أخي اختي ..

ماذا عساي ان أقول .. والأيام تطوى .. والساعات تنقضي سراعا .. وهذه الدنيا تمضي لحظاتها .. ولم يبقى سوى أنفاس تتلاحق .. فلا تجد نفسك إلا وقد حملت على الرقاب ، وفارقت الاهل والأصحاب .. وصلي عليك .. ( وإن لم تصل لم يصلّ عليك ) فتنبه ولات ساعة مندم .. ثم توضع في بيت جديد .. ليس كبيوت الدنيا .. بل روضة من رياض الجنة او حفرة من حفر النار ..ثم يغلق عليك ، ويودعك أهل وخلانك الوداع الاخير حتى انك لتسمع قرع نعالهم .. فتخيل نفسك في تلك اللحظات .. ما الذي تود أن تقوله لهم .. أن تناديهم به . تتمنى لو تسبيحة واحدة .. استغفار واحد .. لكن محال لك ذلك .. ليت شعري بأي أعمالك ، وبأي أحوالك اغتبطت ..
فيأتيانك الملكان ( منكر ونكير ) أعينهما مثل قدور النحاس وأنيابهما مثل صياصي البقر وأصواتهما مثل الرعد ، يجلسانك ليسألانك فيقولان لك: من ربك ؟ ما دينك ؟ما هذا الرجل الذي بعث فيكم ؟ .. فإن كنت ممن آمن بالله وصدق برسوله وعمل صالحا .. فأبشر بالتثبيت من الله " يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء " ، وقد ثبت في الصحيحين ان الآية نزلت في عذاب القبر .. حينها تقول : ربي الله ، وديني الإسلام ، وهذا الرجل هو محمد صلى الله عليه وسلم .. فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فافرشوه من الجنة وافتحوا له باباً إلى الجنة وألبسوه من الجنة .فيأتيك من روحها وطيبها ويفسح لك في قبرك مد بصرك.
واما إن كنت ساهٍ غافل منافق مرتاب أو كافر ، فتقول : آه لا ادري .. نعم كنت يا اخي تعرف من ربك ومن دينك ونبيك ، ولكن ! .. أين العمل والخوف من الله ؟ .. إذاً الجزاء من جنس العمل .. ( لا أدري ) .. هذا ما تملكه .. فينادي مناد من السماء أن كذب عبدي فافرشوه من النار وافتحوا له باباً إلى النار قال فيأتيك من حرها وسمومها ، ويضيق عليك قبرك حتى تختلف أضلاعك .
وفي رواية " يضر بمرزبة من حديد لو ضرب بها جبل لصار تراباً يسمعها ما بين المشرق والمغرب إلا الثقلين فيصير تراباً قال ثم يعاد فيه الروح " .. وجاء في الأخبار "ثم يضربانه بقامع حتى يتلجلج في الأرض السابعة ، ثم تنقضه الأرض في قبره . ثم يضربانه سبع مرات "
********

فيا هذا أين الذي جمعته من الأموال ، و أعددته للشدائد و الأهوال ، لقد أصبحت كفك منه عند الموت خالية صفراً ، و بدلت من بعد غناك و عزك ذلاً و فقراً ، فكيف أصبحت يا رهين أوزاره و يا من سلب من أهله و دياره ؟ ما كان أخفى عليك سبيل الرشاد ، و أقل اهتمامك لحمل الزاد ، إلى سفرك البعيد ، و موقفك الصعب الشديد ، أو ما علمت يا مغرور : أن لا بد من الارتحال ، إلى يوم شديد الأهوال ، و ليس ينفعك ثم قيل و لا قال ، بل يعد عليك بين يدي الملك الديان ، ما بطشت اليدان ، و مشت القدمان و نطق به اللسان ، و عملت الجوارح و الأركان ، فإن رحمك فإلى الجنان ، و إن كانت الأخرى فإلى النيران ، يا غافلاً عن هذه الأحوال . إلى كم هذه الغفلة و التوان ، أتحسب أن الأمر صغير . و تزعم أن الخطب يسير ؟ و تظن أن سينفعك حالك ، إذا آن ارتحالك ، أو ينقذك مالك ، حين توبقك أعمالك ، أو يغني عنك ندمك ، إذا زلت بك قدمك ، أو يعطف عليك معشرك ، حين يضمك محشرمك ، كلا و الله ساء ما تتوهم و لا بد لك أن ستعلم . لا بالكفاف تقنع ، و لا من الحرام تشبع ، ولا للعظاة تستمع ، و لا بالوعيد ترتدع ، دأبك أن تنقلب مع الأهواء ، و تخبط خبط العشواء ، يعجبك التكاثر بما لديك ، و لا تذكر ما بين يديك ، يا نائماً في غفلة و في خبطة يقظان ، إلى كم هذه الغفلة و التوان ، أتزعم أن سترك سدى ، و أن لا تحاسب غداً ، كلا و الله لن يدفع عنك الموت مال ولا بنون ، و لا ينفع أهل القبور إلا العمل المبرور ، فطوبى لمن سمع و وعى ، و حقق ما ادعى ، و نهى النفس عن الهوى ، و علم أن الفائز من ارعوى ، " و أن ليس للإنسان إلا ما سعى * و أن سعيه سوف يرى " فانتبه من هذه الرقدة ، و اجعل العمل الصالح لك عدة ، ولا تتمن منازل الأبرار ، و أنت مقيم على الأوزار عامل بعمل الفجار ، بل أكثر من الأعمال الصالحات ، و راقب الله في الخلوات . رب الأرض و السموات ، ولا يغرنك الأمل ، فتزهد عن العمل ، أو ماسمعت الرسول حيث يقول ، لما جلس على القبور : " يا إخواني ، لمثل هذا فأعدوا " ، أو ما سمعت الذي خلقك فسواك ، يقول : " وتزودوا ، فإن خير الزاد التقوى " .

إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى
و لاقيت بعد الموت من قد تزودا
ندمت على أن لا تكون كمثله
و أنك لم ترصد كما كان أرصدا

كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ