ماذا يحدث حين يلتحم الحلم التشكيلي الشفاف بأسلاك النظام الإلكتروني الصارم؟ وهل يمكن لأعصاب
الفنان المرهفة أن تنقلب على نفسها، متواطئة مع تيار التكنولوجيا الجارف، في حركة مضادة للغة الحس بكل ما تمثله من تفرد

بقلم: مرح البقاعي
أغسطس 2003
ماذا يحدث حين يلتحم الحلم التشكيلي الشفاف بأسلاك النظام الإلكتروني الصارم؟ وهل يمكن لأعصاب الفنان المرهفة أن تنقلب على نفسها، متواطئة مع تيار التكنولوجيا الجارف، في حركة مضادة للغة الحس بكل ما تمثله من تفرد؟ وكيف يصنف "الفن الرقمي" Digital Art وهو الاسم الذي يطلق علىالحركة الفنية التشكيلية التي تستخدم تقنية الكمبيوتر والمؤثرات المتطورة لبرنامج آدوبي فوتوشوب Adobe Photoshop الإلكتروني؟ وما هي آلية التفاعل بين رؤيا الفنان الذهنية و"الرؤية" الرقمية على شاشة الكمبيوتر في محاولة لإيجاد بُعد رابع للصورة يمكن أن يطلق عليه "البعد الرقمي" Digital Dimension؟ وما رأي أولئك المتعصبين للأصالة الفنية وتقليدية الأدوات، الذين لا يعيرون اهتماما لهذا الاتجاه، ويمتنعون عن تصنيفه ضمن "الفنون الإنسانية الراقية" Fine Art؟ ولماذا تقوم كبرى المتاحف العالمية بالاحتفاء بهذا الفن، وتنظم معارض مستمرة للفن الرقمي أو ما يُدعى أحيانا بالفن عبر الإنترنت Online Art كما هو حال متاحف سان فرانسيسكو للفن الحديث SFMOMA ومركز ووكر Walker Center ومتحف ويتني Whitney museum، وذلك على سبيل المثال لا الحصر؟


لوحة فنية رقمية بعنوان "يوتوبيا"
لإلقاء مزيد من الضوء على آلية الفن الرقمي وتاريخ نشأته حاورت الفنان روبرت بورغر أستاذ فن الرسم الكمبيوتري في جامعة بنسلفانيا University of Pennsylvania، وسألته عن تعريف الفن الرقمي فقال: "إنه ببساطة الفن الذي يستخدم الكمبيوتر كأداة". أما عن تاريخ هذه الحركة الفنية فيقول: "لا يرتبط الفن الرقمي بتاريخ معين، بمعنى أنه باستطاعة أي فنان صاحب موهبة ولديه المعرفة باستخدامات الكمبيوتر وبرنامج الفوتوشوب أن يطور تشكيلات لا نهائية من اللوحات الفنية والتي تتحد فيها الرؤية الفنية التخيلية بالقدرات التقنية العالية للكمبيوتر ليحققا معا شطحات فنية في العمل التشكيلي لم تكن لتتحقق بدون توافر هذه التكنولوجيا. وأنا من أشد المتحمسين للفن الكمبيوتري وأبذل الوقت والجهد اللازمين من أجل خلق لوحات وتشكيل بصري يحفز الذهن البشري ويثير فيه الصور والإسقاطات".


الصورة الفوتوغرافية والرياضة الرقمية تجتمعان
أما الفنانة ديبي روز ماير والأستاذة المخضرمة في معهد "فورت لودورديل للفنون" Art Institute of Fort Lauderdale في ولاية فلوريدا، والحائزة على العديد من الجوائز العالمية حيث أعمالها هي واحدة من مقتنيات متحف "لوو" للفن Lowe Art Museum في مدينة ميامي، فقد حدثتني عن تجربتها الثرية في هذا المجال قائلة: "عندما بدأت أرسم لوحاتي على الكمبيوتر، واجهت الكثير من النقد اللاذع من قِبَل زملائي من فنانين وأكادميين حول مصداقية هذا الفن وأهميته في رفد الحركة التشكيلية الحديثة. أغلبهم انتقص من قيمة هذا العمل على المستويين الفني والإبداعي ولا سيما الفنانين الكلاسيكيين، وقد استغرقتني سنوات عدة من المحاولات الدائبة لإقناعهم بأن الفن الرقمي هو فن ذو قيمة استثنائية ومميزة وأن الكمبيوتر كوسيلة فنية إنما هو بمثابة إضافة نوعية في الإبداع الفني. وأنه يشابه تماما حال الكاميرا منذ مائة عام حين أتت كإضافة نوعية وليس كمنافس سلبي للفن الذي تبدعه ذهنية الأنامل البشرية. وحين سألت الفنانة ديبي كيف تبدأ بصياغة لوحتها والمواضيع التي تعالجها من خلال أعمالها فأجابت: "قد لا تختلف عملية صياغة اللوحة على شاشة الكمبيوتر كثيرا عنها على القماش والورق. الفرق الوحيد هو الأداة. فأنا أبدأ عادة بتقرير الموضوع الذي أريد أن أطرحه من خلال العمل. أنا حاليا أشتغل بكثافة على موضوع المرأة وعلاقتها المتبادلة مع المجتمع وذلك من خلال إبراز صورة المرأة في مراحل زمنية متتالية، ابتداء من الخمسينات حتى يومنا هذا، ونقض الصورة النمطية التي وضعتها في خانة "الأنثى" وهوالتصنيف الجنسي القاصر الذي يضعها في مرتبة متدنية عن "الرجل" من جهة القدرة على الإنجاز والمساهمة في الحياة العامة، وبالتالي محاولة تقويم هذه الصورة المشوهة".

أما عن االخطوات التي تتبعها ديبي في بناء لوحتها فتفيد: "أبدأ عادة بتجميع أكبر عدد ممكن من الصور الفوتوغرافية التي تتعلق بالموضوع، وأقوم بنسخها إلكترونيا (Scanning) وطباعتهاعلى قرص كمبيوتري مدمج. ثم تأتي مرحلة استخدام برنامج فوتوشوب لدمج الصور المقترحة، إلكترونيا، ووضعها في المكان المناسب على الشاشة بما يخدم فكرة العمل. قد يبلغ عدد الصور المستخدمة في العمل الواحد حوالي 26-28 صورة وحجم الملف 120 ميغابايت، وأنا استمر في تحريك الصور على الشاشة حتى أجد لكل واحدة الموقع الأمثل في اللوحة ككل. قد ألجأ بعض الأحيان إلى استعمال المؤثرات الضوئية الرقمية لتعميق الفكرة وتقويتها. قد يستغرقني إنجاز لوحة رقمية واحدة حوالي 30 ساعة عمل".


لوحة بعنوان "سليستليك دراغون"
حاورت أخيراً الفنان الشاب جيسون فيليكس وسألته عن الأسباب التي جذبته إلى عالم الفن الرقمي فقال: "أنا أكره الرياضة منذ صغري وهذا يعتبر في مدينتي غرين باي إثما لا يمكن اغتفاره. كنت منذ صغري مولعا بمشاهدة التلفزيون، وكنت أجلس لساعات أراقب أفلام الصور المتحركة مثل باغز باني وسكوبي دو والكثير غيرها. حدثت أهم صعقة فنية لي حين شاهدت فيلم الكائنات الفضائية Alien، فقد أخذت بتقنيات هذا الفيلم وقررت أن أخوض تجربتي الفنية من خلال استخدام تكنولوجيا الكمبيوتر الذي كان، ولحسن الحظ، في متناول يدي منذ عام 1984 عندما كان لا يزال نادرا وغير متوفر للكثير من الناس. بدأت على جهاز كومودور 64 وتحديدا بالألعاب الإكترونية، وبدأت بالتعرف على آلية عمل برامج الكمبيوتر وطورت برنامجي الخاص حين كان عمري 14 عاما. التحق جيسون بجامعة ويسكنسون ستاوت University of Wisconsin- Stout للفنون الجميلة، وقبل أن ينهي دراسته هناك انتقل إلى ولاية كاليفورنيا وبدأ حياته العملية كفنان محترف في مجال الفن الرقمي للإنتاج السينمائي والتلفزيوني وألعاب الفيديو مع شركات كبرى مثل "بروديرباند سوفتوير" Broderbund Software وشركة "نيهايليستك" Nihilistic.

يقول جيسون في تقييم الفن الرقمي: "إن تاريخ الفن العالمي ليحفل بكثير من النزعات الفنية المتطرفة كالانطباعية، والتكعيبية، والدادائية، والسريالية؛ فلا ضيم إذا أتى الفن الرقمي ليكون الخطوة الأولى نحو نقلة معاصرة للفن الحديث. وأنا شديد الرغبة أن أكون جزءا من هذه الحركة التي تحاول إحداث رجّة في الراكد من صفحة الفن".

الأسئلة التي تطرح نفسها الآن: ما هو موقع الفن الرقمي من خارطة الفنون الإنسانية، وما هو جوهر العلاقة بين الإبداع الفني واللعبة البصرية الإلكترونية؟ وهل يتفوق أحدهما على الآخر أم أن العلاقة بينهما هي علاقة تكامل. أسئلة مشروعة ومفتوحة لحركة النقد والتاريخ.


--------------------------------------------------------------------------------


ما رأيك في الفن الرقمي؟ هل ترى الكمبيوتر وسطاً جديداً للإبداع الفني أم حيلة يلجأ إليها البعض لضعف في الإبداع؟ هل لديك إبداعات فنية رقمية؟


--------------------------------------------------------------------------------


تعقيبات
"لا أدري لم هذه الاستهانة بالفن الرقمي من قبل الكثيرين من الذين يعتقدون أنهم مهتمون بالثقافة والفنون بشكل عام.. إن الأعمال الرقمية المنفذة من قبل الفنانين الرقميين هي أعمال تحتوي على مقومات الفنون الأخرى كالرسم والفتوغراف والغرافيك - الطباعة.. إن معالجة الأعمال الفنية من خلال الكمبيوتر أمر ممتاز للغاية وهو اختصار للمكان وللزمان، أي أنه بالإمكان إنجاز الأعمال الرقمية في أي مكان لان جهاز الكمبيوتر يمثل مرسما متنقلا للفنان الرقمي. أنا لا أعتقد بأن الفن الرقمي هو نزوة.. أنا فنان عربي رقمي مقيم في أميركا وأجد إقبالا جيدا على أعمالي وعلى دراسة هذا النوع من الفن وهذا ما لاحظته في الصف الذي أدرّس فيه الفن الرقمي"
زهير شعوني، يدرّس الفن الرقمي في أحدى الكليات الأميركية


الموضوع منقول من http://www.himag.com