السلام عليكم
اخترت لكم اخواني هذه القصه القصيره الطويله من موقع ليبيا جيل
للكاتب الليبي طارق القزيري
ارجو ان تنال اعجابكم
____________________________________
قـبر عمـك بوصـبرة طارق القزيري22/12/2004- علاش تشبحلي أنتا ؟؟؟ ثلاث كلمات فقط، من (أوحيدة ترابلسية زي لعسل)، كما وصفها لاحقا!!، جعلته محمولا (سقيطة) من شارع ميزران إلى ميدان بورقيبة، ومنه إلى مصراته في تاكسي، عند زياراته الأولى والأخيرة ( لترابلس)، نتج عنها فقد القدرة على نطق حرف الطاء، ونتيجة أخرى هي مضمون حكايتنا ........!!!



قـبر عمـك بوصـبرة ***
ـــــــــــــــ
إلى عادل جهان: وفاءً لرفقة أبتسرت ... وذكريات مصراتية عابقة.
... ثم قرر المواطن (عبدالدايم بوصبرة)، أن يقلب حياته رأسا على عقب أو عقبا على رأس، فلم يكن أحد يدري كيف كان يعيش بالضبط، منذ ضربة (الكرينتو الميزرانية). لم يعد هو نفسه عبدالدايم بوصبرة صاحب أقدم برويطة (برويتة حاليا) في سوق بوشعالة للخضرة. لقد أصبح أسمه بعد 30 عاما من العمل على البرويطة ماركة مسجلة، لدرجة أنك اليوم فيما إذا كانت مطاليب الوالدة أو حرمكم المصون تنوء بها قدرتك، فسيتطوع البائع ويرسل أحد الصبيان قائلا نادي واحد بوصبرة خليه إيجي ... أصبح هو الأسم التجاري لكل الحمالين في سوق بوشعالة للخضروات بمصراته.

.... بعد ثلاثين عام قرر أن يترك العمل والبرويطة وسوق بوشعالة، والمصراتية كلهم، وان يتمتع بفلوسه التي كدسها طيلة كل هذه الأعوام، دون أن يفكر لحظة واحدة ماذا يفعل بها، كان همه أن يحج لبيت الله الحرام، لكنه وجد المبلغ كبيرا جدا : البلي مامنهن تريتهن، يرفعنّي للجنة طول مش غير الكعبة!!! هكذا علق عند أول مرة يعد فيها الحزم النقدية المخزنة في بيته. ثم استدرك لنفسه ياودي قول ماشالله !!!.

أحد الخبثاء أقنعه بأنه مازال صغير عالتوبة ... (أشني.... توبة؟؟ مالا قاتل ولا سارق تحسابني؟؟!!) علق بوصبرة بغضب.... لكنه وافق أن الحج: مايبيش إيطير ... وملحوق عليه مش أخر عام يعني ...!!!

نصحه أحد شيّاب الجامع العالي بعد صلاة المغرب بأن أيطق في مصر ويشوف الحسين والسيدة زينب، لكنه نهره قائلا: وخيرا الزروق وحمد البكر مش مالين عينك؟؟ يقصد الولي أحمد الزروق والولي حمد البكر بمصراته.

لم يستحسن السفر لتونس : أخطاني منهم، أني مانبيش أنشوف شنة حمرة بوكل. والمغرب لم تكن أفضل : أهن قاعدات بالربي قدامنا... بالله فكنا من المغرب أمتاعك.

وعندما نصحوه بسوريا: قال لهم : من لاخير (الأخير) أني بلاد فيها سوق خضرة بالبروايط، ماعنديش دين ماني قاصلها خطوة. ثم أخبر أقرب الناس إليه أنه (( يريد بلاد فيها أبنيات زي العسل. كيف اللي خبرتك عليها!!!. الترابلسية ياودي خيرك أنسيتها؟؟؟؟!!)) ومنذ ذلك الوقت اصبحت الوجهة معروفة : أوربا.

نسيت أن أخبركم أن قضية تمتع عمك بوصبرة بنقوده باتت قضية إحتماعية تقريبا، تستطيع القول أنها أصبحت قضية رأي عام، وعليه فقد أنهالت عليه العروض (لوجه الله ...طبعا) في مصراته كل شئ لله، حتى النصائح بخصوص السياحة في أوربا، وتكفل أبن شقيقه بأن أستخرج له (باسبور) : خيرا هكي ولى أمصغيرتا!! مش كان كبيرة ومنزرق زمان. تضايق أبن شقيقه وقال له جزعا وهو يلتفت ( مرتبكا) عند باب إدارة الجوازات: ياودي المهم أيشيلك وإيجيبك، شنى أنت بتعلقا في المربوعة ولا في السقيفة؟؟.

ثم قدموا له عرضا مغريا بالسفر إلى السويد، وإلى قرية هي منتجع سياحي خلاب، ضمن مجموعة سياحية عالمية، وليس عليه إلا الحضور في ساعة السفر لمطار طرابلس، وعندما سمع كلمة طرابلس عاوده الأحساس (بالكرينتو) لكنه تماسك، فهو سيذهب للمطار دون حاجة للمرور بشارع ميزران... هكذا أخبروه في مصراته.. في وكالة السفريات.

من حسن حظه أنه التقى في مطار أستكهولم بمواطن خليجي، أخبره أنها المرة السادسة التي يأتي فيها للسويد، ورغم أنه يختار منتجع جديد في كل مرة، إلا أنه أحب في السويد أشياء كثيرة، ونصحه بعدم الذهاب لسويسرا، لأنهم زي الألمان : خشنين وحياتك. ظل عمك بوصبرة يهز رأسه لمرافقه الخليجي، دون فهم كبير في الغالب.

واقع الأمر أن عبدالدايم بوصبرة لم يكن يخرج من غرفته في الايام الأولى إلا تحت ضغط صديقه الخليجي، ثم في اليوم الثالث ضربه الكرينتو مرة أخرى، فعندما طلبوا قهوة جاءت محمولة من ( فازّو عسل) أقصد نادلة سويدية شقراء، فقد علمه صديقه كلمة ( ثنك يو).. فردت النادلة بجراة (ميزرانية) يو أر ويلكم .. فظن خيرا ولاتسأل عن الخبر!!!!.

تطوع الصديق الخليجي بأن ترجم بينهما حتى التعارف، بل حتى توثقت عرى الصداقة، وظل يوميا ينتظر نهاية فترة خدمتها، ثم يذهب معها يتجول في الأرجاء المحيطة والغابات، مستخدما الإشارة غالبا، إذ بدا متضايقا في أحيان كثيرة من مجرد وجود صديقه الخليجي (غيرة يعني)!!

وفي ذات يوم أخبرته أنها تذهب كل يوم أحد إلى المقبرة لزيارة قبر أمها، وأنه يستطيع مرافقتها، تردد قليلا: أشني ياولاد ... عقابها جبابين ...؟؟؟ وحيث أنه قرر أستنزاف كل الوقت في صحبتها، فقد أختار الرفقة، وطلب من صديقه الخليجي أن يذهب معهم: وين نندري عليهم هالنصارى كيف أيديروا في جبانتهم !!!!

عندما دخل للمقبرة ذ’هل من تنسيقها وجمالها، وبياض رخامها، وهمس لجاره : مالا جبّانة بوعلّيم، قوراج تريتها... وتذكر بأن صديقه لايعرف جبّانة بوعليم في وسط مصراته...!!!

ثم لاحظ أرقام على الشواهد وأنتبه أن صديقه حائر ومرتبك، وعندما سأله قال له : أن كل القبور خاصة بالأطفال، وتترواح أعمار الأموات كما هو مذكور على كل شاهدة مابين شهر إلى 3 سنوات. بل إن قبر والدة صديقته مكتوب عليها : ريجينا ماكليل العمر سنتين ونصف. لم يفهم شيئا، لكنه أضطر إلى تصنع الخشوع، وعندما شاهد صديقته تقرأ وتتمتم .. تمتم معها فوجد نفسه يقرأ سورة الفاتحة.. وقرر سؤال الشيخ عندما يعود إلى مصراته : هل يجوز قراءة الفاتحة على النصارى أم لا؟؟ صحيح هي كويسة .. بس أحني مانلعبوش في هالتراكين ... بوكل!!!

في عودتهم فهموا أن أهل القرية السويدية (وهي المنتجع السياحي)، لايحتسبون من أعمارهم إلا أيام السعادة لاغير، أما الباقي فهم غير محسوب وهي أزمان لم يحياها الإنسان فعلا ... فهم يكتبون على القبور الأيام التي تستحق الذكر فقط.

أعجبته الفكرة .. وعندما حان موعد الرحيل ... بكي عمك بوصبرة كثيرا ... وتذكر كل أغاني شادي الجبل الحزينة، ومحمد صدقي، ومريانا. وغنى: ماعندكشي فكرة...، ثم الأطلال.... ، مرورا بـ في يوم في شهر في سنة وعاد إلى مصراتة على كل حال، وقد أيقن أن الدنيا أكبر فعلا من شارع ميزران وبمرات كثيرة...

ثم تزوج عبدالدايم بوصبرة .. وأنجب بنتا... ومن ثم ذهب للحج ... وصار اسمه الحاج بوصبرة... ونسي شارع ميزران والسويد .. و النادلة الشقراء... لكنه أوصى في ورقة طلب الاّ تفتح إلا بعد موته بوصيته السرية .. وعندما توفاه الله (وذهب للجنة مثل كل المصراتيه).. نفذ الورثة وصيته ...

فإذا ساقتك قدماك أو سيارتك إلى مصراته فأذهب لمقبرة بوعليم وسط لبلاد .. وستجد قبر رخامي (الوحيد)، وستجد مكتوبا عليه:

عبدالدايم بوصبرة : من بطن أمه لقبره.*** وإذ أشكر كل من راسلني مشجعا أو منتقدا أو معجبا؛ أود أن اشير إلى أنني لا أكتب قصصا قصيرة؛ وليس في نيتي أن أصير قاصا؛ فتلك لها تقنيات لاأملكها؛ كل ماهنالك (كمشة حكاوي لأسباب خاصة)
____________________ _________________ __________________

تحياتي