والأسماء قوالب للمعاني ودالة عليها، ولهذا، فمن أصول لسان العرب : أن المعنى يؤخذ من المبنى ويدل عليه.

ولهذا نرى - كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى - :

أكثر السفلة أسماؤهم تناسبهم، وأكثر الشرفاء والعلية أسماؤهم تناسبهم.

ولهذا كان بعض الناس إذا رأى شخصاً، تخيل اسمه، فكان كما تصور، فلا يكاد يخطئ.

فحقاً إن للأسماء تأثيرات في المسميات، في الحسن، والقبح، والخفة والثقل، واللطافة والكثافة.

فأحسن أيها المسلم - بارك الله فيما رزقك - إلى مولودك وإلى نفسك وإلى أمتك باختيار الاسم الحسن في لفظه ومعناه.

وإن حسن الاختيار يدل على أكثر من معنى، فهو يدل على مدى ارتباط الأب المسلم بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، ومدى سلامة تفكيره من أي مؤثر يصرفه عن طريق الرشد والاستقامة والإحسان إلى المولود بالاسم الحسن.

وبالجملة، فهو الرمز الذي يعبر عن هوية من اختار الاسم والمعيار الدقيق لثقافته.

ومن الدارج في كلام الناس : " من اسمك أعرف أباك ".

والاسم يربط المولود بهدي الشريعة وآدابها، ويكون الوليد مباركاً فيذكر اسمه بالمسمى عليه من نبي أو عبد صالح، ليحصل على فضل الدعاء والاقتداء بهدي السلف الصالح، فتحفظ أسماؤهم ، ويذكر بأوصافهم وأحوالهم، وتستمر سلسلة الإصلاح في عقب الأمة ونسلها.

وفيه إشباع نفس المولود بالعزة والكرامة، فإنه حين يشب عن طوقه، ويميز بين خمسة وستة، ويكون في سن التساؤلات ( السابعة من عمره )، يبدو هذا السؤال : على ما سميتني يا أبتاه ؟ ولماذا اخترت هذا الاسم ؟ وما معناه ؟ حينئذ يقع الأب في غمرة السرور إن كان أحسن الاختيار، أو يقع في ورطة أمام ابنه القاصر عن سن البلوغ، فتنكشف ضحالة الأب، وسخف عقله، فكان الأب من أول مراحل تربيته لابنه يلبسه لباساً أجنبياً عنه، ويضعه في وعاء لا يلائمه، وهذا انحراف عن سبيل الهدى والرشاد، وصدق النبي صلى الله عليه وسلم : " ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه…….."[1] حديث.

وبالجملة ، فالاسم هو الوعاء الذي يستقر في مشموله المولود، فإذا استكملت اسمه الثلاثي مثلاً ، حصل لك التصور الأولى عنه، وتسابقت إلى ذهنك دلالات هذه الأسماء لتكييف هذا الإنسان وتقويمه.

وإذا كانت هذه من آثار الاسم على الولد ووالده، فانظر من وراء هذا ماذا يلحق الأمة من تكثيف هذه الأسماء المحرمة، وبخاصة الغربية منها :

فللاسم تأثير على الأمة في سلوكها وأخلاقياتها على حد قول النبي صلى الله عليه وسلم : " من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها .. ".[2]

ويعطي رؤية واضحة لمدى تأثير التموجات الفكرية والعقدية على الأمة وانحسارها عن أخلاقياتها وآدابها.

وماذا من استيلاء العجمة عليها وماذا استيلاء العجمة عليها ومداخلة الثقافات الوافدة لها؟

وماذا من انقطاع حبل الاتصال في عمود النسب عند نكث اليد من الصبغة الإسلامية: الأسماء الشرعية؟

ثم هو – بعد - من علائم الأمة المغلوبة بعقدة النقص والاستيلاء عليها، إذ النفس مولعة أبدا بالاقتداء بالمتغلب عليها، كالعبد المملوك مع سيده.

ثم هو أيضاً يدل على أن الأمة ملقى حبلها على غاربها، وأن ليس فيها رجال يطفئون جذوة ما تعاظم في صدورهم من شأن ذلك الغالب الفاجر.

وبناء على ما تقدم ، صار حسن الاختيار لاسم المولود من الواجبات الشرعية.

ويأتيك بيانه في الأصلين الخامس والسادس.





· الأصل الثاني : في وقت التسمية



جاءت السنة النبوية عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك على ثلاثة وجوه :

1 - تسمية المولود يوم ولادته.

2 - تسميته إلى ثلاثة أيام من ولادته.

3 - تسميته يوم سابعه.

وهذا اختلاف تنوع[3] يدل على أن في الأمر سعة والحمد لله رب العالمين.





· الأصل الثالث : التسمية حق للأب



لا خلاف في أن الأب أحق بتسمية المولود، وليس للأم حق منازعته، فإذا تنازعا فهي للأب.

وبناءً على ذلك فعلى الوالدة عدم المشادة والمنازعة، وفي التشاور بين الوالدين ميدان فسيح للتراضي والألفة وتوثيق حبال الصلة بينهم.

كما أنه ثبت عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يعرضون موالديهم على النبي صلى الله عليه وسلم فيسميهم، وهذا يدل على أن على الأب عرض المشورة في التسمية على عالم بالسنة أو من أهل السنة يثق بدينه وعلمه، ليدله على الاسم الحسن بمولوده.





· الأصل الرابع : المولود ينسب إلى أبيه لا إلى أمه



كما أن التسمية من حق الأب، فإن المولود ينسب إلى أبيه لا إلى أمه، ويدعى بأبيه لا بأمه، فيقال في إنشاء التسمية : فلان ابن فلان، فلا يقال : ابن فلانة، ويقال في دعاءه ومناداته والإخبار عنه : يا ابن فلان، ولا يقال : يا ابن فلانة[4]، قال الله تعالى : ( ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ) [الأحزاب:5].

والدعاء يستعمل استعمال التسمية، فيقال : دعوت ابني زيدًا، أي : سميته ، قال الله تعالى : (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً ) [ النور : 63]، وذلك خطاب من كان يقول للنبي صلى الله عليه وسلم : يا محمد ! أي : قولوا : يا رسول الله ! يا نبي الله !

ولهذا يدعى الناس يوم القيامة بآبائهم : فلان ابن فلان، كما ثبت الحديث بذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الغادر يرفع له لواء يوم القيامة ، يقال : هذه غدرة فلان ابن فلان ". رواه البخاري وترجم عليه بقوله : " باب ما يدعى الناس بآبائهم"[5]

وهذا من أسرار التشريع، إذ النسبة إلى الأب أشد في التعريف وأبلغ في التمييز، لأن الأب هو صاحب القوامة على ولده وأمه في الدار وخارجها، ومن أجله يظهر في المجامع والأسواق، ويركب الأخطار في الأسفار لجلب الرزق الحلال والسعي في مصالحهم وشئونهم، فناسبت النسبة إليه لا إلى ربات الخدور ، ومن أمرهن الله تعالى بقوله : ( وقرن في بيوتكن ) [ الأحزاب : 33 ].





· الأصل الخامس : في حسن الاختيار



يجب على الأب اختيار الاسم الحسن في اللفظ والمعنى في قالب النظر الشرعي واللسان العربي، فيكون : حسناً، عذباً في اللسان، مقبولاً للأسماع، يحمل معنى شريفاً كريماً، ووصفاً سابقاً خالياً مما دلت الشريعة على تحريمه أو كراهته ، مثل : لوثة العجمة، وشوائب التشبه، والمعاني الرخوة.

ومعنى هذا أن لا تختار اسماً إلا وقد قلبت النظر في سلامة لفظه، ومعناه ، على علم ووعي وإدراك، وإن استشرت بصيراً في سلامته مما يحذر، فهو أسلم وأحكم.

ومن الجاري قولهم : حق الولد على والده أن يختار له أمة كريمة، وأن يسميه اسماً حسناً[6] وأن يورثه أدباً حسناً.

والأسماء المشروعة رتب ومنازل، وإليك بيانهاً في الأصل الآتي :






[1] رواه : البخاري (3/176) ، ومسلم ( 2658) ، عن أبي هريرة.


[2] - قطعة من حديث رواه مسلم (1017) عن جرير بن عبد الله البجلي.


[3] - انظر في أنواع الاختلاف : " شرح العقيدة الطحاوية " (ص 514 ).


[4] - وللفائدة : صنف الفيروز أبادي رسالة سماها " تحفة الأبيه في من ينسب إلى غير أبيه " طبعت ضمن " نواد المخطوطات " ( 1/101-110) بتحقيق الأستاذ عبد السلام هارون.


[5] - تنبيه : كل حديث جاء فيه أن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم ، فلا يصح، وبينته في : التحديث بما قيل لا يصح فيه حديث.

والحديث في " صحيح مسلم (1735) أيضاً.


[6] - وفي ذلك حديث لا تصح ، فانظر : " السلسلة الضعيفة " (رقم 199 ) ، و " إتحاف السادة المتقين " ( 6/317-318)