السلام عليكم
بما انكم اصحاب حس فني قلت اعرض لكم هذا المقال

---------------------------------------------
( جريدة الحياة )
(العنوان: دنيا - نظرة إلي السماء )
(الكاتب: أحمد بهجت )
(ت.م: 20-01-2001 )
(ت.هـ: 25-10-1421 )
(جهة المصدر: )
(العدد: 13825 )
(الصفحة: 15 )

قبل سنوات خلت، كان آرثر والاس يقف علي ربوة من الارض، وهو يتجاذب اطراف الحديث مع صديق له من المزارعين.
يومئذ عرف أن السماء خلقت لشيء سوي معرفة الانواء والاجواء والبرد والحر... وكان صديقه هذا اشبه بالفلاسفة.
قال له يوماً ستظل قسوة الغاب ووحشيته مسيطرتين علي أفكار البشر وأعمالهم، حتي يتيسر لهم ان يجعلوا للسماء نصيباً من السيطرة علي تفكيرهم . وهذه كلمة صحيحة تماماً علي المستوي العقائدي، وعلي المستوي الفكري البحت، وعلي مستوي الجمال الفني.
كانت هوايتي منذ طفولتي هي التأمل في السماء.
لم أكن أحب فصل الصيف لأن السماء فيه تخلو من السحب، أما فصل الشتاء فيعني سماء مبلدة بالسحب.. ويعني تلاحق المشاهد حين يتغير المنظر الطبيعي كل ثوانٍ. كنت ألعب في طفولتي مع السحب، أتأمل السماء فأري سحابة علي شكل تمساح.. أو أري سحابة علي شكل فيل يجري وراء فيل آخر، او أري شجرة هناك جوار بيت صغير وسط السحب... بيت يستدعي الخيال، ويتصور الانسان انه صار من سكان هذا البيت الذي لا يوجد إلا وسط السحاب.
وما زلت حتي اليوم أتأمل سحب الشتاء واتصور أنها مخلوقات من عالم الحيوان او الطيور او الكائنات البشرية. وقد هويت الرسم فترة في حياتي، ولكنها كانت فترة قصيرة، كنت اتأمل اللوحة بعد أن تنتهي، واقول في نفسي ان الفنان البشري اذا رسم لوحة، تجمدت اللوحة في آخر خط فيها... لوحة ثابتة... لا تتحرك، قارن بين أي لوحة رسمها أعظم عباقرة الرسم في العالم، قارن بين هذه اللوحة، ولوحة السحاب المتحرك الذي يأخذ كل ثوانٍ شكلاً جديداً، وتسبح داخله ألوان لا تخطر ببال فنان بشري ولا يقدر عليها سوي بديع السموات والارض.
ان اللوحات الإلهية لا تتجمد علي شكل واحد، ولا تثبت في مكانها انما هي في حركة مستمرة.
ظللت مشدوداً الي السحاب، خصوصاً حين الغروب وساعة الشروق، ان ملايين اللوحات تتبدي في هاتين الفترتين، ويستطيع المرء ان يشاهد فيهما آيات من آيات الخالق وقدرته علي جمال لا مثيل له في أي مكان أو زمان آخر.
ما هي آخر مرة نظرت فيها الي السماء؟ سؤال طرحته علي أكثر من صديق.. وكانت الاجابات ان مشكلات الحياة لا تدع للانسان فرصة يتأمل في جمال السماء.
نحن نعرف اليوم من تقدم العلوم وعلم الفلك بالتحديد، نعرف ما لم نكن نعرفه منذ قرون. نحن نعيش فوق أرض باطنها لهيب، وفوق هذا اللهيب بحار ومحيطات. أي أننا نعيش فوق كرة ارضية، نعيش فوق اليابسة، ونشرب من البحار بعد أن يتبخر بعض مائها ويتحول الي أنهار. كيف جمع الله بين النار والماء فعاشا معاً في سلام وفوقهما ارض يابسة تحولت الي قارات ومدن وحياة بشرية.
نحن نتأمل السماء في ليلة صافية، فنري القمر مثل قرص من الفضة ونري الشمس مثل قرص من الذهب. ونعلم من علومنا ان الشمس هي مصدر الطاقة، ولولاها ما نمت شجرة علي الارض او نضج طعام. هذه الشمس التي تبدو مثل قرص من الذهب، والنجوم التي تبدو مثل قطع من الماس في ثوب اسود سابغ، هذا كله - كما نعرف اليوم من علومنا - هو انفجارات نووية، وليست النجوم غير شموس بعيدة، وليست الشمس سوي نجم قريب.
نعرف من علومنا أن الضوء هو أسرع كائن في الكون. ان شعاع الضوء يجري بسرعة 300 ألف كيلومتر في الثانية، وأي شيء يسير بهذه السرعة يتحول الي ضوء.
كم عدد نجوم السماء؟ ان السماء تتكون من مجرات، والمجرات مدن نجمية، وكل مجرة فيها بلايين النجوم.
ولا يعرف عدد نجوم السماء أو روعة الكون سوي خالق النجوم والشجر. ونحن نعيش في عالم مدهش، هو عالم السماء والنجوم، وهو عالم يتسع كلما اتسع إدراكنا العلمي، ويكبر كلما كبرت مناظيرنا. وعلي رغم الاعجاز الذي يضمه الجسم البشري، وهو اعجاز يحير المرء كلما زاد في تأمله، علي رغم اعجاز الجسم البشري فإن في السماء اعجازاً أكبر، وقد حدثنا الخالق ان خلق السماوات والارض أكبر من خلق الناس.
ان النجوم علامات يهتدي بها البشر وبالنجم هم يهتدون . هذا في البعد، أما في القرب فإن النجوم تتحول الي جحيم مروع... بهذه الآيات كلها يقودنا النظر الي السماء الي راحة العقل وسكينة القلب.