعة أحاسيس متعاكسة ومتشاكسة ... لا أعرف كيف أصفها لكم ... لكن على العموم انتهت بشعوري بالغثيان .

على كل لم تكن الواقعة جديدة فأنا موظف "ابن يومه
" ولدت في الأتوبيسات وأعيش فيها ... هذا ليس بجديد ... ولكن مع تكرار سماعي كثيراً لجملة "ما أنا لازم أعمل كده" ... أحسست أنه لابد أن أفكر ... وجود كلمة "لازم" أي وجود ملزم ... اها .... جيد هذه ليست المرة الأولي التي أسمع فيها هذا المبرر البلوري طبعاً لأني أسمعها بمختلف الألوان "لازم أحط ميكب عشان أتجوز ... لازم أرتشي عشان أعيش ... لازم أبقي مغفل عشان تمشي" .... لن أقول أنها سلبية ... لا تقلق ... هي سلبية ناقص 60 ... أصبح العوام يستخدموها "على قدهم" والمسؤولين " على وسعهم " كلٌ في تخصصه ... "ما هو لازم أسرق ... يعني هسيب الفلوس في البلد للجراد ياكلها" وكأن هذا الجراد "ما لهوش حق يفرح شوية" ... هذه اللازم أصبح البعض يعتبرها تذكرة السلبية السريعة والآخر يعتبرها معبر النهب والسرقة والاستخفاف بعقول البعض .

لن أتكلم عن معدومي الضمير الذين يستخدمونها كجسر لأفعالهم ..... إنما للغلابة

لماذا نلزم أنفسنا بما لا نريد .... بل ونكافح ونتعلم ونسير فيه .. ونحن لا نريده ... إنها فكرة التلذذ بالمتاح مع الشعور بالانتصار والوقار والابتكار والانشطار وكل المصطلحات المنتهية بـ Ar

لماذا لا نحب ما نفعل قبل أن نلزم أنفسنا بأمور هي من ترهات عقولنا "يعني خلطبيط أفكار مش مستوية مع بعضها
" ومش لازم تعمل كده .

الفتيات اللواتي يشبهن البيلياتشو من كثر مساحيق التجميل ملأوا الشوارع بحثاً عن فارس الأحلام ... الذي أكله ذئب البطالة وخانته ساحرة الأماني وصار "عطلان بسيجارة
" على نواصي المدن ... مازال يرقع بنطاله ويصبغه مرات حتى صرخ البنطال يستغيث .. وسبب فعل هذا المتوج هو "عشان لازم أعمل كده ... دي الروشنة " ولست في صدد الحديث عن هذا المصطلح العميق الذي يحوي في جوفه مزيجاً من أجود أنواع التفاهة والرياء وبعضاً من نفايات الغرب

مفاجأة .. لا هو تزوج ولا هي وجدت هذا الشاب المزعوم ... فمازال بابا نويل قصة تروي لينام الأطفال ... فيضع الآباء لهم الألعاب ويوهموهم بذك ... من جملة الخدع والأوهام التي يلزم البعض نفسه بها

بعض الناس لا يستطيع أن يجعل واجباته الحقيقية المطالب بها "من باب لازم
" إلي الآن ... ولم يستطع أن يجعل ما قد يدخله الجنة أو النار أيضاً " من باب لازم " .. قد يدوس الإنسان على وجوه الآخرين "كما فعل أخينا المواطن المستعجل" عشان يلحق يركب أتوبيس الهنا .... ولم يبالي بصراخ المستغيثين ونداء المدهوسين سعياً في أن يلحق "بالكرسي الفاضي" ... بينما فشل آخرون وقد يكون هو منهم .. في أن يدوس على متطلباته الدنيئة أو أفكاره الشهوانية من أجل أن يعلي فكرة نبيلة أو عملاً صالحا أو مكانة طيبة لنفسه ومجتمعه .. ولم يخاطب نفسه في هذه الأوقات بـ "ما أنا لازم أعمل كده"

شكراً للمواطن المذكور .... فقد علمني الكثير

مازلت أحاول العبور في الأتوبيس للوصول إلي باب النزول ... لم أجد أمامي إلا أن .......

ما أنا لازم أعمل كده .... وإلا مش هنزل

على جنب لو سمحت