دكر البط
قصة قصيرة

قبل آذان الفجر بقليل انتبهت (صابحة) من النوم .. تفرك عينيها وتبحث بنصف عين مغمضة عن ــ دكر البط ــ وهي في طريقها إلى بيت الراحة .. والصنبور الوحيد الذي أمتدت مسورته داخل البيت بدلا عن طلمبة الماء المعتادة في فناء المنزل.
وضعت حفنة من المياة في عجالة وألقت بها على وجهها وشدت الثوب في حركة معتادة لتجلس القرفصاء أمام صحن الفول المختلط بالذرة وأمسكت برقبة ــ دكر البط ــ تفتح له منقاره وتلقمه حبات الفول والذرة وتتبعها بنفخة من فيها لتستقر الحبات داخل ذوره . ثم أطلقته يتمطيء وينشط نفسه بعد هذه الوجبة الثقيلة الدسمة ليتحرك متثاقلا بين حطام الأثاث العتيق, واستمعت إلى آذان الفجر وهي تضع آخر اللمسات على القفة والطشت المحمل بالجبن والذبدة بعد أن لبست ثوباً أكثر أتساخا فوق ملابسها وأنحنت بتوازن شديد يحسدها عليه جماعة السيرك لتلتقط ــ دكر البط ــ من جناحيه معقوفا يبدها وودعت البيت وخرجت في الظلام تستقبل مثل الشمس نهارها مستعينة بعد الله بأقدامها رغم ثقل ما تحمله فوق رأسها وبين يديها حتى وقفت عند سيارة قديمة كانت في الأصل جرار لنقل مخلفات الحيوانات (الروث) ثم تفنن صاحبه في تحويل الصندوق إلى ما يشبه المقاعد لتوصيل الركاب كأى طريقة من طرق المواصلات ووسائلها تحد عباءة وزارة مضحكة تدعى وزارة المواصلات التي ساعدت على قيام شركات لنقل الركاب بين القرى والمدن والسواحل بداية من السوبر جيت وانتهاء إلى أقل ركوبة مرورا بالطفطف والتوكتوك وغيرها ناهيك عن الكارتة والحنطور ممن يندر وجودهم الآن إلا بالقرى السياحية التي تميزت عن قرية صاحبتنا بطلة هذة القصة .
وقبل أن تظهر خيوط الصبح تعلتقت بباب القطار الذي يزحف بها بأتجاه المدينة العامرة بالسكان حيث تزدحم الارجل وهي لا تدري من القائل : ان الرزق عند تزاحم الأقدام , وراحت تمني النفس بالعودة بالمال اللازم بعد ان تتوفق في بيع ما تحمله خاصة دكر البط العزيز الذي ما كانت تفرط فيه لولا حاجتها الماسة لمساعدة أختها التي سوف تلتحق بالمعهد الديني العالي القريب من القرية بعد ان تعذر عليها الانتقال للمدن الكبيرة وجامعاتها لضيق ذات اليد رغم تفوقها وحصولها على مجموع يحلم به كثير من الطلاب والطالبات راحت تحلم بالملابس الجديدة التي تسعد بها أختها وهي ذاهبة في طريقها إلى المعهد وانتبهت مع حركة القطار وتلك الهزة أوقفت ابتسامة كانت في طريقها إلى شفة تلك الانسانة البسيطة المكافحة التي تركت الدراسة من أجل القيام بأعباء البيت وهاهي تضيف إليها الأعباء الاقتصادية أيضاً .
لما أنتبهت المسكينة نظرت من خلال نافذة القطار على المساحات الخضراء الشاسعة وحركة خروج الفلاحين إلى حقولهم مع هذا الصباح الباكر وزيادة حركة السير وازدحام الطرق خاصة والقطار يقترب من محطة الوصول إلى المدينة بعد ان كادت يغلبها النعاس من جديد ونظرت حيث يكمن .... ...؟!! ولكنها لم تجده كادت أن يغشى غليها أو يتوقف قلبها من أثر الصدمة وأحتبس الصوت عن صرخة مكتومة الـ .. الدكر الـــ بط يا عالم يا هو.....
تجمع حولها لفيف من ركاب القطار يستطلعون الأمرفي لحظة وصول القطار إلى رصيف المحطة وشاهدوا شاباً مسرعاً ومن خلفه يتسابق ثلاثة شباب لحق أحدهم به فألقى ما معه وأطلق ساقيه للريح .. وعاد الشاب يلهث من كثرة الركض خلف اللص وبصوت شحيح قال : خدي يا ست عيال ولاد حرام
والتف نفس الجمع ولكن للتهنئة هذه المرة بعودة الدكر المخطوف فأمسكت به تتفقده وتطبق بيديها على جناحيه وتأخذ طريقها للخروج من رصيف المحطة إلى عالمها الجديد للسوق حيث تفترش الأرض هناك بجوار بعض النسوة لبيع ما حملنه معهن من خيرات القرية من جبن وزبد وخضراوات طازجة بعضهن يقمن بذلك طول الاسبوع والبعض الآخر يكتفين بيوم واحد أو يومين بالاسبوع المهم ان تتبع نظام السوق وتحترم قوانينه التي لا تخلو من ظلم بين حيث يأتي صاحب الأتاوات في صورة بائع للشاي أو يحمل مكنسة ويهدد كل من لا تستجيب لطلباته من دفع الأتاوة أو البقاء في موقع محدد لا تتجاوزه بأي حال من الأحوال وإلا عليها أن تجد مكاناً آخر تبحث فيه عن رزقها ولذلك عليها ان تقبل بالشاي أو دونه على دفع بعض جنيهات مما تكسب .. وبدأت (صابحة) تنادي على البضاعة التي جلبتها وهي تأمل أن تنتهي من البيع عند الظهر حتى تتمكن من العودة قبل غروب هذا اليوم لتتمكن أختها من شراء لوازمها قبل أن تغلق المحلات أبوابها وجلس دكر البط إلى جوارها في انتظار مصيره المحتوم
ومرت زبونة وأكثر تمسك بالدكر وتحمله بيدها لتتوقع وزنه والمبلغ المطلوب فيه وانتصف النهار أو كاد وهو مازال بجوارها حتى أتت سيدة مظهرها يدل على أنها من بيت كبير لها ثياب منمقة ورائحة جميلة لأن معظم مرتادي السوق كما علمت هي لا يهتمون كثيرا بما بلبسهن بل ان البعض منهن يتعمدن ارتاء ملابس بسيطة لتتحمل الزحام والاتساخ أحيانا من الاحتكاكات داخل السوق خاصة بجوار بائعي الأسماك واللحوم , المهم أن السيدة لم تناقش كثيرا في السعر كان المهم لديها ان يكون دكر البط صغير السن كي لا يأخذ الزمن الطويل في التحضير والأعداد لوجبة ينتظرها سيد كبير المقام .
وكانت السيدة الأكثر أناقة في السوق عن مثيلتها تعمل لدى رجل أعمال مهم كمسؤولة عن الشؤون المنزلية وكان في خاطرها منذ فطرة أن تقوم بتحضير بعض الأكلات التي يحبها هذا السيد الهمام ويسيل لها لعابه طمعاً في تلبية طلب تنوي سؤاله اليوم بعد تقديم مائدة تحوي الفطائر المصنوعة بالسمن البلدي مع القشدة والزبد عسل النحل الصافي التي جلبته من أشهر نحال معروف على ان يتصدر دكر البط المحمر والمحشو بالصنوبر واللوز كي لا يقاوم ولا يتردد في تلبيه طلبها في تعيين ابنها الذي تخرج منذ فترة ولم يحصل على وظيفة حتى الآن وإن هذا السيد التي تقوم على خدمته منذ أن كان طالبا في أول الطريق إن لم يقدم لها هذه المساعدة ويوظف ابنها فأي شيء ترجوه منه فهو يكتفي دائما بكلمة تسلم أيدك يا أم خليل دون أن يشفعها ببعض نقود مما تتقاطر عليه صبح مساء وكأن الأمر لا يعنيه أنها تكبر بالسن وتكبر معها مسؤلياتها .
فأوصت الطهاة بالمنزل على بذل أقصى ما لديهم من مقدرة وخبرة لطبخ دكر البط وأعداده الأعداد اللائق بمائدة عظيم هي في أمس الحاجه اليوم إلى رضاه وموافقته على تعيين الأبن الغالي , وبذلك انتقل ــ دكر البط ــ من السوق إلى الفيلا الأنيقة ومنها إلى المطبخ الحديث المجهز حيث الذبح والطبخ .. وفعلا كان حجمه يؤكد على ان مكانه على مائدة الطعام سيكون مميزا جدا .
وبدأت الأستعدادات على قدم وساق لترتيب المائدة بما يليق وأعدت المقاعد وجاءت سيدة المنزل والأبنة الوحيدة وجلس الجميع في انتظار السيد والأكثر أنتظارا وترقب مديرة المنزل الذي سوف يسعدها ان يرسل لها نظرة إمتنان وبدأ ينزل درجات السلم الداخلى على دقات قلب المديرة حتى تصدر المائدة ونظر حيث الديك المحترم وإذا بزوجته تقول له لازم تشوف لك حل مع ابنتك هذه التي تفضل النادي والخروج عن أنتظار خطيبها الذي أشتكى منها مر الشكوى .. هنا سقط قلب المديرة وسقط معها حلمها وتغير وجه السيد ونظر نحو زوجتة نظرة كلها الألم واللوم وغادر غرفة الطعام إلى أقرب سيجارة وراح يشعلها دون أن ينظر ناحية أي منهم ومن وراءه غادرت أبنته التي أخذت طريقها إلى بوابة الخروج وقبل أن تغادر الزوجة هي الأخري نادت الخدم لرفع هذه الأطعمة بروائحها التي تزكم الأنوف قائلة شيلي الكلام ده وهاتيلي عصير انا طالعة غرفتي لحد لما الحالة السلبية دي تنتهي من البيت.
وكات مديرة المنزل أن ترفع دكر البط المحمر وتقذف به في وجه هذه السيدة الغبية التي لا تقدر مدى المعاناة التي بذلتها من أجل تحضير هذه الوجبة التي انتهى بنهايتها مستقبل ابنها ولن تستطيع معاودة الكره مرة أخرى إلا بعد مضي شهر على الأقل تكابد فيه الأنتظار والمعاناة .. هذة الزوجة ليس لديها عقل فمن هو الذي ينتظر ان يسمع شكوى أمام المائدة .
رفعت دكر البط وفي اللحظة التي فكرت ان تلقي به إلى القمامة قالت لنفسها البواب أولى من القمامة ..
وكان البواب جالسا لا يشغل باله بأكثر من النظر إلى الطريق وفي أغلب الأحيان يتسلى بأحتساء الشاي الأسود فلما وضعت مديرة المنزل أمامه دكر البط مد يده في تكاسل نحو صدر الدكر وخرج في يده إلى فمه ..