الداعية الذكي


اليقظة23 يونيو 2004
هل يستطيع الداعية أن ينجح في دعوته بعد توفيق الله عز وجل له بذلك بدون ذكاء؟
مستحيل ..إن الذكاء الاجتماعي ضرورة حتمية للداعية حتى ينجح في دعوته، والذين لا يفطنون لهذا المعنى ويتخيلون أن – عنصر الذكاء- عنصر لا قيمة له في الدعوة إلى الله مخطئون أشد الخطأ. هل من المعقول أن يكون الذكاء مطلباً أساسياً في أي مهمة أو وظيفة من وظائف الدنيا، ثم لا يكون كذلك – في أشرف وظيفة (وظيفة الأنبياء)؟
كيف؟ ولم؟ لم لا هو مكتوب على الإسلام – وحده – أن يتصدر الدعوة إليه، من يُنَفِّر ولا يبشر، من يتشدد ولا ييسر، من يهتم بالفرعيات وصغائر الأمور، ولا يُقِم وزناً للأصول والكليات، من يفرق ولا يجمع، من يضيق صدره – بأي نقاش ولا يتسع صدره لأي حوار، من يشتبك مع من لا يستحق الاشتباك، ويحمل على من لا يستحق إلا الشفقة، ويهدد من لا يستحق إلا النصح، وييأس مِن مَن لا يستحق إلا التأمين؟ لم هو مكتوب على الإسلام – وحده – هذا الغباء الاجتماعي في التعامل مع الناس؟
بالله عليكم كيف يستجيب مدعو لداعية فيه هذه الصفات أو بعضاً منها؟ وما الذي يجبره على الاستماع إليه أصلاً، ناهيك عن مخالطته، إن الله تعالى حذر من مغبة الفظاظة وغلظة القلب وجعلهما السبيل إلى انفضاض الناس عن الداعية والدعوة والدين.
قل تعالى فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (أل عمران الآية 159). وإذا كان المخاطب في هذه الآية الكريمة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما بالك بمن هو دونه صلى الله عليه وسلم من الناس ويا ترى ما تكون عاقبة غلظتهم وفظاظتهم؟ أعتقد أن الإجابة معروفة، لأنها بمنتهى البساطة مشاهدة وواضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! إن الذكاء الاجتماعي مطلوب في كل مراحل الدعوة إلى الله، إنها صفة لا يجوز بأي حال من الأحوال أن تنفك عن الداعية إلى الله في أي وقت من الأوقات ولا في أي مرحلة من مراحل الدعوة! وتعالوا نستعرض معاً قيمة الذكاء وأثرة في مراحل الدعوة المختلفة، ودعونا نبدأ بمرحلة التعارف، وهي المرحلة التي يتعرف فيها الداعية على المدعو ويتودد إليه فيها، ساعياً لكسر حواجز الجفاء بينهما قد يكون للداعية بمن يريد بالدعوة صلة مباشرة، كأن يكون أحد أقاربه مثلاً، أو قد يكون الداعية صاحب مهنة تجلب له المعارف والأصحاب بدون عناء كبير كالطبيب أو المدرس أو التاجر مثلاً، ولا يجد صعوبة تحكم علاقته معهم في التعرف عليهم، والتواصل معهم، كل ما يحتاجه من ذكاء في مثل هذه الظروف أن يحسن معاملتهم ولا ينفرهم، لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم: بشروا ولا تنفروا!! ولكن هل هذا القدر فقط، من الذكاء أو قل هذا الشكل فقط من أشكال الذكاء هو المطلوب من الداعية إذا تغير الوضع، وأراد أن يدعوا إنساناً لا تربطه به مثل هذه الصلات الطبيعية التي ذكرتها آنفاً: لا؟ ففي مثل هذه الظروف يكون الوضع أكثر إرباكاً وإثارة للحيرة! والوسائل الغير نمطية، فقد يتمثل هذا الذكاء الاجتماعي في سؤال الداعية للمدعو سؤالاً يجذب انتباهه، أو سلوكاً يثير فضوله أو ممازحة وملاطفة مقبولة أو معروفاً يقدمه إليه من غير أن يسأله إيّاه المدعو!! قد تكون الوسيلة واحدة مما ذكرت أو غيرها، المهم الابتكار والتخلص من النمطية! واسمحوا لي أن أعرض على حضراتكم نموذجاً عملياً لهذه الوسائل المتكررة قرأته لأحد الدعاة يصف تجربته الشخصية في هذا المجال.
يقول الداعية: في أي رحلة سفر يكون معي "مصحف" أو "جريدة" أو "مجلة" ومن عادة أي جالس بجوارك أنه حين تقرأ أية جريدة فإنه يختلس النظر وفي هذه الحالة يمكن أن تقدمها إليه. وبعد أن يقرأها سوف يعيدها إليك مع الشكر، وفي هذه الحالة يمكن أن تفتح معه أي موضوع جاء في الجريدة وتعلق عليه وتتسع دائرة الحديث حتى يتم التعارف.
يروي تجربة ثانية له فيقول: أحياناً في أي مكان يجلس بجواري شخص لا أعرفه، وأفكر كيف أبدأ معه الحديث، فإذا كانت بشرة هذا الإنسان بيضاء ناصعة البياض، فإني أتوجه إليه بسؤال فيه سذاجة، فأقول له: الأخ الكريم أفريقي؟ فينظر إلى في دهشة واستغراب، وكأنه يريد أن يقول لي: هل أنت أعمى؟ ولكني أسرع فأقول لا تؤاخذني فإني أعرف بعض الأفارقة البيض؟ ثم أقول له: "طيب أنت من أي بلد" وندخل في الموضوع بعد أن أكون قد حطمت حاجز الصمت. أتمنى أن يكون لدينا هذا الذكاء الاجتماعي في دعوتنا إلى الله، أتمنى أن لا نتجهم في وجه غيرنا، وأن نسعى إلى الناس لا أن ننتظر مجيئهم إلينا. أتمنى أن نبذل الجهد في التعرف على كل من حولنا، وأن ندعو كل من حولنا إلى ديننا وإلى ما فيه من خير وهدى ورحمة. فالمستفيد الأول هو نحن إذ أن الدال على الخير كفاعله، والموضوع يحتاج إلى توفيق الله أولاً وقبل كل شيء، ثم الاجتهاد الذي يأتي ثانياً والله نسأل القبول والتوفيق والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
وللحديث بقيه في الأسبوع القادم إن شاء الله.