وأعجب من هذا أنك لا ترى منتشراً في الكافرين من يتسمى بالأسماء الخاصة بالمسلمين، ألا أن هذه عزة الكافر وهي مرذولة، أما عزة المسلم فهي محمودة مطلوبة، فكيف نفرط فيها، ونتحول إلى أتباع لأعدائنا، نتبع السنن، وهجر السنن ؟! فلا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم، وإنا لله وإنا إليه راجعون، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

ومع هذه الفلتات والتفلتات، فهناك أمور ضابطة تصد هذا الزحف، وتحمي الصف، فالشكر لله تعالى أولاً، ثم لحماة دينه وشرعه ثانياً، كل بقدر ما بذل ويبذل من توجيه وإصلاح، ففي قلب جزيرة العرب هناك مجموعة من القرارات الضابطة في المضامين الآتية :

1 - التزام الأسماء الشرعية للمواليد.

2 - المنع البات من تسجيل أي اسم غير شرعي.

3 - المنع من تسجيل الاسم المركب من اسمين : لما فيه من الإيهام والاشتباه.

4 - التزام وصلة النسب ( لفظة : ابن ) بين الأعلام.

وهنا أذكر حقيقة تاريخية مهمة ، هي : أن التزام لفظة ( ابن ) بين اسم الابن وأبيه مثلاً كانت لا يعرف سواها على اختلاف الأمم، ثم لظاهرة تبني غير الرشدة في أوربا صار المتبني يفرق بين ابنه لصلبه فيقول (فلان ابن فلان )، وبين ابنه لغير صلبه فيقول : ( فلان فلان )، بإسقاط لفظة (ابن)، ثم أسقطت في الجميع، ثم سرى هذا الإسقاط إلى المسلمين في القرن الرابع عشر الهجري فصاروا يقولون مثلاً : محمد عبدالله !

وهذا أسلوب مولد، دخيل، لا تعرفه العرب، ولا يقره لسانها، فلا محل له من الإعراب عندها.

وهل سمعت الدنيا فيمن يذكر نسب النبي صلى الله عليه وسلم فيقول : محمد عبدالله ! ولو قالها قائل لهجن وأدب، فلماذا نعدل عن الاقتداء وهو أهدى طريقاً وأعدل سبيلاً وأقوم قيلاً ؟!

وانظر إلى هذا الإسقاط كيف كان داعية الاشتباه عند اشتراك الاسم بين الذكور والإناث ، مثل : أسماء وخارجة ، فلا يتبين على الورق إلا بذكر وصلة النسب : ( ابن ) فلان أو ( بنت ) فلان.



وأخيراً أقول : من هذا وذاك وغيرهما من الأسباب رأيت أن أبين للمسلمين هدي الإسلام في تسمية المواليد وأهميتها، وأنها ذات خطر شديد المرمى، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.

وإن الأمر سهل ميسور - ولله الحمد - فلا يحتاج إلى بحث ولا قواميس، ولا معاجم، إذ هو أمر التقت فيه دلالة الشرع مع سلامة الفطرة، فما على المسلم إلا أن يعبد اسم مولوده باسم من أسماء الله تعالى، أو يدير فكره ونظره في محيط أسماء أنبياء الله ورسله الصالحين من عباده من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم فمن بعدهم ممن اهتدى بهديهم، ونحو ذلك مما يجري على سنن لسان العرب، فيختار ما لا يأباه الشرع، وإن ضاقت عليه الدائرة، فليسترشد بعالم يعرف جودة رأيه، وصفاء اعتقاده، وسلامة ذوقه وحسب، فقد كان الصحابة رضي الله عنهم يعرضون أولادهم على النبي صلى الله عليه وسلم فيسميهم، وهذا دليل على مشروعية مشورة أهل العلم وطلبته في ذلك.

وهذه أيضاً واحدة من وسائل الربط بين العلماء وعامة المسلمين.



بعد هذه المقدمة الكاشفة عن معالم التسمية ودوافع الكتابة فيها أسوق إليك الهدي النبوي في تسمية المولود ، محفوفاً بنصوصه الشرعية ، وقد التزمت أن لا أورد إلا حديثاً صحيحاً.

وهي معقودة في عشرة أصول.



وليسمح لي الناظر فيه من سياق الأساليب الزجرية، فإن مقارعة الظواهر التقليدية الفاشية دعت إلى هذا، عسى أن تتم اليقظة لمجافاتها والضرب دونها بسور ليس له باب راجياً من الله تعالى أن يلاقي هذا الكتاب نفوساً طيبة مطمئنة راغبة في الخير، فتستفيد منه وتفيد، وما أنا فيه إلا كما قيل :



لأبـلي عذراً أو لأبـلغ حاجـة .*.*.*.*. ومبلغ نفس عذرها مثل منجح


بارك الله لك أيها المسلم في مولودك فشكرت الوهاب وبورك في الموهوب.[1]

والله ولي التوفيق والسداد [2]









الأصول المهمة في الأسماء



· الأصل الأول : في أهمية الاسم وآثاره على المولود ووالديه وأمته



لا بد - قبل - من الوقوف على حقيقة الاسم :

فقيل : مشتق من الوسم، بمعنى : العلامة، ولهذا قيل له : اسم، لأنه يسم من سمي به ويعلم عليه، وهذا في القرآن الكريم كثير، كما قال الله تعالى : ) يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا ( . [ مريم : 7 ].

وقيل : من السمو بمعنى : العلو.

وجائز اجتماع المعنيين في خصوص تسمية الآدميين من المسلمين ، فيكون الاسم من العلامة السامية العالية .

وجمعه على : أسماء، وأسام، وأسامي.

فحقيقة الاسم للمولود : التعريف به، وعنونته بما يميزه على وجه يليق بكرامته آدمياً مسلماً.

ولهذا اتفق العلماء على وجوب التسمية للرجال والنساء. [3]

وعليه، فإذا لم تكن تسمية، بقى المولود مجهولاً غير معلوم، مختلطاً بغيره غير متميز، إذ الاسم يحدد المولود ويميزه ويعرف به.

وانظر كيف كان الإسناد عند المحدثين إذا جاء فيه من أيهم اسمه أو أهمل ، صار السند من قسم الضعيف حتى يعرف، للوقوف على حاله.

فإذا ناقض الأب هذه الحقيقة الشرعية، فعدل إلى اختيار اسم لا يقره الشرع ولا يسعه لسان العرب، أحدث هذا الاختيار صراعاً وتناقضاً بين كرامته آدمياً مسلماً وبين عنوانه الذي لم يحسن اختياره.

فمن حقيقته هذه نعرف أهميته، ولماذا يقترن بها من أوليات مهمة.

فالاسم هو أول ما يواجه المولود إذا خرج من ظلمات الأرحام.

والاسم أول صفة تميز في بني جنسه.

والاسم أول فعل يقوم به الأب مع مولوده مما له صفة التوارث والاستمرار.

والاسم أول وسيلة يدخل بها المولود في ديوان الأمة.

فمن حقيقته وأولياته تبدو أهميته، ويزيد في ظهورها أن الاسم مع أنه أمر معنوي لا ثمن له يدفع مقابل الاختيار، فهو ينافس المال في المحافظة عليه، وعدم التفريط به، والمنازعة في تحويره والاعتداء عليه.

قال الجاحظ : " كان عندنا حارس يكني أبا خزيمة فقلت يوماً وقد خطر على بالي : كيف اكتني هذا العلج الألكن بأبي خزيمة ؟ ثم رأيته فقلت له : خبرني عنك، أكان أبوك يسمى خزيمة ؟ قال: لا . قلت : فجدك أو عمك أو خالك ؟ قال : لا. قلت : فلك ابن يسمي خزيمه؟ قال: لا . قلت: فكان لك مولى يسمى خزيمه؟ قال: لا. قلت: فكان في قريتك رجل صالح أو فقيه يسمى خزيمة ؟ قال : لا. قلت : فلم اكتنيت بأبي خزيمة وأنت علج ألكن، وأنت فقير، وأنت حارس ؟ قال : هكذا اشتهيت . قلت : فلأي شئ اشتهيت هذه الكنية من بين جميع الكنى ؟ قال : ما يدريني ؟ قلت : فتبيعها الساعة بدينار وتكتني بأي كنية شئت ؟ قال : لا والله ، ولا بالدنيا وما فيها ". [4]

فيا أيها المسلم ! أكرر مؤكداً ، وبالحق مذكراً : إن الاسم عنوان المسمى[5] فإذا كان الكتاب يقرأ من عنوانه، فإن المولود يعرف من اسمه في معتقده ووجهته ، بل اعتقاد من اختار له هذا الاسم ومدى بصيرته وتصوره.

فاسم المولود وعاء له، وعنوان عليه، فهو مرتبط به، ومن خلال دلالته يقوم المولود ووالده وحال أمته، وما هنالك من مثل وأخلاق وقيم، فهو يدل على المولود لشدة المناسبة بين الاسم والمسمى، وهذا أمر قدره العزيز العليم، وألهمه نفوس العباد ، وجعله في قلوبهم.

وقل أن يوجد لقب مثلاً إلا وهو يتناسب أو يقارب مع الملقب به.

ومن المشهور في كلام الناس : الألقاب تنزل من السماء، فلا تكاد تجد الاسم الغليظ الشنيع إلا على مسمى يناسبه وعكسه بعكسه.

ومن المنتشر قولهم : " لكل مسمى من اسمه نصيب " .. وقيل :



وقل إن أبصرت عيناك ذا لقب .*.*.*.*.*. إلا ومعناه في اسم منه أو لقب

[1] - انظر : " معجم المناهي اللفظية ( ص 358 ) لراقمه ، ففيه فائدة تبين أصل " شكرت الوهاب " ……


[2] - انظر في أبحاث هذا الكتاب : " تحفة المودود " ( ص 49 و 101 و 114 )، و " مفتاح دار السعادة ( ص259، 597، 608 ) و ، " الوابل الصيب " (ص244) و " زاد المعاد " (2/333-340ط. الارناؤوط ) ، جميعها لابن القيم.

وانظر ايضاً : " فهرس الفتاوي " ( 1/72-74) لشيخ الإسلام و " فتح الباري " ( 10/562-593) لابن الحجر، و " وكنز العمال" (16/417-431" "وشرح الأحياء " (6/313-314) و " تفسير القرطبي " (4/77،11/83 و 96و130 و 200 ، 12/10 ، 14 / 125 و 415 ، 16 /330 ، 18 /195 ، 20/14 ) ، و" الصاحبي " لابن فارس (ص96 122) ، و " الاشتقاق " لابن دريد ن و" أدب الكتاب " لابن قتيبة (ص67-85،426-429مهم ) ، و "الأوائل" لابن أبي عاصم ، للطبراني، للعسكري ، للسيوطي ،" محاضرات الأدباء " للراغب الأصبهاني (2/336-344) ، "خزانة الأدب" للبغدادي (11/366و 393،20/187و255) و " اللمع في الحوادث والبدع " (1/160،168،476و477) ، " المحبر " لابن حبيب.

وأنظر ايضاً : " الكشاف التحليلي لتفسير القرطبي " للشيخ مشهور ابن حسن سلمان (ص153) ، و " السامي في االأسامي ) للميداني و " شرح الأذكار " لابن علان (6/97-164) ، و " الجوائز والصلات في الأسامي واللغات " لنور الحسن بن صديق خان، و " أدب التسمية في البيان النبوي النبوي " للسعيد عبادة، و " أسماء الناس ومعانيها " لمراد و " أسماء البنين والبنات "لعمر فروخ ( مقال في مجلة اللغة العربية 18/49-54)، " الأسماء، واتجاهاتها ودلالتها في العالم الإسلامي " لعبده زايد ( مقال نشر في مجلة الدعوة بالرياض رقم 966 عام 1405 هـ ) ومقدمة " الاشتقاق " لابن دريد (ص3-7) ، و " مقدمة المبهج في تفسير أسماء شعراء الحماسة " و " اشتقاق الأسماء " للأصمعي ( مقدمة التحقيق ، ص40-41، في رد مطاعن الشعوبيين على العرب في التسمية) ، و " مقدمة (المرصع) لابن الأثير (ص32-54) ، و " الحيوان " للجاحظ (1/324و226،2/184،3/28و439،4/29و219و412،5/141و 463،6/464،7/52و247) ، " و " الأعلام العربية " لإبراهيم السمراني طبع عام 1964م، " وأسماء البنات " لأمين الخريب، رسالة مطبوعة عام 1911م في بيروت في ستين صفحة " مجلة المورد " ( مجلد 9 عدد 4 عام 1401 هـ ص215 231) . " مجلة الضياء " (السنة الثانية عام 1905 ص 365-369) ، وملاحق " تحفة المودود " ، نشر دار البشائر الإسلامية.


[3] " مراتب الإجماع لابن حزم " (ص154).


[4] - " الحيوان " للجاحظ (3/28). وخزيمة : تصغير ( خازم ) وهو الذي يسيطر على الأمور.


[5] - وفي " المؤتلف والمختلف " (2/977) للدارقنطي أثر عن صحابي فيه أنه كتب على باب داره اسمه، فهذا أصل لما يفعله الناس اليوم.