حوار مع الحكماء


د.محمد بن أحمد الرشيد

المشهد:

مجموعة من الحكماء يحضرون ندوة تليفزيونية معلناً عنها للرد على استفسارات الناس وتساؤلاتهم عما يعترض حياتهم من القضايا، وما يعن لهم من أمور، وقد جلس أصحاب الأسئلة والاستفسارات ترتيباً رقمياً، وكانت إجابات الحكماء والفلاسفة وفق ترتيب هذه الأرقام.
الحكماء: سقراط - أفلاطون - أرسطو: من الفلاسفة اليونانيين.
الفارابي - ابن سينا - ابن رشد: من فلاسفة المسلمين القدماء.
** ** **
سقراط: للسائل الأول: تفضل.. مالي أراك مندهشاً؟
السائل: ما أكثر شيء مدهش في البشر؟ أيها الفيلسوف الحكيم؟
سقراط: في البشر أربعة أشياء مدهشة حق الدهشة هي:
1- أنهم يملُّون من حياة الطفولة، ويتمنون بسرعة أن يكبروا، ثم هم حين يكبرون يتمنون أن يعودوا أطفالاً مرة أخرى.
2- أنهم يضيعون صحتهم في جمع المال، ثم هم يصرفونه ليستعيدوا صحتهم.
3- يفكرون بقلق دائم في المستقبل، وينسون الحاضر، وهم بذلك لا ينعمون بالحاضر ولا بالمستقبل.
4- أنهم يعيشون كما لو أنهم لن يموتوا أبداً، ويموتون كما لو أنهم ما عاشوا أبداً.
** ** **
أفلاطون: للسائل الثاني: عم تسأل؟
السائل: ما هي دروس الحياة التي يجب على البشر أن يتعلموها؟
أفلاطون: هناك ثمانية دروس يجب على البشر أن يتعلموها، وهي:
1- أن يتعلموا أنهم لا يستطيعون أن يجعلوا أحداً يحبهم، وكل ما يستطيعون فعله هو أن يعملوا جاهدين لجعل أنفسهم محبوبين عند الآخرين.
2- أن يتعلموا ألا يقارنوا أنفسهم بالآخرين.
3- أن يتعلموا التسامح، ويجربوا الغفران.
4- أن يوقنوا أن الإنسان الأغنى ليس من يملك الأكثر، بل هو من يحتاج الأقل.
5- أن هناك أشخاصاً يحبونهم جداً، ولكنهم لا يحسنون التعبير عن حبهم.
6- أن يتعلموا أن الناس يرون الشيء الواحد بأشكال مختلفة ويدركونه بمفاهيم متعددة.
7- أن يتعودوا مسامحة الآخرين كما يسامحون هم أنفسهم.
8- ألا يحكموا على الإنسان من مظهره - أو وفق ما سمعوا عنه- بل بعد ما يعرفونه حق المعرفة.
** ** **
أرسطو: للسائل الثالث: تفضل بسؤالك:
السائل: ماذا ستفعل لو أن الله منحك حياة أخرى أيها الحكيم الشهير؟
أرسطو: لو أراد الله ومنحني حياة أخرى أعيشها فإنني سوف استثمرها بأقصى طاقة، وسوف يكون لي منهج خاص أنفذه في هذه الحياة الثانية، ويقوم هذا المنهج على أسس منها:
1- أني لن أقول كل ما أفكر فيه؛ لكنني سأفكر مقدماً في كل ما سأقوله.
2- سأعطي الأشياء قيمتها الحقيقية وفق ما تعنيه، لا وفق ما تمثله.
3- سأنام قليلاً وأحلم كثيراً؛ لأن كل دقيقة نغلق فيها أعيننا عند النوم تعني خسارة ستين ثانية من النور.
4- سوف أسير ولو توقف الآخرون، وأصحو ولو أن الجميع نائمون.
5- سأبرهن للناس خطأ اعتقادهم أن الحب لا يكون مع الشيخوخة، وأثبت لهم أنهم يشيخون إذا توقفوا عن العشق.
شكراً لك يا فيلسوفنا الكبير وحكيم زمانك العظيم.
** ** **
الفارابي: للسائل الرابع: ما سؤالك أيها الشيخ الوقور؟
السائل: لي سؤال واحد يا فيلسوف المسلمين وحجتهم:
أرجو أن تقدم نصيحة للصغار، ونصيحة لنا نحن الكهول.
الفارابي: للصغار أقول: حاولوا العمل، لا تطلبوه من غيركم، سنعطيكم الأجنحة وسنترككم تتعلمون التحليق وحدكم.
أما الشيوخ فأقول لهم: إن الموت لا يأتي مع الشيخوخة؛ بل بفعل النسيان.
ذلك لأني تعلمت من البشر كثيراً.. تعلمت ضرورة بذل الجهد لنعيش حياة طيبة، فالناس جميعاً يريدون العيش في قمة الجبل لكنهم غير مدركين أن السعادة تكمن في نجاحهم عند تسلقه.
** ** **
ابن سينا للسائل الخامس: تفضل
السائل: أنت حكيم المسلمين فأعطني من حكمك ما أسعد به في حياتي
ابن سينا: عليك بالآتي:
1- قل ما تشعر به، وافعل ما تفكر فيه.
2- حافظ بقربك على من تحب، واهمس في أذنهم أنك بحاجة إليهم، وقل لهم عبارات الحب الحقيقي عندك: سامحني، من فضلك، شكراً.. لأن الغد ليس مضموناً للشباب ولا الكبار، وربما يكون هذا آخر لقاء فلا تنتظر أكثر، تصرف اليوم، وحقق ما يؤكد حبك لمن تحبهم.
** ** **
ابن رشد: للسائل السادس: ماذا عندك أيها الفتى العزيز؟
السائل: أطلب نصيحة موجزة لحياة سعيدة مع الناس عامة، ومع من أحب خاصة.
ابن رشد: إنه يتذكرك الناس بما تعبر عنه من أفكار لا ما تضمره منها؛ فاطلب من الله القوة والحكمة في التعبير عن أفكارك ليتذكرك الناس بما سمعوه من الله القوة والحكمة في التعبير عن أفكارك ليتذكرك الناس بما سمعوه من تعبيراتك عن الأشياء والأفكار.. أما مع من تحب فقل لها وكأنك في اليوم الأخير من عمرك:
لو كنت أعرف أنها المرة الأخيرة التي أراكِ فيها نائمة لكنت ضممتك بشدة بين ذراعي، ولتضرعت إلى الله أن يجعلني حارساً لروحك.
** ** **
ثلاثة من الحكماء اليونانيين، وثلاثة من الحكماء المسلمين، يردد حكمهم الناس القدامى والمعاصرون، وآخرهم الروائي الشهير (غابريل غارسيا ماركيز) الذي قدم هذه الحكم ضمن نصائحه إلى أصدقائه حين اعتزل الكتابة لمرضه.
** ** **
وأتخيل لو أن هؤلاء الحكماء الستة التقوا حقيقة، وناقشوا باستفاضة ما قالوه للناس لتوصلوا إلى أن قلة من المتلقين قد يتأثرون بما سمعوا من النصائح والحكم.. أليست الكتب السماوية المنزلة حافلة بالتوجهات الإنسانية الراقية، والقيم الحياتية السامية، ومع ذلك فإن كثيراً منهم يعرضون عنها.. أفلا يعرضون عما يقول هؤلاء الحكماء.. وهو أقل شأناً؟!!
** ** **
وفقنا الله جميعاً إلى الخير والصواب، والأخذ بأسباب القوة مهما غلا ثمنها اللهم اجعل صدورنا سليمة معافاة، وأمدنا يا ربنا بتأييد من عندك وتسديد.

من بريدي