الاستفتاء خلاف داخلي, ولعبة فلسطينية داخلية, وهو أمر لا يعنينا, ولا قيمة له ", هكذا علق رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي إيهود أولمرت على الاستفتاء الذي أقره لاحقا رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية أبو مازن بمرسوم رئاسي, ليقول للفلسطينيين وبوضوح شديد: "تنازعوا كيفما شئتم, وتحاوروا كيفما شئتم, وصوتوا مع أو ضد وثيقة أسراكم, فإن تغريدكم هو خارج السرب الإسرائيلي, إنني ماض بثبات نحو تنفيذ خطتي في الانفصال الأحادي عنكم, شئتم أم أبيتم, سواء كانت فتح أو حماس في الحكومة, فهذا أمر عندي متساو".
لكن, بعدما تبين للكيان الصهيوني بأن أطرافا فلسطينية لم تستوعب بعد أبعاد هذه الرسالة, والمقصود هنا الأطراف التي تصر على الاستفتاء الشعبي لتمرير ما سمي بوثيقة الوفاق الوطني, بادر إلى التصعيد العسكري الإجرامي الذي افتتح مشهده الإرهابي الجبان باغتيال الشهيد جمال أبو سمهدانة وثلاثة من رفاقه فجر الجمعة الماضي, وباقتراف مجزرة دموية بشعة في حق مصطفي شاطئ بيت لاهيا ذهب ضحيتها شهداء أبرياء لاذنب لهم سوى أنهم فلسطينيون.
لكن يبدو أن البعض لم يستفد بعد من أخطاء الماضي التي أوصلت الحالة الفلسطينية إلى ما هي عليه من تدهور, وراح يعاند باستكبار, ويستهتر بدم الشهداء الذي لم يجف بعد, في فرض هذا الاستفتاء على الشعب الفلسطيني في وقت غير مناسب لا سياسيا ولا شعبيا.
والدعوة إلى الاستفتاء هي بدعة جديدة على القانون الأساسي الفلسطيني, نظرا لغياب الأساس القانوني والتنظيمي المؤطر لها, فليس هناك نص صريح في القانون الأساسي يتحدث عن ماهية الاستفتاء, وطريقة إجراءه, والحالات الممكن اللجوء فيها إليه, وما هي الجهة المخولة للدعوة إليه, والآجال القانونية, ونسب المشاركة الدنيوية التي بدونها يعتبر لاغيا...
وخلاصة القول، ثمة غموض كبير يلف عملية الاستفتاء ويضعها خارج القانون. ثم هل يعقل إجراء استفتاء شعبي على قضايا خلافية بعد مرور أربعة أشهر فقط على انتخابات تشريعية شهد العالم كله بنزاهتها, وقال فيها الشعب الفلسطيني كلمته الفصل بكل وعي ومسؤولية؟ المطلوب الآن هو احترام اختيار الشعب, ومساعدة حكومته المنتخبة ديمقراطيا على تحقيق برنامجها السياسي والإصلاحي, تعزيزا لمسار الوحدة الوطنية والإجماع الذي كرسته التجربة الديمقراطية في يناير الماضي, وهذا هو الطريق الوحيد والممكن لتوحيد الصف الداخلي وتصليب الجبهة الخارجية للنهوض بالتحديات كافة.
أما اللجوء إلى الاستفتاء, وبغض النظر عن نتائجه, في ظل الظروف الاجتماعية القاسية التي يرزح تحتها المواطن الفلسطيني, وفي ظل معارضة قوى سياسية ثقيلة لإجرائه كحماس والجهاد الإسلامي وغيرها من الفصائل, فهو خطوة إلى الوراء, ومدخل لمزيد من التفرقة والتشتت الداخلي، بما يخدم الإستراتيجية الإسرائيلية التي تراهن على الاقتتال الداخلي للإجهاز الكامل على ما تبقى من حقوق للفلسطينيين, ويقوض في المقابل الآمال في تحقيق المشروع الوطني الفلسطيني.
وما نخشاه هو أن يقوم الكيان الصهيوني بمجازر جديدة في حق الشعب الفلسطيني في حالة إقرار الوثيقة التي يرفض التعامل معها -مستفيدا من حالة الفلتان الأمني الذي يمكن أن يطفو على السطح بقوة- على غرار ما قام به من مجازر واجتياحات ومحاصرة للمقاطعة في رام الله, عقب إقرار مؤتمر بيروت للمبادرة العربية للسلام في العام 2002، الذي قال عنها شارون آنذاك إنها لا تساوي قيمة الحبر الذي كتبت به، فأي رهان إذن يمكن أن نعقده على وثيقة لا تحظى لا بالإجماع الفلسطيني الداخلي, ولا بالدعم العربي ولا بالرضى الدولي؟
وأي سلام, وأي تفاهم يمكن أن يجمعنا مع كيان عنصري تنكر لجميع القرارات والمواثيق الدولية, وضرب بعرض الحائط كل الأعراف الإنسانية, وقابل كل محاولات التفاهم والسلام بالتهكم والسخرية والرد العسكري الجهنمي؟ إنه كيان لا يفهم سوى لغة واحدة عنوانها القتل والدمار.