بقلم محمد سليمان


لم أكن أمتلك معرفة واسعة حول السيرة السياسية للأحباش ، وحول نشاطهم المتزايد عندما تحدّث معي صديق من ألمانيا قبل سنة مستفسرا عن عقيدة جماعة " الأحباش " ، حيث أشار إلى نشاطهم الهائل والذي أدى إلى مشاكل كبيرة بين المسلمين هناك وتركّز جزء كبير منه حول فتاواهم الفقهية ومعتقداتهم المختلفة ، ومع مرور الأيام كانت أحاديث تصل إلى سمعي حول الصراعات التي تثيرها هذه الجماعة في عدد كبير من الدول – خاصة لبنان - ، وكنت أفكر دوما في فتح ملفهم في الأردن ( من خلال الدراسات التي نقوم بها من فترة للساحة السياسية والاجتماعية ) ، إلاّ أنّ التباطؤ والتأجيل حال دون ذلك ، حتى أتى موضوع فصل أساتذة الشريعة من الجامعات الأردنية ، والذي أشار عدد ممن قابلناهم إلى دور الأحباش في الأمر ، حيث استغلوا " نفوذهم السياسي " و مرروا قرار فصل الأساتذة من خلال مجلس أمن الدولة ! ، وهنا كان لابد من اختبار هذه الفرضية ومتابعة الأمر ، ومحاولة تمييز الحقيقة من الوهم .. في أثناء البحث والدراسة الأولية تفاجئنا ! ، فأحد العلماء الذين سألناهم عن الأحباش قال : " يا محمد إحنا مش قدهم " ، بينما شيخ من رموز التيار " السلفي المحافظ " والذي سلط وقته وقلمه وجهده لبيان "انحراف" سيد قطب و"ضلاله" و "ضلال" الداعية الإسلامي عمرو خالد و الشيخ طارق سويدان ، ولم تسلم منه الحركات الإسلامية هنا وهناك ، هذا الناقد الكبير ! ، رفض الإجابة على الأسئلة فليس لديه وقت لدراسة فكرهم والرد عليهم ، كما أنه لا يملك رؤية محددة عنهم ! ، و متخصص آخر استبعد إمكانية النشر ، فقد أجريت معه مقابلات في صحف أردنية سابقا لكنها منعت من النشر ، وبين إحجام هذا وتردد ذاك وامتناع الآخر كانت مساحة السؤال عن حقيقة النفوذ السياسي تزيد .. ما قصة " السيرة السياسية " لجماعة الأحباش في الأردن ؟ ، ولماذا يتعمدون تكفير الجماعات الإسلامية وكبار العلماء والمفكرين قديما وحديثا ؟ ، ولماذا يتمتعون بعلاقات قوية مع الحكومات العربية – خاصة في لبنان و سوريا و الأردن - ؟ ، ما سر الدعم المالي الكبير الذي يتمتع به الأحباش ؟ ، ما هي المساحة الفاصلة بين الوهم المرتبط بنفوذهم السياسي والحقيقة ؟ .. وصل عبد الله الحبشي إلى لبنان في مطلع عقد الستينات ، بعد أن هاجر من الحبشة لمشاكل سياسية بسبب أفكاره انتقل إلى السعودية ثم سوريا قبل أن يستقر في لبنان ، بدأ الشيخ نشاطه هناك ومع الزمن كان عدد اتباعه يزداد بشكل كبير ، إلاّ أنّ النفوذ الواسع لهم كان مع عقد الثمانينات ، والسيطرة على جمعية " المشاريع الخيرية " فازداد النشاط الاجتماعي والسياسي الذي كان يتركز حول تأييد التواجد السوري ، ومحاربة الحركات الإسلامية من خلال سلاح التكفير و "التضليل" ( الحكم على المخالف بالضلال ) ، وعلى الرغم من إعلان الأحباش أنّهم أشاعرة شافعية صوفية على الطريقة الرفاعية ، إلاّ أنّ جملة كبيرة من آرائهم في العقيدة خاصة تكفير المخالف لأي مسالة خلاف في فروع العقيدة – فقد كفّروا تقي الدين النبهاني لأنّه خالفهم في مسألة " الكسب " ( فيما يتعلق بأفعال العباد ) ولم يقل بها - ، وكذلك أراءهم الفقهية في العديد من المسائل بالإضافة إلى عدائهم إلى الحركات الإسلامية سبب صراعا فكريا وسياسيا ، وأصبح فيما بعد دمويا من خلال سياسة الاغتيال والاغتيال المضاد . أمّا في الأردن ، فقد ازداد نشاط الأحباش مع بداية عقد التسعينات ، وانتقل نقلة نوعية عام 1994 مع تأسيس جمعية الثقافة العربية الإسلامية ، حيث بدأ عدد أتباعهم يزداد ( يقدّر الآن بالمئات ) ، وشهدت الساحة الإسلامية صراعا بينهم وبين السلفية إلاّ أنّ الأخيرة ابتعدت عن ساحة الجدال والصراع معهم بسبب ضغط الأجهزة الرسمية وحمايتها للأحباش ، وشعور السلفيون بالخطر – مع بقاء عدد من الدعاة والعلماء السلفيين يكتب عنهم ويحذّر منهم . ازداد النشاط الحبشي مع الوقت وبتسهيلات من الدولة ، وتركّز نشاطهم الفكري في نشر العقيدة الأشعرية والدفاع عن فروعها التي يتبنونها ، وتكفير كل من خالفهم في ذلك ، كما تميّز نشاطهم الفكري بتكفير الحركات الإسلامية والعلماء والدعاة المشهورين قديما وحديثا، ومع أنّهم هاجموا جماعة الأخوان واتهموها أنّها من الخوارج ، وكفروا حزب التحرير جملة ، إلاّ أنّ عداوتهم الكبيرة كانت مع السلفيين ، حيث أنهم كفروهم بالجملة ، وألفوا العديد من الكتب التي تتهم السلفيين أو الوهّابيين - على حد تعبير الأحباش - ، كما اشتهر من نشاطهم الفكري تعصبهم للمذهب الشافعي ، مع بعض الفتاوى الفقهية الخطيرة والغريبة . بينما تجلّى نشاطهم الحركي في فعاليات جمعية الثقافة العربية الإسلامية ، وبإقامة الحفلات الإسلامية ، وإنشاء فرقة النشيد الهاشمية ، وحرصوا على التأثير على المساجد من خلال زيادة عدد أئمتهم في الأوقاف ، وازداد عدد أتباعهم من أبناء الطبقات الثرية في عمّان الغربية ( الأمر الذي ينسبه البعض لتتبع الأحباش الرخص الفقهية ) ، و يضيف المراقبون إلى هذه الفئات بعض المتنفذين في أجهزة الدولة ، و أخيرا أقيم احتفالهم بالمولد النبوي في المركز الثقافي الملكي ، وتبرّع لهم أحد المسؤولين بمبلغ ثلاثين آلف دينار . و إذا كان بإمكاننا أن نتفهّم الأحباش على أنّهم أشاعرة شافعية متعصبون لديهم عدّة أراء غريبة في الدين ، فالذي بحاجة إلى التفسير قدرتهم على إقامة علاقات قوية مع حكومات مختلفة ، وعدائهم الشديد لكل الحركات الإسلامية ، وفوق ذلك وذلك تمتعهم بتسهيلات وحماية كبيرة من الأجهزة الرسمية الأردنية ، فيتبرع لهم بعض المسؤولين ، وتقام حفلاتهم في أفخم قاعات المملكة ، وتتدخل الأجهزة الرسمية لمنع أي نشاط فكري يعارضهم - كما حدث عندما ألغيت محاضرة في جمعية الكتاب والسنة في نقد مواقفهم الفكرية بضغط من الأجهزة الرسمية - ، أو تفتيش دار نشر قبل أشهر ومصادرة كتاب ضدهم ، وغير هذه وتلك من القصص … والسؤال الصريح والواضح : ما سر هذا النفوذ السياسي للأحباش في الأردن ؟ ..يمكن القول أنّ هناك عدة تفسيرات رئيسية يقدّمها المحللون :أنّهم استطاعوا إقامة شبكة علاقات اجتماعية قوية مع بعض المتنفذين داخل أجهزة الدولة ، وعرضوا أنفسهم على أنهم مع الحكومة ضد الحركات الإسلامية ، مما أدى إلى تبني عدد من المسؤولين والمتنفذين فكر الأحباش ، وهنا يشير أصحاب هذا التفسير أن الأحباش كانوا وراء فصل أساتذة الشريعة من بعض الجامعات الأردنية بالتعاون مع أحد المتنفذين و شيخ أشعري متشيع .أنهم " صنيعة " بعض الدول العربية لضرب الحركات الإسلامية الأخرى ، وأنّ الأجهزة الرسمية تدعمهم وتسهل الأمور ليزداد عدد الأعضاء والمؤيدين لهم ، وبالتالي يتسع التناقض الديني في المجتمع وتدخل الحركات والجماعات في حالة صدام ، ويكون ذلك أداة مناسبة لمحاصرة المد الإسلامي ، و إشغال الشباب المسلم في صراعات جانبية على قضايا جانبية بعيدا عن نقد سياسة الحكومات . ويضيف دعاة هذا الرأي أنّه كما نجحت بعض الحكومات العربية في " اللعب على التناقضات الاجتماعية " ، فإنّها تسعى لممارسة نفس اللعبة في مواجهة المد الإسلامي ولكن باللعب هذه المرّة على التناقضات الدينية .أن المد الإسلامي أصبح اليوم يثير عددا من الأسئلة حول الشرعية الدينية للحكومات العربية ، وأنّه على مر التاريخ لابد من تحالف الديني والسياسي لضمان استقرار الحكم ، وبالتالي يسعى بعض المسؤولين و المتنفذين إلى بناء أيدلوجيا أشعريه صوفية للدولة الأردنية - في مواجهة المد السلفي / الوهابي – و تحمل بعدا شيعيا مؤيدة للحكم الهاشمي في الأردن ضد الفكر الشيعي الثوري المتمثل في حزب الله وإيران ، وتكون جماعة الأحباش الأساس الحركي لهذه الأيدلوجيا ، المؤيد للحكومة في مواجهة الحركات الإسلامية المعارضة . وأمام هذا التفسير يجيب أصحابه على سؤال : إذا كان هذا هدف الدولة ، فما هدف الأحباش ؟ بأنّ الأحباش قد تعلّموا من تاريخ الدعوات الدينية أنّ هذه الدعوات لا تنتشر إلاّ بتحالف مع قوة سياسية تحمي الدعوة وتتبنّاها و تفرضها فتنتشر ، وعلى المدى البعيد تستقل عن السلطة وتصبح لها شرعيتها الذاتية من خلال أتباعها ونفوذها لدى عامة الناس . و أمام التفسيرات الثلاثة السابقة ، تبقى قضية نفوذ الأحباش السياسي في الأردن تتأرجح بين أن يكونوا " حصان طروادة " أو " أذكياء جدا " يعرفون من أين " تؤكل الكتف " ! .