نتواصل اليوم من احد اهم المنابر من المنبر الادبى والدراسه بالغة الاهميه التى اجريت على ديوان قبل الرحيل للشاعر العربى الرائد باسم عبد الحكيم .
وهى بعنوان (اللاءلىء النقيه فى عمق القصيده العربيه - معنى الانتماء فى ديوان قبل الرحيل)
عند تقيم باسم عبد الحكيم تقيم مستقيم البنيه . صلب العود. لابد من العوده للاصول لابد من الوقوف على ناصية التجربه الشعريه برمتها لابد الاتتقيد باحد الدواوين دون غيره حتى وان كان يمثل حدث
واذا كان هناك اصل واحد ينبع منه شعرباسم عبد الحكيم وتجتمع فيه صفاته ومذاياه فهذا الاصل هو الانتماء نعم فباسم عبد الحكيم عيد شاعر منتمى ولقدنرى ان الانتماء صفه جامعه لاينفرد بها شاعر او انسان بالذات فكل منا يجب ان يكون منتميا لجماعه وموطن وثقافه وتاريخ وهذا حق لايجادل فيه احد .لكن ماهو خليق بالمجادله هو اننا لانتمثل انتمائنا ولانحسه بدرجه واحده ولانعبر عنه بطريقه واحده هناك من يشغل بذاته عن كل ما سوها وهناك من يضيق بسلبيات قومه فيثور عليهم اويتبراء منهم وهناك من يتجاوز حدود بلاده وينتمى للانسانيه جمعاء . لكن باسم عبد الحكيم يبداء منا نحن اهله وذويه فينتمى لنا ويجعلنا دليله الى نفسه من ناحيه والى والى الانسانيه من ناحية اخرى انه دائما يرى وجهه فى مرايانا اى فى لغتنا نحن.وثقافاتنانحن. وماضينا نحن. وحاضرنا نحن. يرى الانسانيه ويتصور العالم بل يتمثل ذلك العالم يفرح قليلا ويحزن كثيرا يحب ويكره لكنه ذلك الكره الذى لو اتيح لك فرصة تأمله ستجده يفجر من بين جنباته منتهى الحب منتهى الالتصاق الوجدانى الذى يدعوا بأصرار لتوليد طاقة ما.
يغضب ويطرب . فكانما هو فى تتابع أله سينمائيه على شريطها بعض من بعض . لايكاد يفرق بين اصل وفرع أوبين حقيقه ومجاز أوبين وجهه هو ووجوه سواه رغم ما يتفوق به وعليه من استدلاال تركيبى .
وبعض الانتماء ميراث . فأكثر الناس يرثون ملامح ؟أبائهم .لغة امهاتهم . تقاليد اجدادهم . لكن بعضه الاخر اكتساب واكتشاف. اذ يتاح لبعضنا ان يتعلم ويتفهم ويفكر ويعلم .
وينشىء لنفسه عالما داخل العالم ويكتشف لغه داخل اللغه وهذا هو شان الشاعر باسم عبد الحكيم بالذات. فقدر الشاعر ان يشتغل بالماده التى كان بها الانسان انسانا وهى اللغه .فالانسان قبل ان ينطق حيوان اعجم حتى اذا نطق نهض واقفا يمشى على قدميه ويأكل من عمل يديه والنطق هنا ليس مجرد تصويت ولكنه تفكير وتعقل فأذا قلنا ان الانسان حيوان ناطق فمعنها انه كائن عاقل واذا كان النطق او العقل واحد فى البشر جميعا فاللغات شتى .وهكذا لاتكون الانسانيه الاحيث يكون التعدد والتنوع ولايكون الشعر الابلغه يحبها الشاعر وتحبه ويشاغلها لتشغله .... وندور فى فلك تلك الابيات من ديوان قبل الرحيل لنواكد ونتاكد...
ففى قصيدة الجرح مثلا .. انت لم تبرح الجرح من قبل ان ينفتح فاسترح
مالذى انت قادم له والذى فات مثل الذى لايجيىء ؟
ونجده فى قصيدة اشاره مثلا يقول( باحبك باللغات السبع وصمت الصمت والاشارات
بحبك حتى بالايحاءات .. ويختم قصيدته ب .. بحبك حسانى ولا عفوا مقدرتش اقول بينا مبتحسيش
بحبك يامصر.. ) ونغوص اكثر فى بحر انتماء شعرنا فى قصيدة مهلا ياساده يقول (تكلم حتى اتنبه انك حى وحتى تعرف من انت ... اعبر منطقة النبض الخادع واللحم المخدوع ) نجده هنا فى قوه وشموخ يعرى المجموع من خلال الفرد بل ويجد اتحاديه تتنما معنا طول القصيده ترتكز دلاليا على ان اللحم يخدع اما العقل فيعى .. وفى موضع اخر يعمق الانتماء كمصطلح واسع يفيض ويقول (فكانت سقطتك الكبرى فى الشارع مفتوح العين على لا شىء
اما فى قصيدة (ثلاث مرات ) لوانتخبنا منها هذا البيت الجزل (تسكت انفاسى

تسكن فى القلب القات
لكن تحيينى الكلمات).. هنا نجده يتحد حتى مع انتمائه للعالم الاخر بكل ما يحتوى التعبير الانسانى .. ليواكد فى موضع اخر فى ذات القصيده (من ارض المجهول الى ارض الخوف الطالع فى الاصوات )وفى قصيده اخرى كالبوم الصور نجده يتعامل بمعادل موضوعى فى قالب شعرى مغاير تماما حين يقول (عشت حياتى مسافرا وما من طريق للسفر والعمر مر بى فى لحظه وكأنه لمح البصر )ونجده فى قصيده اخرى (ايامى معديه) ينتقل فى ثلاثه بل فى اجاده للمنثور ويقول(كتر البوح كتر النوح وكتر الهم على القلب وبرضه لساها بتنبض الشريين) ويعود ثلثا الى القالب الحداثى فى قصيدة (عادت) (صبغ الاسود كل الالوان حجرية القلب زجاجية العينان ثلجية الدمع تصخر من كل الاحذان)
ونجده فى موضع اخر يعود الى بناءه الفلسفى ليرتكز فى استدلاليه ابداعيه بقصيدة (عروسه خشب)ونجده يقول ...
الف خيط وخيط للعنكبوت متكتفه بالسكوت
كل الوشوش الحيه فى شوارع وسط البلد
نايمه فى جوف الانكسار,....
وفى موضع اخر يقول(طارح مطارح اسئله ينبوح ينموت ...)ولااحد عناصر الحياه للمراه بوجدانه انتماء ففى قصيدة (تعتقدين|)يقول ... فى جوفك كل الطين وكل الحيتان
امنية محمومه تتضرع بالعصيان
ونهر معكوس الوجه حيران
حيران الضرب والاوطان)ويتجلى انتماءه الذاتى وفلسفته التى تفرد بها فى ارتكاذه الدلالى فى قصيدة (دهليز) حين يقول .. (دهليز داخله هذا الرجل المحنى على ساق واحده وعكاكيز
القابع فى بروازه وسط البراويز المجدول على الشده والبأس
المؤلم ان الرجل المحنى ظل لوقت يتأخر
والليل يعده بالا يتأخر) ويتفوق على نفسه فى تعميق مفهوم الانتماء الاسطلاحى فى قصيدة (فى الشارع)حين يقول .. فى البيوت لاتوجد حدائق او حتى مقانى زهور
القصائص بائسه تنعى نفسها دوما لكن فى فتور)وفى توحده مع الماده ككيان تشكيلى متفرد نجده فى قصيدة (ترى أمازالت لدينا عيون ) يقول كانت تلك العين دموعا فأنبت فيهاالحزن الصبار
امتزج الحنضل بالنار وصار الدمع الصاهر حين يمر على قنوات القلب
جفافا مرا يتحشرج فى الحلق ... )ان كل ما سبق انما هو امثله بسيطه هينه نستدل بها على تبيان حدود مصطلح الانتماء فى قصيد باسم عبد الحكيم وبالاحرى فى ديوان قبل الرحيل فباسم عبد الحكيم فى نسق القصيد لهذا اليوان يحدث نفسه من خلالنا فاللغه عنده ذلك الطفل الذى نما بين جوانحه الوجدانيه ليشكل التركيب الاستدلالى لذات الشاعر فى مجموع الكل وكأنه قيس ولغته ليلى . واذكر هنا مؤكدا من خلال استقراء ودراسه وتفحص ان لغة باسم عبد الحكيم التى ولدت معه تنتمى لاصل بعيد بل وتتصل بسر اقدم من سفر التكوين هو سر الخلق الذى بدا بالكلمه ففى البداء كانت الكلمه الكلمه اذن هى اصلنا الذىنشأنا منه وهى غايتنا التى لاتتحقق الا بالوصول اليها وهذا ليس مجرد تركيب شعرى وانما هو حقيقه علميه بالغة الاهميه فاللغه الرصينه من حيث هى معجم وقواعد ونصوص واساليب موجوده قبلنا سابقة علينا لكنها لاتتحقق الابنا ولانتحقق الابها . وذلك حين نقتنصها كما تقتنص الطيور الابده ونروضها كما نروض الوحوش الشارده ونمتلكها او نحصل على نصيبنا منها . فنحولها من امكان الى فعل ومن لغه الى كلام يشرق فيه نور العقل فيشكل لغة جديده ننتصر فيه للحريه ..
فأذا فقدت اللغه معناها على السنة المنافقين . ودبت فيها الفوضى وصارت خرابا تنعق فيه الغربان فماذا يبقى لنا .لكن اللغه لها فى باسم عبد الحكيم وامثاله من الكتاب والشعراء المجيدين رجال ينفخون فيها من روحهم ومن ذاتهم الحقه حتى تنهض وتقاوم وتقوم فينشر الرجال اشرعتهم لان الريح معهم. واذا كان باسم عبد الحكيم يغازل اللغه الرصينه على هذا النحو من الصراحه فهو فى غلب قصائده يحاورها بل يعانقها دون تصريح وذلك بأختيار مفرداته ويبنى عباراته فيسأل مره ويجيب ويسأل مره اخرى ولايجيب. ويستطرد احيانا ويقصد احيانا ويواكد ويتشكك ويتامل ويتخيل ويتوقع ويتمنى ثم وهو يشكل ايقاعاته ويبحر فى الاوزان الموروثه والاوزان الجديده بل فى البحار المطروقه والبحار المجهوله يقتنص القوافى يواصل طريقه وهى فى مرماه فتجده نظم فى بحر الطويل فذكرنا بالقدماء الفحول ونجده ينقلب الى شعر الحداثه المنثور اما بحر الخفيف والراجس فهو يملك ناصيتهم بمتعه تامه وباسم عبد الحكيم بلغته تلك انما ينتمى لنا جميعا بل وينوب عنا جميعا حتى فى حديثه عن نفسه او الارض المغتصبه او السلام الكاذب واذا كانت احلام الخمسينيات الورديه قد فاتت باسم عبد الحكيم فقد ظهرت هذه الاحلام على حقيقتها الفاجعه بل وكشفت عن اوهام خادعه على يديه وبين ثنايى تركيب بيت قصيده واذا كانت الريح تواتيه فى هذا الذمن البأس الذى لايجد فيه الا ما يرثى له ويهجوه فعزائنا انه شاهد حق يفتح عيوننا على قبح الحاضر ويدعونا باصرار لزمن جديد .. نعم باسم عبد الحكيم يهجوالذمن ولايشكوا منه ويرثى له ويترفع عنه الذمن فى غالب فصائده ذليل رخيص ملتبس ومراوغ والوقت رماد والعصر طغاه وجلادون عذائنا انك بنا واننا بك سنضع القدم بقوه واصرار بل وتحدى على اعتاب زمنك الجديد وهذا موضوع دراستنا النقديه لديوانك القادم (القلب العطشان) اذا امد الله العمر وثبت القلم..



د. محمود ذهنى
استاذ كرسى المصطلح وحدوده بالشرق الاوسط
استاذ الادب بكلية دار العلوم والاستاذالزائر بجامعة
انكهلدل بكندا- نقد الادب الحديث