فهمي هويدي

ما زلت عاجزاً عن الاقتناع بمبادرة الداعية عمرو خالد، التي خاض بها ساحة السجال حول الرسوم الدنماركية، وكانت وراء دعوته إلى المؤتمر الحواري الذي تستضيفه كوبنهاجن غداً وبعد غد، ولست أخفي أنني لم أستسغ اقحامه لنفسه في الموضوع بهذه الصورة، التي حشد لها نخبة من العلماء والدعاة الذين نجلهم ونحترمهم، وأخشى ما أخشاه أن يتحول المؤتمر بعد انفضاضه إلى مجرد فرقعة إعلامية، تسحب من رصيد عمرو خالد أو تجرح صورته، في حين توظفها الحكومة الدنماركية سياسياً لصالحها.

وقبل أن أورد تحفظاتي على مبادرته أود التنبيه إلى أمور ثلاثة هي:
* الأول: أن عتبي عليه وحيرتي إزاء ما فعل لم يقللا من محبتي الشخصية له أو ثقتي في صدق نيته ونبل مقصده، ولذلك فإنني أرجو أن يستقبل كلامي بحسبانه قلقاً عليه بأكثر منه نقداً له، وحرصاً على الحفاظ على مكانته وليس النيل منها.

* الثاني: أنني قبل أن أكتب رأيي في “المبادرة” استطلعت انطباعات آخرين من محبي عمرو خالد ومشجعيه، ومنهم من أعرف أنه يحرص على استطلاع آرائهم في بعض مشروعاته وبرامجه وأفكاره، التماساً للنصح وإثراء للعمل الذي يؤديه، ولأنني واحد من هؤلاء، فقد سمحت لنفسي أن أتشاور معهم في شأن المبادرة التي فاجأتنا، ووجدت أن عدم الاقتناع بها يمثل قاسماً مشتركاً بيننا، وهو ما شجعني على التقدم باتجاه التعبير عن ذلك الموقف المتحفظ.

« الثالث: إنه كان بوسعي أن أبعث برأيي إليه في رسالة خاصة، كما حدث في حالات أخرى سابقة، ولكني وجدت أن الجدل حول المبادرة خرج إلى العلن، وأنها تعرضت للنقد من جانب الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي رئيس اتحاد علماء المسلمين، الذي اعتذر عن عدم المشاركة في الوفد المتجه إلى كوبنهاجن، كما تعرضت لنقد مماثل من جانب الجالية المسلمة في الدنمارك ذاتها، ولأن تاريخ المسلمين حافل باستدراكات أهل العلم بعضهم على بعض، فإنني لم أجد غضاضة في أن أضع تحفظاتي على المبادرة بين أيدي الكافة إبراء للذمة، من باب تصحيح الرؤى إن لم يكن تصحيح المسار.

إننا نعرف عمرو خالد داعية حقق نجاحاً مشهوداً في مخاطبة الشباب بوجه أخص، ويحسب له أنه اختار دائرة محددة لخطابه، حيث ركز على الهموم التي تعوق نهضة المسلمين، وعلى منظومة القيم الإيجابية والفضائل التي تفتقدها مجتمعاتنا في عالمنا المعاصر.

في الوقت ذاته يحسب له أيضاً أنه دائم الحذر في التعامل مع ملفين أساسيين هما: الفقه والسياسة بمفهومها المباشر، فقد ترك الفقه والفتوى لأهل الاختصاص، ثم أنه لم يخض تجاذبات السياسة وصراعاتها، وقدم نفسه باعتباره داعياً مستقلا عابراً للجماعات وللأوطان، اختار أرضية معينة وقف عليها، واستهدف جمهوراً معيناً عني بمخاطبته.

وبوسع المتابع لمسيرة عمرو خالد أن يلاحظ أنه خلال السنوات الأخيرة بدأ يتجاوز الدائرة التي أجاد فيها وأبدع، حيث أغراه النجاح بأن يتطلع لتحقيق أهداف أبعد، تتجاوز الدعوة إلى الفعل، وتنقله من دائرة التبشير والتنوير إلى موقع الساعي إلى التغيير، صحيح إن كل تغيير لابد أن يسبقه تبشير، ومن ثم فالترابط قوي بين الدائرتين، لكن الذي فات عمرو خالد أن لكل دائرة أهلها واختصاصها، ففكرة “صناع الحياة” مثلا تحتاج إلى داعية مثله لكي يشحذ همم الشباب ويحثهم على ضرورة الانتقال من السلب إلى الإيجاب، لكن مشروعات «صناعة الحياة» تتطلب خبراء في شئون التنمية الذاتية قادرين على الإبداع في هذا المجال، وعلى دراية بإمكانية وخصوصيات المجتمعات التي يتعاملون معها.

وكان حرياً به، وهو الذي مارس الحذر في الدعوة إلى الإسلام دون أن يخوض في أمور الفتوى، أن يسير في ذات النهج بحيث يدعو إلى الإيجابية في التدين ويحفز الشباب إلى أهمية المشاركة في صناعة الحياة، دون أن يزج بنفسه في مشروعات «الصناعة» وآلياتها، لكنه تخلى عن حذره في هذا الجانب للأسف، وكانت النتيجة أنه مارس أنشطة في مجال «صناعة الحياة»، اتسمت بالتبسيط والسذاجة، على ما سمعت من بعض خبراء التنمية الذاتية، وتلك كانت نتيجة متوقعة ومفهومة، لسبب أساسي هو أنه أقحم نفسه ـ بحسن نية ـ في مجال آخر يتطلب مؤهلات وقدرات لم تتوافر له.

قرأت للمستشار طارق البشري، المفكر المعروف، كلاماً مهماً يسلط مزيداً من الضوء على هذه النقطة، قال فيه إن الاقتناع بشمولية الإسلام ينبغي أن يستصحب إدراكاً لوجود تخصصات للأفراد العاملين والمؤسسات القائمة على أي شأن من شئونه، لذلك فإنه يظل من المهم للغاية أن يكون في خاطر المسلم وهو يرسم أطر أنشطته وجوه الأنشطة الأخرى ذات التميز عنه، لئلا تتعارض ولئلا يضعف بعضها بعضاً، وعليه أن يجتهد في أن يكون على وفاق وانسجام وتكامل مع ذوي التخصصات الأخرى.. صحيح أن الدعوة هي بحق من أوسع أبواب العمل الإسلامي، وهي من المجالات الفسيحة التي تتصل بمختلف التخصصات، إلا أن تلك العلاقة ينبغي أن تظل في حدود اتصال الملامسة وليس اتصال الاستيعاب، ولذلك يحسن بالدعوة أن تظل حريصة على ألا تستوعب أي وجه من وجوه الأنشطة التخصصية الفنية ولا تستوعب فيه، بمعنى أنه يحسن لها أن تستبقي لذاتها من عموم الدعوة، ما لا يجعلها تنحصر في وجه نشاط محدد، يحتاج إلى خبرات ومعارف تخصصية، ولا أن تنحصر في مشروع أو مشروعات عينية ملموسة محدودة، قد تصلح في التطبيق أو لا تصلح، وقد تصلح في ظرف زمان ومكان دون غيره من الظروف المتغيرة.

في تعامله مع الرسوم الدنماركية تمنيت أن يمارس عمرو خالد دوره كداعية، فيلامس الموضوع، إذا استخدمنا مصطلح المستشار البشري، مكتفياً بتحديد موقف مما جرى، ومنبهاً الرأي العام إلى أهمية ضبط الاحتجاج وترشيده، بحيث لا يتحول إلى انفعال يضر بالقضية ولا يخدمها، ولا بأس من أن يدعو الجهات المعنية في العالم الإسلامي إلى تحمل مسئوليتها في هذا الصدد، ولكن الذي حدث أنه ترك موقع الداعية، ونزل إلى الساحة بمبادرته، التي تضمنت تصدياً لملفات عدة، اعتبرها نموذجاً لما لا ينبغي للداعية أن يتورط فيه، إذ فضلا عن أنه بها يتجه إلى جمهور غريب عليه، لا يعرف لغته ولا طريقة تفكيره، فإنه يفتح ملفات مشكوكاً في جدوى الجهد الذي يبذله فيها داعية فرد، لأنها تحتاج إلى مؤسسات مقيمة في الغرب ومتفرغة، من ذلك قضية التعريف بالنبي وبالإسلام المحكومة هناك بتراث ثقافي مضاد تمتد جذوره إلى الحروب الصليبية، كما يفتح ملفاً آخر ليس له فيه باع، مثل قضية حرية التعبير التي هي مسألة قانونية ودستورية، وملفاً ثالثاً يفوق قدرته، وليس له به صلة مثل مشروعات التعايش مع الغرب، وهو يسوغ لنا أن نقول إنه كرر الخطأ الذي وقع فيه من قبل، حيث غادر الموقع الذي أجاد فيه وأبدع، وخاض في أمور لم يعرف عنه أنه خبرها أو أجاد فيها.

لقد بدا مثيراً للدهشة والاستغراب مثلا أن يطرح عمرو خالد مبادرته، في حين تحركت للتعامل مع القضية مؤسسات وتجمعات أخرى في العالم الإسلامي، وحققت في مسعاها تقدماً طيباً، وهو ما حدث مع منظمة المؤتمر الإسلامي مثلاً التي قاد أمينها العام حملة مطالبة الحكومة الدنماركية بالاعتذار، ودخل في مباحثات مع الاتحاد الأوروبي لاستصدار قرار يحظر الإساءة إلى مختلف الأديان والمقدسات، وأخشى ما أخشاه أن يكون عمرو خالد بما فعل قد أضعف ذلك الجهد، الذي هو أجدى وأنفع من أي حوار يمكن أن تجريه القافلة التي ستذهب إلى كوبنهاجن لمدة يومين، ثم ينفض السامر بعد ذلك، ويذهب كل إلى حال سبيله.

ثمة جهات أخرى عديدة كانت لها مواقفها واسهاماتها في القضية (الحملة العالمية لنصرة نبي الإسلام ستعقد مؤتمراً تستضيفه البحرين في منتصف الشهر الحالي)، وتلك الجهات لها مؤسساتها ذات الوزن في العالم الإسلامي، وإذا تحركت وطرحت أفكاراً حددت فيها اقتراحات أو مطالبات، فبوسعها أن تدعى تمثيلاً نسبياً للأمة يتمتع بالشخصية الاعتبارية، الأمر الذي يستدعي أسئلة من قبيل: باسم من، وبأي صفة يخاطب عمرو خالد الشعب الدنماركي أو الغرب؟ ولماذا قفز فوق تلك الكيانات والجهود، وآثر أن يصل منفرداً، ومصطحباً معه بعض الشخصيات الإسلامية؟ ولماذا تعامل مع الحكومة الدنماركية مباشرة، متجاهلاً الجالية الإسلامية هناك، التي لم يشاورها أحد ولم تدع ـ حتى كتابة هذه السطور على الأقل ـ إلى المؤتمر المزمع عقده غداً؟ وهل هو مدرك للدور الصهيوني في الحملة، خصوصاً بعدما نشر عن علاقة بين ناشر الصور المسيئة لنبي الإسلام، وبين أعدى أعداء الإسلام والمسلمين في أميركا، الصهيوني العتيد دانيال بابيس، وقد كتب أن الناشر كان في زيارة له قبل إطلاقه لحملته المشينة؟ ثم من يتعين عليه أن يذهب لمن، الصحيفة هي التي تذهب إلى الجاني أم العكس؟

إنني حين أتطلع إلى العالم الإسلامي الآن، وأتساءل عن هموم الساعة الساخنة التي تتطلب استنفارات، ومن ثم ينبغي أن نعبئ الجماهير لأجلها ونستنهض همة الكافة للدفاع عنها، ونحتاج لأجل ذلك إلى جهد الدعاة البارعين من أمثال عمرو خالد، فإنني لا أكاد أجد مكاناً في أولوية تلك الهموم لمسألة الرسوم الدنماركية، التي صارت هماً أوروبياً بامتياز (لأسباب اقتصادية بحتة) لكني سأجد على رأس القائمة مثلاً قضية الإتجاه إلى تجويع الشعب الفلسطيني وحصاره، ومحاولة إحراق العراق بنار الفتنة الطائفية بين السنة والشيعة، ومأساة مسلمي كشمير الذين ضربهم الزلزال وشرد عشرات الألوف منهم، الذين هم أحوج ما يكونون للعون والإغاثة.

في هذه المجالات، يحزنني أن أبحث عن عمرو خالد ودوره التعبوي، فأجده مشغولاً بهم الأوروبيين، وواقفاً على مسافة شاسعة من هموم المسلمين المحدقة، الأمر الذي يدعوني لأن أوجه إليه نداء بأعلى صوت راجياً منه ألا يذهب بعيداً، وأن يعود إلى أهله وحضن أمته بأسرع ما يمكن.
* نقلا عن جريدة الشرق الأوسط