البيروني

في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري ـ حين بدأت الدولة الإسلامية تنحل الى دويلات صغيرة ـ نبغت طائفة من المفكرين في مختلف الميادين ـ كأبن سينا والبيروني ـ كان ظهورهم من المفارقات الغريبة في ذلك العصر المملوء بالإضطرابات السياسية والإجتماعية ، وإذا كان رجل كإبن سينا يمثل الفكر الفلسفي، فإن الروح العلمية من حيث المنهج والمادة تتمثل عند عالم نادر يمكن ان يعتبر من أنبغ من جاء بهم تأريخ الفكر العلمي في فارس الإسلامية ذلك هو أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني.

واظهر دليل على نبوغ البيروني والثمرة المبكرة الكبيرة لعلمه الموسوعي ، كتابه " الآثار الباقية عن القرون الخالية " ، الذي ألفه حوالي عام 390 هـ ولم يبلغ الثلاثين بعد ، وعرض فيه المناهج التأريخية والتقويمية الحسابية لمعظم الأمم ذات الحضارة في الشرق مع كل ما يتصل بذلك من وسائل فنية وتأريخية ، وأهداه للأمير قابوس بن وشمكير ، ويدل هذا الكتاب الجليل على ان صاحبه كان قد درس الرياضيات والفلك والتأريخ دراسة جيدة .

وسافر البيروني الى الهند وأقام فيها عشرات السنين يداخل مفكريها وينفذ الى علومهم ويدرس لغتهم السنسكريتية ، ويترجم عنها ويبادلهم بمعارفه العربية واليونانية علومهم الخاصة ، وكانت ثمرة هذا المجهود كتابه الفريد " تحقيق ما للهند من مقولة .. مقبولة في العقل او مرذولة " ، الذي تناول فيه آراء الهنود وأديانهم وفلسفتهم وأدبهم وتأريخهم وعاداتهم وقوانينهم وجملة معارفهم في التأريخ والفلك والتنجيم .

وقد تطاولت همة البيروني الى منافسة بطليموس ، فألف كتاب " القانون المسعودي في الهيئة والتنجيم " ، عالج فيه كل نواحي الفلك على نحو سهل لم يسبقه إليه احد ، فقد كان البيروني واسع العلم ، جغرافياً وطبيعياً ورياضياً فلكياً حاسباً وهو وإن لم يكن فيلسوفاً منهجياً، فقد كان على جانب عظيم من الثقافة الفلسفية ، وهذا يبدو من إشاراته في كتبه الى كثير من المشكلات الفلسفية ومن مقارنته بين علوم اليونان والهند والعرب وبين عقليات الأمم .

إن قيمة البيروني كمفكر ترجع الى منهجه الدقيق وروحه العلمية بقدر ما ترجع الى سعة معارفه والضبط فيها وتمحيص مادة البحث ، ، وهو عليم بالأسباب المردية لأكثر الباحثين في مهاوي الحكم الخاطيء ، المعمية لهم عن تقرير الحق من " عصبية تعمي الأعين البواصر وتصم الآذان السوامع وتدعو الى إرتكاب ما لا تسامح بإرتكابه العقول" ، وبيان البيروني لمزالق أقدم الباحثين يدل على جهد كبير للتحرر من المؤثرات في أحكامه ، وهو يصرح بأن الإنسان يحس للصدق والمعرفة الحقيقية لذة الى جانب الإعتقاد بها ، ويرى ان العدل محبوب لذاته .

وبالجملة فإن حكم البيروني على الأشخاص والأمم والثقافات صادق بقدر ما فيه من العمق ، أما أسلوبه فهو جزل قصير الجمل ، رصين مملوء ، يصيب لب الموضوع ، وهو لا يخلو أحيانا من سجع بليغ مستساغ ، وهو يحاول كبعض أدباء العرب أن يروح عن القاريء أحياناً بذكر طرائف من " حدائق الحكمة " لكيلا يمل خاطره من قراءة المادة العلمية الجافة التي يعرضها ، على إنه فيما يتعلق ببيان البيروني لآراء الأمم ، يجب ألا يغرب عن بالنا أنه كان يكتب مستعملاً الإصطلاح المعبر عن الفكر الإسلامي والتصورات الإسلامية ، وهذا ما يجب مراعاته في تقديرنا لبيان البيروني آراء الهند بنوع خاص .

ويتجلى اعتدال البيروني واضحاً في منهجه التأريخي الذي يجب ان يقدر بالنسبة لمنهج من تقدمه ومن جاء بعده تقديراً خاصاً ، حيث يقرر أولاً أن كل ما يتعلق ببدء الخليقة وبأحوال الأمم المنقرضة نظراً لبعد عهده وعدم الإعتناء بحفظه وضبطه ، مختلط " بأساطير وتزويرات " ، ثم يقرر بحق أنه لا سبيل الى الحكم على تأريخ الأمم الماضية وأحوالها عن طريق الإستدلال بالعقل ولا بالقياس على المشاهد ، فلا مناص إذن من الإعتماد على الأخبار الصحيحة التي يشهد بصحتها كتاب معتمد على صحته ، أو التي تتوفر فيها شرائط الثقة " في الظن الأغلب " ولكن لابد من نقد هذه الأخبار والمقارنة بينها لتصحيحها بعد تنزيه النفس عن الأسباب الحائلة دون إدراك الحق ، ويقول في ذلك : (( إذ لا يليق بطريقتنا التي سلكناها أن نضيف الشك الى اليقين والمجهول الى المعلوم )) .

وهو أيضاً لا يقبل الكلام المطلق الذي ليس معه حجة ولا برهان تطمئن النفس إليه ، وهو لا يصدق الأمور التي تعلل بأسباب غير منطقية ، فيرفض مثلاً تحديد أقصى طول للعمر الإنساني على أساس تأثير النجوم ، ويقرر أن للطبيعة قوانين ثابتة وضعها الخلاق الحكيم سبحانه وتعالى ، وعلى أساس هذه القوانين الطبيعية ، يرفض البيروني ما يحكى من أن الماء في إحدى مدن اليهود يغيض يوم السبت فتقف الأرحية حتى ينقضي يوم السبت، وهو يرفض ذلك لأنه لا يجد له أساساً " في الطبيعيات " ، كمالا ينخدع بما يشاهد من فعل الرقى والتسلط على الحيوان بالتعاويذ ، فيقول : (( إن ذلك تعويد وتدريج )) ، وهو يرفض ما يزعمه العرب من التزاوج بين الجن والإنس معتبراً هذا الزعم " من السخرية " .

كان البيروني عالماً بمعنى الكلمة الصحيح ، يعيش للعلم ويعنى بمادة للبحث تدل على سمو عقله من جهة ، وعلى الإهتمام العالي الذي يليق بالعلماء الحقيقيين من جهة أخرى ، وكان رغم جلالة حاله مكبا على التحصيل والتصنيف " لا تكاد تفارق يده القلم وعينه النظر وقلبه الفكر" ، وكان لا يريد على تأليفه أجراً ، فلما ألف القانون المسعودي للسلطان مسعود ، أراد السلطان أن يجيزه ، فأرسل له حمل فيل من النقد الفضي ، فرده معتذراً بأنه مستغن عنه ، وأراد الأمير قابوس بن وشمكير أن يستخلصه لنفسه ويسلم إليه الأمر والنهي في كل شيء في داره فأبى ، وكان هذا السلطان لا يستدعيه قط بل يذهب بنفسه إليه إجلالاً لعلمه .

وظل أبو الريحان مترفعاً بالعلم متعززاً به ، يعلم ويتعلم حتى آخر رمق ، فيحكى أنه ، وهو يجود بنفسه وقد حشرج نفسه وضاق به صدره سأل صديقاً جاء ليعوده عن مسألة في الميراث ، فقال له صاحبه مندهشاً : أفي هذه الحالة ؟ فقال البيروني : (( يا هذا .. أودع الدنيا وأنا عالم بهذه المسألة ، ألا يكون خيراً من أن أموت وأنا جاهل بها؟ )) .

ذلك هو العالم المجتهد في علمه ، الضنين بالعلم وشرفه عن الأغراض وعن الإبتذال ، والذي يقول عن نفسه بحق :

بجهد شأوت السالفين أئمـة فما إقتبسوا في العلم مثل إقتباسيا

وما بركوا للبحث عند معالم ولا إحتبسوا في عقده كاحتباســيا