يتمنى الدكتور رفعت السعيد على قارئه تأمل مفردات يخصص لها مدخل كتابه تحت عنوان "قاموس للاستخدام المباشر" وذلك من أجل أن "نحقق معا تجاوبا في فهم هذه المفردات ومدلولاتها."

أما هذه المفردات التي يرى السعيد أهمية التواصل بشأنها ابتداء بينه وبين قاريء كتابه "المتأسلمون.. ماذا فعلوا بالاسلام و..بنا" فهي (ارهاب. اغتيال. الشريعة. الفقة. الجدل. الحوار. المتطرفون. الاصوليون. التأسلم."

وقد تكون الكلمات الثلاث الاخيرة ودلالاتها لدى المؤلف أو رغبته في اتفاق القاريء معه على دلالاتها هي التي تستوقف القاريء.

السعيد وهو مفكر يساري ورئيس حزب التجمع الوحدوي وعضو بمجلس الشورى المصري يشرح لماذا لا يريد استخدام التطرف أو الاصولية ولماذا فضل استخدام التأسلم بأن "البعض اذ يستخدم لفظ المتطرفين فانه ينسبهم الى طرف الاسلام أي منتهاه والى ابائنا الاولين من المسلمين. أما اذا استخدم صفة الاصوليين فقد يضعهم في موضع دعاة الاحكام الاصولية."

ويضيف "وفي كلا الحالين فانه يمتدحهم ويعلي من شأنهم ويستدعي الجميع للاقتداء بهم.. ولهذا فقد حذرنا من استخدام هذين اللفظين وفضلنا استخدام صفة أخرى."

هذه الصفة التي اختارها هي "التأسلم" ويقول ان "التاء ان جاءت في أول الفعل تعني تجاوز أصل الشيء دون الخروج عن صفته الاولى. فإذ نقول تأسلم فاننا لا نعني أنه لم يعد مسلما بل انه كذلك لكنه فهم الاسلام فهما خاطئا."

غير أن القياسات التي يستخدمها السعيد لتوضيح التأسلم ربما تقول شيئا اخر خصوصا عندما يقيس الكلمة على "تأقلم وتأمرك وتأجنب" وهي كلها تعني ادعاء المرء لشيء لم يكن داخلا فيه أصلا.

فالمتأمرك ليس أمريكيا لكنه متشبه بالامريكيين والمتأجنب ليس أجنبيا لكنه مقلد للاجانب مما يبقي التساؤل مطروحا حول ان كان اختيار لفظ "التأسلم" مجرد مصطلح أراد منه الكاتب أن يكون جامعا مانعا كما يقولون أم أنه يتجاوز ذلك ليصبح نفيا لهوية.

الكتاب الذي صدر في مكتبة الاسرة ضمن مشروع القراءة للجميع في 269 صفحة من القطع المتوسط يتعرض لقضايا قديمة جديدة في الفكر الاسلامي مدارها بعض النصوص الفقهية التي تتعلق بأمور مثل الديمقراطية في الفكر الاسلامي وقضية المرأة ومسألة الخلافة.

لكن الكاتب حريص كما يقول على تأكيد أنه يتكلم عن "مسلمين وليس عن الاسلام ذاته.. ومن هنا كان حرصنا الدائم على ضرورة التفريق بين الدين وبين الرأي في الدين."

والكتاب ليس ابحارا في الماضي بقدر ما هو جهد من المؤلف للربط بين أحداث سبتمبر أيلول 2001 في الولايات المتحدة وبين ما يطلق عليه ثالوث الظواهري وابن لادن وطالبان الذين يصفهم بأنهم "أصحابها المفترضين أو هم على الاقل الذين أيدوها ومنحوها بركاتهم واعتبروها نصرا مبينا".

غير أنه يعود بعد ذلك ليؤكد مسؤولية الثالوث وخاصة الظواهري عن تلك الاحداث اذ ان "حادث 11 سبتمبر هو حادث ارهابي قصد به تخويف الاستكبار المسيحي العالمي وافزاعه. وهو تتويج درامي لاحداث الاغتيالات التي أتقن فعلها وتبريرها رجال أيمن الظاهري وتلاميذه."

والمؤلف ليس غريبا على الميدان الذي يطرقه في هذا الكتاب كما أن موقفه مما يمكن أن يطلق عليه تعبير "الاسلام السياسي" ليس جديدا فله دراسات كثيرة سابقة عن الاخوان المسلمين وعن حسن البنا كما أن له زاوية أسبوعية في صحيفة الاهالي الناطقة باسم حزب التجمع الذي يرأسه تكاد تكون مقصورة على ما يسميه بالتأسلم.

تستوقف النظر في الكتاب أخطاء بعضها يتعلق بحقائق تاريخية والبعض الاخر خاص بالخطأ في كتابة بعض الايات القرانية التي يستشهد بها الكاتب.

فالكاتب مثلا يجعل من "ابن المقفع" ضاربا بسيف معاوية بن أبي سفيان في فرض البيعة ليزيد بن معاوية حيث يقول "وقف ابن المقفع في مجلس معاوية ليفرض البيعة ليزيد" رغم أن ابن المقفع ولد بعد موت معاوية بنحو أربعين عاما وأن نجمه بزغ في الدولة العباسية التي لقي فيها حتفه أيضا.

ويتحدث الكاتب عما يسميه سيادة اللغة الفارسية حتى أصبحت لغة كتابة الدواوين في الدولة العباسية قائلا "واذ أتى العباسيون على رماح فارسية.. سيطر الموالى الفرس على السلطة ووصل الامر أن دونت الدواوين في كثير من الاحيان باللغة الفارسية ويفزع المتنبي ويعترض على ذلك شعرا متحدثا عن بغداد.. ويغدو الفتي العربي فيها غريب الوجه واليد واللسان."

والبيت كما أورده الكاتب مكسور وصحته

ولكن الفتى العربي فيها غريب الوجه واليد واللسان

كما أن الاستشهاد في غير مكانه الصحيح وليس على الوجه الذي سعى الكاتب الى تسخيره فيه. فالبيت جزء من قصيدة كتبها المتنبي بعد زيارته لشٍعْب بوان وهو موضع عند شيراز في أرض فارس كثير الشجر والماء ويعد من جنان الدنيا.

ولان المكان فارسي وسكانه من الفرس فقد كان من الطبيعي أن يشعر المتنبي العربي بالغربة.

وليس في ما هو معروف من المراجع أن لغة الدواوين كانت الفارسية في العصر العباسي الذي شهد أوج عملية تعريب الكتب اليونانية والفارسية وغيرها الى اللغة العربية.

وعلى الرغم من أن الكاتب تمنى على قارئه في البداية أن يتفق معه على دلالات الالفاظ وأعلن رفضه استخدام تعبير "التطرف" بمعني القدح فانه نفسه يعود الى استخدام المصطلح بنفس المعنى الذي نهى عنه.

في معرض اشارته الى طومان باي اخر سلاطين المماليك الذي قتله السلطان العثماني سليم الاول عندما استولى على مصر عام 1517 وصلب جثته على باب زويلة يقول الكاتب ان المصريين "صاروا يتبركون بالمكان وأسموه بوابة المتولي وكان المتولي اسما قديما لطومان باي."

ذلك أن المصريين كانوا يطلقون على "ناظر الحسبة" المسؤول عن الاسواق اسم المتولي أي من يتولى الحسبة ولم يكن ذلك اسما قديما لطومان باي وكان باب زويلة احد ثلاثة أبواب للقاهرة الفاطمية.

مع مرور الزمن أطلق العامة علي الباب اسم بوابة المتولي وتصوروا أن "المتولي" كان اسما لشخص وأن هذا الشخص كان من أولياء الله الصالحين ومن هنا جاء تبرك العوام بالمكان.(رويترز)