الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين سيدنا محمد
r، وعلى آله وصحبه الغر الميامين،ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين . . أما
. بعد .

فإن للإسلام قوة ذاتية تنبع( من ذاته هو ) يظهرها ويفرضها في أشد الظروف
. قسوة وحلكة مهما قل تابعوه أو تخلى ناصروه أو طغى مناوئوه

هل رأيتم بداية أمر الإسلام في مكة والمسلمون قلة مستضعفة يسومهم أعداؤهم
العذاب ألواناً – بل أهوالاً – للقضاء عليهم وعلى عقيدتهم، فكانت النتيجة
أن خرج من هذه المحنة القاسية جيل صلب فذ فريد حمل على كاهله أعباء الدعوة
وتكاليف الجهاد وقامت به الدولة الربانية الأولى ثم أخضع الجبابرة بعد ذلك
. وفتح الممالك في المشارق والمغارب

وهل رأيتم بعد ذلك – حملات الحقد والإبادة من أعداء هذا الدين على اختلاف
مللهم ونحلهم من مغول وتتار وصليبيين وما ارتكبته من فظائع ومجازر فهل حققت
. أغراضها ؟ لا والله

لقد خرج الإسلام وأمته من تلك الحملات أقوى شكيمة وأصلب عوداً، بل حدث أعجب
من ذلك إذ دخل الغازي الغالب في دين المغزو المغلوب ولم تتكرر هذه الأعجوبة
أبداً في تاريخ الصراعات والحروب إلا مع هذا الدين العظيم حين رأيناها حديثاً
في حرب الخليج الثانية وفي أوروبا وأمريكا وغيرها من البلدان بعد الحادي
عشر من سبتمبرحيث تزايدت أعداد الداخلين في هذا الدين رغم حملات التشكيك
. والتشويه الظالمة الموجهة إليه

ثم انظروا إلى حملات التبشير وما يبذل فيها من أموال طائلة وجهود جبارة متواصلة
فبم رجعت؟ إنها لم ترجع بغير الخيبة والحسرة لأنها تجد الإسلام قد سبقها
إلى القلوب التي استهدفها وتمكن منها من غير إعداد خطط ولا بذل جهود تُذكر
ولا تفرغ دعاة . إنها قوة الإسلام الذاتية التي تنبع من عوامل عديدة منها
:

: · أنه الدين الحق الموافق لمراد الله من الخلق: اسمعوا إلى قوله تعالى
وبِالْحَقِّ( أَنزَلْنَاهُ وبِالْحَقِّ نَزَلَ ومَا أَرْسَلْنَاكَ إلا مُبَشِّرًا
وإلى قوله تعالي: َذلِكَ( بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ 105) ونَذِيرًا) الإسراء(
الحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ البَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ
فَمَاذَا( بَعْدَ الحَقِّ إلا الضَّلالُ) 62) هُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ ) الحج( :
32). يونس( :

· وأنه دين الفطرة: فقد فطر الله الناس علي هيئة مستعدة لتلقي هذا المنهج
الحق ولقبوله والانفعال به فهو بمثابة موجات إرسال ربانية بتردد خاص وقد
صممت قلوب البشر على استقبالها والتناغم معها دون سواها، تدبروا قوله تعالي
: فَأَقِمْ( وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ
النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ
: r وقوله 30) وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) الروم( :
كل مولود يولد على فطرة الإسلام فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه فليوجه
أصحاب الأفكار والدعوات الأخرى ما يشاءون من أفكارهم ودعواتهم لتغلب علي
عقول الناس وتتعلق بها قلوبهم ولو إلى حين، فإذا تسللت أشعة هذا الحق إليهم
من بين تلك الظلمات المحيطة بهم انقشع الضباب وانجلى الصدأ واستنارت البصيرة
وهتف الناس باسم ربهم من فورهم كذلك( يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد
. فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)

· وأنه الدين المرضىَ عند الله دون سواه : لقوله تعالي : اليَوْمَ( أَكْمَلْتُ
لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ
ولقوله تعالي : ومَن( يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا 3) ) المائدة( :
فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ ) آل( عمران
85)

· وأنه الدين الموعود بالنصر: لقوله تعالي : إنَّا( لَنَنصُرُ رُسُلَنَا
والَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ويَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ
ولقوله تعالي : ولَقَدْ( سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا 51) ) غافر( :
المُرْسَلِينَ، إنَّهُمْ لَهُمُ المَنصُورُونَ، وإنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ)
172- 173). الصافات( :

· فإذا تآمر أعداء هذا الدين لتعكير صفائه أو إطفاء ضيائه أبي الله ذلك
فلا يكون أبداً ما يأباه : يُرِيدُونَ( أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ
(32) ويَأْبَى اللَّهُ إلا أَن يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ
32- 33) عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ) التوبة( :
.

النصرة المادية : مع هذه القوة الذاتية للإسلام التي تجعله يستعلى على الأحداث
ويتجاوز المحن ويستعصي على الإبادة إلا أن مشيئة الله تعالي قضت أن يكون
نصر هذا الدين أيضا بجهد رجاله وجهادهم لا بكلمة المشيئة الماضية كن( فيكون)
لقوله تعالي : ولَوْ( يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ ولَكِن لِّيَبْلُوَ
ولقوله تعالى : وَلَوْلا( دَفْعُ اللَّهِ 4) بَعْضَكُم بِبَعْضٍ) محمد
النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ
وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ
فهذه سنة التدافع 40)، مَن يَنصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) الحج( :
التي سنها الله تعالى ليختبر إيمان الناس وغيرتهم على دينهم واستعدادهم للتضحية
في سبيل نصرته ورفعته، وهذه السنة تقتضي أن تأخذ الأمة بكل الأسباب المادية
المطلوبة لتلك النصرة امتثالاً لأمر الله تعالي وأَعِدُّوا( لَهُم مَّا
اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ومِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ
فهذا حثٌ على إعداد كل ما يمت لمعني 60) اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ) الأنفال :
: القوة بصلة ومنها

· قوة الإيمان والعقيدة : هذه القوة الهائلة التي تفجر الطاقات وتأتي بالمعجزات
ويستنزل بها ما يصبوا إليه المجاهدون في سبيل الله من عون وتوفيق ونصر وتثبيت
فكل ذلك محفوظ في خزائن فضله ولا سبيل إلى شئ منه إلا بحسن الصلة به إيماناً
. وطاعة واستقامة وعبادة وضراعة

: · وقوة الوحدة والترابط : لتكون الأمة كما أرادها الله تعالي بقوله
إنَّ( اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًا كَأَنَّهُم
: بقوله r وكما أرادها حبيبه ومصطفاه 4) بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ) الصف( :
المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً ثم شبك بين أصابعه، وبقوله : مثل
المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو
تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى فأين الأمة الآن من هذه الصورة الرائعة
التي رسمها لها دينها وقد تنافرت وتناثرت وتناحرت فضعفت شوكتها وذهب ريحها
وأذلها أعداؤها وصدق فيها قول ربها : ولا( تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ
فلتعلم الأمة حكاماً ومحكومين أن الأخوة أخت الإيمان 46)، رِيحُكُمْ) الأنفال(
إنما( المؤمنون أخوة) وأن التفرق أخو الكفر ولا( تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا
واخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وأُوْلَئِكَ لَهُمْ
105). عَذَابٌ عَظِيمٌ) آل( عمران

· قوة الساعد والسلاح : فلتحرص الأمة وحكامها على صحة أبدان أبنائها بتوفير
أسباب هذه الصحة وإزالة أسباب العلة فإن البدن المنهك العليل لا يقوى على
حمل سلاح ولا مقاومة عدو، ولتحرص الأمة وحكامها كذلك على إعداد قوة السلاح
والدخول فى هذا الميدان شراءً وتصنيعا حتى تحقق الأمة الحماية والأمان من
غدر الغادرين فأين واقع الأمة الآن من هذا الأفق السامق الذي يريد دينها
. أن يرفعها إليه

لقد امتلك أعداء الأمة القوة ففعلوا بها الأفاعيل من كسر الإرادة واحتلال
البلاد وهتك الأعراض ونهب الخيرات وتدنيس المقدسات، ولا سبيل للخلاص من هذا
كله إلا بسعى الدول الإسلامية لامتلاك القوة وما يستلزمه ذلك من صور القوة
: الأخرى وخاصة

· القوة العلمية : لقد تضمنت أول كلمات الوحي أهم وسائل التعلم القراءة(
والكتابة) في قوله تعالى : اقْرأْ( بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ
الإنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ ورَبُّكَ الأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ،
وقد خرَّج الإسلام 1- 5) عَلَّمَ الإنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) العقل( :
أعلاماً ورواداً في كل مجالات العلم والمعرفة وذلك حين أحسنت الأمة الصلة
به فهماً والتزاماً، وهذه النهضة العلمية المنشودة لا يمكن أن تكون إلا في
الأجواء التي تكفل فيها الحريات وتصان فيها الحقوق والكرامات فتنطلق حينئذ
. المواهب وملكات الإبداع

· والقوة الاقتصادية : فمن أولى بها منا يا أمة الإسلام وقد سمعنا قدوتنا
r يقول : نعم المال الصالح للعبد الصالح ويقول r : من أمسى كالاً من
عمل يده أمسى مغفوراً له وماذا ينقصنا من مقومات هذه القوة مع كثرة العدد
وذكاء العقول وخصوبة الأرض ووفرة الموارد المالية والمائية والمعدنية وغيرها
. وغيرها

أيها الأحباب : إذا أوجب الإسلام على الأمة الأخذ بالأسباب المادية لنصرته
– رغم قوته الذاتية – فأنتم أيها الأحباب رضيتم أن تكونوا طلائع الإصلاح
وكتائب الخلاص والإنقاذ فاشحذوا العزائم وشمروا السواعد وخذوا ما أُوتيتم
بقوة، وكونوا قدوة لغيركم في العمل على نصرة دينكم ونصرة أمتكم وأنتم لها
. ورجالها – ولا يزكي على الله أحد -

وأنتم أيها الغائبون الحاضرون : الغائبون في السجون الحاضرون – دائماً –
في القلوب : لقد أعددتم أنفسكم للاضطلاع بواجب نصرة دينكم فتذكروا سنة الله
في دعوات الحق التي علِمْتموها من قبل وعلَّمتموها غيركم : أَحَسِبَ( النَّاسُ
أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وهُمْ لا يُفْتَنُونَ، ولَقَدْ فَتَنَّا
الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْ
2- 3). لَمَنَّ الكَاذِبِينَ) العنكبوت( :

ولعل الله انتدبكم أيها الأحباب – ليحقق بكم سنة التدافع فتكونوا في طليعة
المواجهة مع أهل الباطل الظالمين لما علم أنكم من خيارنا عزماً وصبراً وثباتاً
فاحرصوا أن تكونوا كالظن بكم – دائماً – وكونوا مع الله ليكون معكم وعندها
لا يكون عليكم أحد أبداً مهما كان وأبشروا : فَإنَّ( مَعَ العُسْرِ يُسْرًا،
إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا) ولن يغلب عسر يسريين . . والله أكبر ولله
الحمد