عنه سبحانه وتعالى في قرآنه العظيم:

(وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ (44) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (45) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (46) وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (47) أَوَآبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ).

لا يمكن لأحد أن ينكر الموت الذي هو ببساطة فقدُ الحياة، إذ نرى الناس في غفلة عنه وقد شغلهم الأموال والأولاد والنعيم والتلذذ بها عن ذكر هادم اللذات في وصفه الحقيقي، ولكن غفلتهم لا تطول وإذا بالمسكين قد وقع ميتاً بلا حراك وقد بلغت روحه الحلقوم وتدور عيناه في أم رأسه يعالج سكرة الموت الرهيبة.

أيها الناس بعد هنيئة يصبح لا شيء، أرجوكم أنقذوه، إنه يستنجد بكم وبكل عزيز هل أحد يستطيع إنقاذه؟!

عجيب أمركم أيها الناس، هل أرهبكم الموقف؟ إذن لِمَ تنكرون الموت؟

لا يمكن إنكاره، لأنهم لا يستطيعون تغيير الوضع وإرجاع الروح إلى صاحبها.

فسبحان الذي قهر عباده بالموت والفناء.

والذي يدور حوله الأسئلة والجدال هو الحياة بعد الموت، هل للإنسان بعد الموت حياة أخرى؟ وإن كانت فمن أي نوع هي؟

هذه القضية يمكن عدّها تتمة لمقالة العادة ولو بشكل غير مباشر، حيث قلنا أنه بمرور الوقت، لا يمكن احتمال التقاليد نتيجة لما تحاول كبته، ونتيجة نشوب حرب أو وقوع مأساة داخلية تحرر الدوافع لتعبر عن نفسها تعبيراً غير محدود، ويكون التقدم عندها هو الحركة، والتلقائية العمياء هي الحرية، فيكون في حالة تذبذب بين الدافع المحبوس والمتجمد في نطاق عادة متحجرة وبين الدافع المنعزل غير الموجه كما حصل في التاريخ إذ جور التخلف في المتدينين في أوروبا دفع الناس إلى التحرر من كل ما هو ديني، بل رفضها من الأساس وخلق حالة علمانية متشددة في بعض الأحيان تتهجم على كل ما هو ديني بغض النظر عن صحته أو فساده، وهذا الوضع مع الاستمرار فيه ربما يصبح عادة للأجيال القادمة حسبما تربوا عليه من المعاداة والاستهتار لكل ديني أو مقدس.

لكن الذي يهدأ الروع هو القوة المفكرة أو العاقلة في الإنسان حيث تجعله لا يتسرع بل يتأنى ويفكر بالحل السلمي الوسطي.

الحياة بعد الموت، لا يمكن للإنسان معرفته بالحواس فلا عين له يبصر على ما وراء حدّ الموت ولا أذن يسمع بها، ولا آلة من الآلات يعرف بها ما فيه على وجه اليقين والتحقيق، والذي يقول مستنداً إلى حواسه أن ليس للإنسان حياة بعد موته قد أخطأ في الحكم، لأنه هذه العلوم إذا كانت لا تقول بالحياة بعد الموت ولا تقر بها، فإنها في الوقت ذاته لا تنفيها ولا تجحد بها.

فمن الوجهة العقلية إذا لم يكن بيدنا وسيلة إلى معرفة شيء أن نحترز من نفيه وإثباته، ولكن إذا كانت لهذا الشيء علاقة بحياتنا العملية فلا مندوحة لنا في شأنه من أن نبني أعمالنا ومنهاج حياتنا، أما على إنكاره، أو الإقرار به.

وهكذا هي مسألة الحياة بعد الموت، فهي من المسائل الأساسية التي لها صلة وثيقة مباشرة بحياة الإنسان العملية، وتتوقف عليها استقامة سلوكه الخلقي، أو اعوجاجه في هذه الدنيا.

والبراهين العقلية يمكن أن تنال ما يستقبله الإنسان في كمالاته العقلية والمثالية في صراطي السعادة والشقاء بعد مفارقة بدنه من جهة التجرد العقلي والمثالي للدلالة على الحياة بعد الموت.

وذلك بحكم العقل باستحقاق الثواب والعقاب بمعنى الإنسان السعيد ذاتاً والصالح عملاً والإنسان الشقي فعلاً بمعنى أن يكون ذاته ذات صورة سعيدة بالاعتقاد الحق الثابت غير أن في نفسه هيئات شقية ردية من الذنوب والآثام اكتسبتها حين تعلّقها بالبدن الدنيوي وارتفاعها من ثدي الاختيار فهي أمور قسرية غير ملائمة لذاته، وقد أقيم البرهان على أن القسر لا يدوم، فهذه النفس سترزق التطهر منها في برزخ أو قيامة على حساب قوة رسوخها في النفس وكذلك الأمر فيما للنفس الشقية من الهيئات العارضة السعيدة فإنها ستسلب عنها وتزول سريعاً أو بطيئاً.

ولكن هذا حدّ لا يطمئن النفس فيأتي دور الدين والأنبياء والرسل لكي يخبرونا بقيام الساعة والبعث بعد الموت والحياة الأبدية.