اختلاف الأمة
ترك رسول اللّه المسلمين على كلمة جامعة ووحدة محكمة فلم تمض غير سنين معدودة حتى نشأت روح الخلاف تدب في المسلمين لا من الوجهة السياسية فإن الخلاف فيها يفيد ما لم يكن زمن حرب أو ضعف، بل حدث الخلاف من الوجهة الدينية في أصول العقائد وفي فروع المسائل واستحال الخلاف إلى شهوة عقلية فافترق الناس إلى ثلاث وسبعين فرقة وقد أجاد كتابة هذا الموجز العلامة أبو منصور عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي المتوفي سنة (429) هـ في كتابه ـ الفرق بين الفرق ـ فننقله عنه بنصه تنويها بفضله. قال رحمه اللّه:

»كان المسلمون عند وفاة رسول اللّه عليه السلام على منهاج واحد في أصول الدين وفروعه غير من أظهر وفاقا وأضمر نفاقا. وأول خلاف وقع منهم اختلافهم في موت النبي. فزعم قوم منهم أنه لم يمت وإنما أراد اللّه تعالى رفعه إليه كما رفع عيسى ابن مريم إليه وزال هذا الخلاف وأقر الجميع بموته حين تلا عليهم أبو بكر الصديق قول اللّه لرسوله عليه السلام: إنك ميت وإنهم ميتون. وقال لهم من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد رب محمد فإنه حي لا يموت. ثم اختلفوا بعد ذلك في موضع دفن النبي عليه السلام فأراد أهل مكة رده إلى مكة لأنها مولده ومبعثه وقبلته وموضع نسله وبها قبر جده إسماعيل عليه السلام وأراد أهل المدينة دفنه بها لأنها دار هجرته ودار أنصاره. وقال آخرون بنقله إلى أرض القدس ودفنه ببيت المقدس عند قبر جده إبراهيم الخليل عليه السلام وزال هذا الخلاف بأن روى لهم أبو بكر الصديق عن النبي (إن الأنبياء يدفنون حيث يقبضون) فدفنوه في حجرته بالمدينة. ثم اختلفوا بعد ذلك في الإمامة وأذعنت الأنصار إلى البيعة لسعد بن عبادة الخزرجي. وقالت قريش إن الإمامة لا تكون إلا في قريش ثم أذعنت الأنصار لقريش لما روى لهم قول النبي عليه السلام: الأئمة من قريش وهذا الخلاف باق إلى اليوم لأن ضرارا أو الخوارج قالوا بجواز الإمامة في غير قريش. ثم اختلفوا بعد ذلك في شأن فدك وفي توريث التركات عن الأنبياء عليهم السلام. ثم نفذ في ذلك قضاء أبي بكر بروايته عن النبي عليه السلام (إن الأنبياء لا يورثون) ثم اختلفوا بعد ذلك في مانعي الزكاة ثم اتفقوا على رأي أبي بكر في وجوب قتالهم، ثم اشتغلوا بعد ذلك بقتال طليحة حين تنبأ وارتد حتى انهزم إلى الشام ثم رجع في أيام عمر إلى الإسلام وشهد مع سعد بن أبي وقاص حرب القادسية وشهد بعد ذلك حرب نهاوند وقتل بها شهيدا. اشتغلوا بعد ذلك بقتال مسيلمة الكذاب إلى أن كفى اللّه تعالى أمره وأمر سجاح المتنبئة وأمر الأسود بن زيد العنسي ثم اشتغلوا بعد ذلك بقتال سائر المرتدين إلى أن كفى اللّه تعالى أمرهم ثم اشتغلوا بعد ذلك بقتال الروم والعجم وفتح اللّه تعالى لهم الفتوح وهم في أثناء ذلك كله على كلمة واحدة في أبواب العدل والتوحيد والوعد والوعيد وفي سائر أصول الدين وإنما كانوا يختلفون في فروع الفقه كميراث الجد مع الإخوة والأخوات مع الأب والأم أو مع الأب وكمسائل العدل والكلالة والرد وتعصيب الأخوات من الأب والأم أو من الأب مع البنت أو بنت الابن وكاختلافهم في مسألة الحرام ونحوها مما لم يورث اختلافهم فيه تضليلا وتفسيقا. وكانوا على هذه الحالة في أيام أبي بكر وعمر وست سنين من خلافة عثمان. ثم اختلفوا بعد ذلك في أمر عثمان لأشياء نقموها منه حتى أقدم لأجلها ظالموه على قتله، ثم اختلفوا بعد قتله في قاتليه وخاذليه اختلافا باقيا إلى يومنا هذا، ثم اختلفوا بعد ذلك في شأن علي وأصحاب الجمل وفي شأن معاوية وأهل صفين وفي حكم الحكمين أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص اختلافا باقياً إلى اليوم، ثم حدث في زمان المتأخرين من الصحابة خلاف القدرية في القدر والاستطاعة من معبد الجهني وغيلان الدمشقي والجعد بن درهم وتبرأ منهم المتأخرون من الصحابة كعبد اللّه بن عمر وجابر بن عبد اللّه وأبي هريرة وابن عباس وأنس بن مالك وعبد اللّه بن أبي أوفى وعقبة بن عامر الجهني وأقرانهم وأوصوا أخلافهم بأن لا يسلموا على القدرية ولا يصلوا على جنائزهم ولا يعودوا مرضاهم ثم اختلفت الخوارج بعد ذلك فيما بينها فصارت مقدار عشرين فرقة كل واحدة تكفر سائرها ثم حدث في أيام الحسن البصري خلاف واصل بن عطاء الغزال في القدر وفي المنزلة بين المنزلتين وانضم إليه عمرو بن عبيد بن باب في بدعته فطردهما الحسن عن مجلسه فاعتزلا عند سارية من سواري مسجد البصرة فقيل لهما ولأتباعهما معتزلة لاعتزالهم قول الأمة في دعواهم أن الفاسق من أمة الإسلام لا مؤمن ولا كافر.

وأما الروافض فإن السبابية منهم أظهروا بدعتهم في زمان علي رضي اللّه عنه فقال بعضهم لعلي أنت اللّه فأحرق علي قوما منهم ونفى ابن سبأ إلى ساباط المدائن. وهذه الفرقة ليست من فرق أمة الإسلام لتسميتهم عليا إلها. ثم افترقت الرافضة بعد زمان علي رضي اللّه عنه أربعة أصناف زيدية وإمامية وكيسانية وغلاة، وافترقت الزيدية فرقا والإمامية فرقا والغلاة فرقا كل فرقة منها تكفر سائرها. وجميع فرق الغلاة منهم خارجون عن فرق الإسلام. فأما فرق الزيدية وفرق الإمامية فمعدودون في فرق الأمة. وافترقت البخارية بناحية الري بعد الزعفراني فرقا يكفر بعضها بعضاً، وظهر خلاف البكرية من بكر بن أخت عبد الواحد بن زياد، وخلاف الضرارية من ضرار بن عمرو، وخلاف الجهمية من جهم بن صفوان، وكان ظهر جهم وبكر وضرار في أيام ظهور واصل بن عطاء في ضلالته، وظهرت دعوة الباطنية في أيام المأمون من حمران قرمط ومن عبد اللّه بن ميمون القداح. وليست الباطنية من فرق ملة الإسلام بل هي من فرق المجوس على ما نبينه بعد هذا. وظهر في أيام محمد بن طاهر بن عبد اللّه بن طاهر بخراسان خلاف الكرامية المجسمة.

فأما الزيدية من الرافضة فمعظمها ثلاث فرق وهي الجارودية والسليمانية. وقد يقال الحريرية أيضاً والبترية وهذه الفرق الثلاث يجمعها القول بإمامة زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب في أيام خروجه، وكان ذلك في زمان هشام بن عبد الملك. والكيسانية منهم فرق كثيرة ترجع عن المتحصل إلى فرقتين إحداهما تزعم أن محمد بن الحنفية حي لم يمت وهم على انتظاره ويزعمون أنه المهدي المنتظر. والفرقة الثانية منهم مقرون بإمامته في وقته وبموته وينقلون الإمامة بعد موته إلى غيره ويختلفون بعد ذلك في المنقول إليه.

وأما الإمامية المفارقة للزيدية والكيسانية والغلاة خمس عشرة فرقة وهن المحمدية والباقرية والناوسية والشميطية والعمارية والإسماعيلية والمباركية والموسوية والقطعية والاثني عشرية والهشامية من أتباع هشام ابن الحكم أو من أتباع هشام بن هشام بن سالم الجواليقي، والزرارية من أتباع زرارة بن أعين، واليونسية من أتباع يونس القمي، والشيطانية من أتباع شيطان الطاق، والكاملية من أتباع أبي كامل وهو أفحشهم قولا في علي وفي سائر الصحابة رضي اللّه عنهم، فهذه عشرون فرقة من فرق الروافض منها ثلاث زيديه وفرقتان من الكيسانية وخمس عشرة فرقة من الإمامية. فأما غلاتهم الذين قالوا بآلهية الأئمة وأباحوا محرمات الشريعة وأسقطوا وجوب فرائض الشريعة كالبيانية والمغيرية والجناحية والمنصورية والخطابية والحلولية ومن جرى مجراهم فما هم من فرق الإسلام وإن كانوا منتسبين إليه وسنذكرها في باب مفرد بعد هذا الباب.

وأما الخوارج فإنها لما اختلفت صارت عشرين فرقة وهذه أسماؤها. المحكمة الأولى والأزارقة ثم النجدات ثم الصفرية ثم العجاردة وقد افترقت العجاردة، فيما بينها فرقا كثيرة منها الخازمية والشعبية والمجهولية والمعبدية والرشيدية والمكرمية والحمزية والإبراهيمية والواقفية، وافترقت الإباضية منها فرقا حفصية وحارثية ويزيدية وأصحاب طاعة لا يراد اللّه بها، واليزيدية منهم أتباع ابن يزيد بن أنيس ليست من فرق الإسلام لقولها بإن شريعة الإسلام تنسخ في آخر الزمان بنبي يبعث من العجم، وكذلك في جملة العجاردة فرقة يقال لها الميمونة ليست من فرق الإسلام لأنها أباحت نكاح بنات البنات وبنات البنين كما أباحته المجوس، وسنذكر اليزيدية والميمونية في جملة الذين انتسبوا إلى الإسلام وما هم منهم ولا من فرقهم

وأما القدرية المعتزلة عن الحق فقد افترقت عشرين فرقة كل فرقة منها تكفر سائرها وهذه أسماء فرقها: الواصلية والعمرية والهذلية والنظامية والأموارية والعمرية والثمامية والجاحظية والحايطية والحمارية والخياطية والسحامية وأصحاب صالح قبة والمريسية والكعبية والجبائية والبهشمية المنسوبة إلى أبي هاشم ابن الجبائي فهي اثنتان وعشرون فرقة اثنتان منها ليستا من فرق الإسلام وهما الحايطية والحمارية وسنذكرهما في الفرق التي انتسبت إلى الإسلام وليست منها.

وأما المرجئة فثلاثة أصناف صنف منهم قالوا بالإرجاء في الإيمان وبالقدر على مذاهب القدرية فهم معدودون في البدرية والمرجئة كأبي شمر المرجيء ومحمد ابن شبيب البصري والخالدي وصنف منهم قالوا بالإرجاء في الإيمان ومالوا إلى قول جهم في الأعمال والأكتساب فهم من جملة الجهمية والمرجئة وصنف منهم خالصة في الإرجاء من غير قدر وهم خمس فرق يونسية وغسانية وثوبانية وتومنية ومريسية. وأما النجارية فإنها اليوم بالري أكثر من عشر فرق مرجعها في الأصل إلى ثلاث فرق برغونية وزعفرانية مستدركة.

وأما البكرية والضرارية فكل واحدة منها فرقة واحدة ليس لها تبع كثير والجهمية أيضاً فرقة واحدة والكرامية بخراسان ثلاث فرق حقاقية وطرايقية وإسحاقية لكن هذه الفرق الثلاث منها ما يكفر بعضها بعضا فعددناها كلها فرقة واحدة

فهذه الجملة التي ذكرناها تشتمل على اثنتين وسبعين فرقة منها عشرون روافض وعشرون خوارج وعشرون قدرية وعشرة مرجئة وثلاث نجارية وبكرية وضرارية وجهمية وكرمية فهذه ثنتان وسبعون فرقة، فأما الفرقة الثالثة والسبعون فهي أهل السنة والجماعة فريقي الرأي والحديث دون من يشتري لهو الحديث، فقهاء هذين الفريقين وقراؤهم ومحدثوهم ومتكلمو أهل الحديث منهم كلهم متفقون على مقالة واحدة في توحيد الصانع وصفاته وعدله وحكمته وفي أسمائه وصفاته وفي أبواب النبوة والإمامة وفي أحكام العقبى وفي سائر أصول الدين إنما يختلفون في الحلال والحرام من فروع الأحكام وليس بينهم فيما اختلفوا فيه تضليل ولا تفسيق وهم الفرقة الناجية ويجمعها الإقرار بتوحيد الصانع وقدمه وقدم صفاته الأزلية وإجازة رؤيته من غير تشبيه ولا تعطيل مع الإقرار بكتب اللّه ورسله بتأييد شريعة الإسلام وإباحة ما أباحه القرآن وتحريم ما حرمه القرآن مع قيود ما صح من سنة رسول اللّه واعتقاد الحشر والنشر وسؤال الملكين في القبر والإقرار بالحوض والميزان فمن قال بهذه الجهة التي ذكرناها ولم يخلط إيمانه بها بشيء من بدع الخوارج والروافض والقدرية وسائر أهل الإهواء فهو من جملة الفرقة الناجية ويجمعها الإقرار بتوحيد الصانع وقدمه وقدم صفاته الأزلية وإجازة رؤيته من غير تشبيه ولا تعطيل مع الإقرار بكتب اللّه ورسله بتأييد شريعة الإسلام وإباحة ما أباحه القرآن وتحريم ما حرمه القرآن مع قيود ما صح من سنة رسول اللّه واعتقاد الحشر والنشر وسؤال الملكين في القبر والإقرار بالحوض والميزان فمن قال بهذه الجهة التي ذكرناها ولم يخلط إيمانه بها بشيء من بدع الخوارج والروافض والقدرية وسائر أهل الإهواء فهو من جملة الفرقة الناجية أن ختم اللّه له بها وقد دخل هذه الجملة جمهور الأمة وسوادها الأعظم من أصحاب مالك والشافعي وأبي حنيفة والأوزاعي والثوري وأهل الظاهر.
========
الموسوعة العربية