· الأصل السادس : في مراتب الأسماء استحبابا وجوازاً



هي في الاستحباب والجواز رتب ومنازل على الترتيب الآتي :

1 - استحباب التسمية بهذين الاسمين : عبدالله، وعبدالرحمن، وهما أحب الأسماء إلى الله تعالى ، كما ثبت الحديث بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما الذي رواه مسلم وأبو داود وغيرهما، وذلك لاشتمالهما على وصف العبودية التي هي الحقيقة للإنسان.

وقد خصهما الله في القرآن بإضافة العبودية إليهما دون سائر أسمائه الحسنى، وذلك في قوله تعالى: ( وأنه لما قام عبد الله يدعوه ) [ الجن : 19 ]، وقوله سبحانه : ( وعباد الرحمن ) [الفرقان :63]، وجمع بينهما في قوله تعالى: (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى) [الإسراء: 110].

وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم ابنه عمه العباس : عبدالله رضي الله عنهما.

وفي الصحابة رضي الله عنهم نحو ثلاثمائة رجل كلاً منهم اسمه عبدالله، وبه سمي أول مولود للمهاجرين بعد الهجرة إلى المدينة : عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما.

2 - ثم استحباب التسمية بالتعبيد لأي من أسماء الله الحسنى ،مثل : عبدالعزيز ، عبدالملك ، وأول من تسمى بهما ابنا مروان بن الحكم.

والرافضة لا تسمي بهذين الاسمين منابذة للأمويين، وهذا محض عدوان واعتداء ( وهذا شأنهم في مجموعة من الأسماء، منها : سائر أسماء بني أمية مثل : معاوية، ويزيد، ومروان، وهشام... ، وقد حرموا أنفسهم من التسمي باسم عبدالرحمن، لأن قاتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، هو عبدالرحمن بن ملجم ).

وأسماء الله توقيفية بدليل من كتاب أو سنة وسترى جملتها في حرف العين من دليل الأسماء الآتي في آخر الكتاب إن شاء الله تعالى.

وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن الهروي رحمه الله تعالى قد سمى أهل بلده بعامة أسماء الله الحسنى، قال : وكذلك أهل بيتنا.

والحمد لله، قل بيت من بيوت المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إلا وفيه من هذه الأسماء الكريمة المعبدة باسم الله تعالى، أو المحمدة[1] باسم من أسماء نبينا ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وإذا قرأت عمود النسب لأي علم من أعلام المسلمين في كتب التراجم، وجدت الأمر كذلك، فلنكن هكذا، ولنصل الخلف بهدي السلف.

3 - التسمية بأسماء أنبياء الله ورسله ، لأنهم سادات بني آدم وأخلاقهم أشرف الأخلاق وأعمالهم أزكي الأعمال ، فالتسمية بأسمائهم تذكر بهم وبأوصافهم وأحوالهم.

وقد أجمع العلماء على جواز التسمية بها[2]، إلا ما يؤثر عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أنه كتب : " لا تسموا أحداً باسم نبي " رواه الطبري[3].

وهذا النهي منه رضي الله عنه لئلا يبتذل الاسم وينتهك، لكن ورد ما يدل على رجوعه عن ذلك، كما قرره الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى[4] .

والتسمية ببعضها منتشرة في صدر هذه الأمة وسلفها ، وقد سمى النبي r ابنه باسم أبيه إبراهيم ، فقال r : " ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم صلى الله عليه وسلم " رواه مسلم.

وبه سمى صلى الله عليه وسلم أكبر ولد أبي موسى رضي الله عنه.

وعن يوسف بن عبدالله بن سلام، قال " سماني النبي صلى الله عليه وسلم يوسف " رواه البخاري في "الأدب المفرد " والترمذي في " الشمائل "، وقال ابن حجر : " سنده صحيح " [5]

وأفضل أسماء الأنبياء : أسماء نبينا ورسولنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وعلى إخوانه من النبيين والمرسلين أجمعين.

وبعد الإجماع على جواز التسمية باسمه صلى الله عليه وسلم اختلف العلماء في حكم الجمع بين اسمه وكنيته : محمد أبو القاسم.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى : " والصواب أن التسمي باسمه جائز، والتكني بكنيته ممنوع منه، والمنع في حياته أشد، والجمع بينهما ممنوع منه ": انتهى[6]

وهاهنا لطيفة عجيبة، وهي أن أول من سمى أحمد بعد النبي صلى الله عليه وسلم هو : أحمد الفراهيدي البصري والد الخليل صاحب العروض[7] والخليل مولود سنة ( 100هـ).

4 - التسمية بأسماء الصالحين من المسلمين، فقد ثبت من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه عن النبي r : " أنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم والصالحين من قبلهم " رواه مسلم.

وصحابة رسول الله r هم رأس الصالحين في هذه الأمة، وهكذا من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

وقد كان لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم نظرًا لطيفا في ذلك ، فهذا الصحابي الزبير بن العوام رضي الله عنه سمى ولده - وهم تسعة - بأسماء بعض شهداء بدر رضي الله عنهم، وهم : عبدالله ، المنذر، عروة، حمزة، جعفر، مصعب، عبيدة، خالد، عمر[8] .

وهكذا يوجد في المسلمين من سمي أولاده بأسماء الخلفاء الأربعة الراشدين رضي الله عنهم : عبدالله ( أبو بكر )، عمر، عثمان، علي، رضي الله عنهم، ومن سمى بناته بأسماء أمهات المؤمنين زوجات النبي صلى الله عليه وسلم ، وهكذا ...

5 - ثم يأتي من الأسماء ما كان وصفاً صادقاً للإنسان بشروطه وآدابه، وإليك بيانها في الأصل بعده.



· الأصل السابع : في شروط التسمية وآدابها



من نصوص السنة، أمراً ونهياً ودلالة وإرشاداً، وبمقتضى قواعد الشريعة وأصولها، يتبين أن اسم المولود يكتسب الصفة الشرعية متى توفر فيه هذان الشرطان :

الشرط الأول : أن يكون عربياً، فيخرج به كل اسم أعجمي، ومولد ودخيل على لسان العرب.

الشرط الثاني : أن يكون حسن المبنى والمعنى لغة وشرعاً، ويخرج بهذا كل اسم محرم أو مكروه، إما في لفظه أو معناه أو فيهما كليهما، وإن كان جارياً في نظام العربية، كالتسمي بما معناه التزكية، أو المذمة، أو السب، بل يسمى بما كان صدقاً وحقاً.

قال الطبري رحمه الله : " لا ينبغي التسمية باسم قبيح المعنى، ولا باسم يقتضي التزكية له، ولا باسم معناه السب، ولو كانت الأسماء إنما هي أعلام للأشخاص، ولا يقصد بها حقيقة الصفة. لكن وجه الكراهة أن يسمع سامع بالاسم، فيظن أنه صفة للمسمى، فلذلك كان صلى الله عليه وسلم يحول الاسم إلى ما إذا دعى به صاحبه كان صدقاً ".

قال : " وقد غير رسول الله r عدة أسماء " انتهى. [9]

وللأسماء أيضا جملة آداب يحسن أخذها بالاعتبار ما أمكن :

1 - الحرص على اختيار الاسم الأحب فالمحبوب حسبما سبق من بيان لمراتبه في الأصل السادس.

2 - مراعاة قلة حروف الاسم ما أمكن.

3 - مراعاة خفة النطق به على الألسن.

4 - مراعاة التسمية بما يسرع تمكنه من سمع السامع.

5 - مراعاة الملائمة، فلا يكون الاسم خارجاً عن أسماء، أهل طبقته وملته وأهل مرتبته.

وهذا أدب مهم رفيع، وإحساس مرهف لطيف، نبه عليه العلامة الماوردي رحمه الله في كتابه "نصيحة الملوك". (ص167) فقال :

" فإذا ولد المولود ، فإن من أول كراماته له وبره به أن يحليه باسم حسن وكنية لطيفة شريفة،فإن للاسم الحسن موقعاً في النفوس مع أول سماعه.

وكذلك أمر الله عباده، وأوجب عليهم أن يدعوه بالأسماء الحسنى : ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه ) [ الأعراف : 180 ]، وأمر أن يصفوه بالصفات العلى، فقال : ( قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ) [ الإسراء : 110].

واختار النبي صلى الله عليه وسلم أسماء أولاده اختياراً، وآثرها إيثاراً ، ونهى عليه السلام أن يجمع أحد من المسلمين بين اسمه وكنيته، وقال : " أحب الأسماء عند الله عبدالله وعبدالرحمن ".

وإنما جهة الاختيار لذلك في ثلاثة أشياء :

منها : " أن يكون الاسم مأخوذاً من أسماء أهل الدين،من الأنبياء والمرسلين وعباد الله الصالحين، ينوي بذلك التقرب إلى الله جل اسمه بمحبتهم وإحياء أساميهم والاقتداء بالله جل اسمه في اختيار تلك الأسماء لأوليائه، وما جاء به الدين ، كما قد روينا عنه في أن أحب الأسماء إلى الله عبدالله وأمثاله.

ومنها : أن يكون الاسم قليل الحروف، خفيفاً على الألسن، سهلاً في اللفظ، سريع التمكن من السمع، قال أبو نواس في هذا الاسم :



فقلنا له ما الاسم قال سموأل .*.*.*.*.*. على أنني أكني بعمرو ولا عمرا

وما شرفـتني كنية عربية .*.*.*.*.*.*. ولا أكسبتني لا ثناء ولا فخـراً

ولكنها خفت وقلت حروفها .*.*.*.*.*. ولست كأخرى إنما جعلت وقرا



فأخبر - كما ترى - أنه اختارها على بغضه لأهلها ، لقلة حروفها وخفتها على اللسان وفي السمع.

ومنها : أن يكون حسناً في المعنى، ملائماً لحال المسمى، جارياً في أسماء أهل طبقته وملته وأهل مرتبته " انتهى كلام الماوردي.

وهذا بمعنى ما تقدم في فواتح هذا الكتاب : أن الاسم كالثوب، إن قصر شان، وإن طال شان.

فمراعاة أسماء أهل طبقته وقبيلته ربط أسري والتحام عائلي.

ومراعاة أسماء أهل ملته ربط ديني عقدي.

ومراعاة أسماء أهل مرتبته ربط أدبي بإنزال المرء نفسه منزلها، حتى لا يتندر به.

فهذه اللفتة النفسية من الماوردي رحمه الله تعالى أذكر بها عرب هذه الجزيرة للابتعاد عن هذه الأسماء التي لا تليق بخصوص قيمهم، وأن من الأسماء ما يستملح على الصغير ثم إذا كبر صار مشيناً، كالثوب القصير على الطويل.

وفي تفسير قول الله تعالى عن عبده يحيى : ( لم نجعل له من قبل سميا ) [ مريم : 7 ]، قال القرطبي رحمه الله تعالى : " وفي هذه الآية دليل وشاهد أن الأسامي السنع - أي : الجميلة - جديرة بالأثرة، وإياها كانت العرب تنتحي في التسمية، لكونها أنبه وأنزه، حتى قال القائل :



سنع الأسـامي مسبلي أزر .*.*.*.*.*.*.*. حمـرٍ تمس الأرض بالهـدب