نقد الأعمال وتقييمها

من خلال اسقاطات الخلاف


تقييم الأعمال لا دخل له بالمعارك الجانبية أو أختلاف وجهات نظر كان من المفترض ألا تفسد للود قضية أما إذا كانت أحبال الود قد انفلتت من أيدينا فإن للأعمال حق وواجب يجب تأديته وأحترامه دونما رجوع إلى كثير من الخلفيات الضبابية في بعض العلاقات التي ربما تنامت خلافاتها من خلال فهم خاطيء لأمر حقيقي وواضح ولكن المكابرة والقفز خلف أسوار الشجاعة والمواجهة مما أكد هوة خلاف لم يكن لها وجود أصلا, وهنا يقع الظلم الكبير على مناقشة الأعمال.. ولا نطلق المقولة السائدة بأن الشللية هي صانعة النجوم وأن من يملك صديقاً قادراً على توصيل المعلومة وأن يفرد له الصحف البيض لتسود بصوره وأخباره ومشاريعه حتى وإن كانت من أختراع وتلفيق هذا الصديق وإلا دخلت سيرته طي النسيان.

قد يكون الأمر يحمل الحقيقة المرة , ولكن أريد التأكيد على شيء هام جدا وهو أن عدم معرفتك بي لا يلغي وجودى , فأنا موجود فعلا , ولكن فقد أحدنا قناة الاتصال ووسيلة التعارف , قد تتفق معي أو قد تختلف حول أعمالي , قد ترضيك , قد تتوافق مقاييس النقد لديك أو مع ذائقتك أو تتنافر وقد لا تستجيب لرؤياك وثقافتك ومحصلتك العلمية والحياتية من فكر وتجارب... أما أن تتجنى على أعمالي من خلال شخصي فذلك أمر آخر .. المنصفون لا يعولون على المسائل الشخصية عند تحليل الأعمال , فلن يكون مقبولا وأنا المهموم بالفن ومتابع للحركة التشكيلية أن أتغافل عن سين أو صاد من زملاء التشكيل بأعتبارات شخصية ليس لها أدنى مكان في العمل النقدي..

لا نريد أن نضع أسنة الحراب في صدور وظهور رفاقنا أو حتى نتزلف إليهم بزهور لا رائحة لها وكأنها تقدم في جنائز , نحن نريد تقييم الأعمال أو تحاور بصري لأعمال بصرية ذات خطوط وانكسارات وألوان ونتوءات وخربشات, نحن أمام ملامس وسطوح , وأهم ما يميز مفرداتنا أنها لا تحمل هم اللغة وقواعدها وتشبيهاتها وشواهدها لأن البحوث داخل النصوص قضية لا تعنينا ولا نبتغيها, وإنما نحن نرى الصور والشخوص والأشكال والنفوس ونتأثر بكل ذلك ثم نعبر عن كوامنا بتلك المداخيل وهذه المعطيات .

عندما نستجلي ما تحتويه للوحة من تهويمات أراد بها الفنان خلال رموزه أن يشفربعض العلائق حتى يستدعي فكر المتلقي وحضور مخزونه الثقافي والوعي بالعمل التشكيلي فإن هذا التشفير الرمزي قد يفك محاوره بعض المقربين من خصوصية حياة الفنان الصحية والنفسية وإبداعاته باعتبار الغياب اللحظي لبعض المؤثرات قد تكون مهنية أو مالية إلى آخر ذلك من حياة المبدع .. وهناك طرح علمي ممتاز حول تقييم العمل من خلال تاريخ الفنان وأعماله وتطورها إلا أن لي وجهة نظر حول الأعمال الجديدة والتي تراها العين وتدهشها قبل النظر أو البحث عن اسم الفنان , فالعمل المدهش هو الذي سبق النظر واختطف اللحظة .. هو البطل الذي يجب أن نعتني به ونحتفي به دون سلطة الأسماء والتواريخ لأن هناك من الفنانين من يحمل نفس المعرض ونفس الموضوعات إلى أكثر من معرض وأكثر من مدينة دونما أي إضافة ونسمع عن المعرض العشرين أو الثلاثين بنفس الأعمال على مدى عقدين ولن تستطيع أن تقول له قف يكفي هذا لقد تشبعت أعيننا من تلك الأعمال , وهنا سوف تجد مدافعين ومنظرين همهم الأول ألا يمس هذا الاسم الكبير فإننا هنا ننادي بأهمية دراسة الأعمال نقديا دون سلطة اسم أو دون خلفيات لخلافات ودون تخصيص الدراسة لأعمال حصرية لا يمكن تجاوزها كالنقاد الخصوصيون ممن لا يكتبون إلا عن شخص بعينه .

نحن نطلب وبالحاح تناول العمل بالتمحيص وبيان جوهره مما يدفع إلى تكوين قاعدة مهمة ورابط قوي بين المبدع والمتلقي ودون أن نعود مرة أخرى إلى غبش الرؤية أو ديباجة الثناء والشكر والتبجيل لمن طوقنا بمعروفه حيث أجلسنا على هذا المقعد , أو من منحنا فرصة الظهور أمام تلك النخبة المميزة كي نتحاور خلال البصر واللون والملمس.

وأخيرا ليس الفن أن تكون اللوحة جميلة ناقلة لما في الطبيعة فحسب وإنما تحمل أحلام ورؤى الفنان بالحس الاجتماعي والآمال والطموح وليس الفنان بطبيعة الحال هو ناقل جيد تصويريا لما يراه وانما يعكس حالته الوجدانية داخل إطار هذا العمل الذي ارتضى أن يحمل توقيعه ويجابه به الناس دليل وجود ووسيلة تعبير.