محمد صادق دياب
كنت طفلا حينما جاء جدي من البحر محملا ببعض زجاجات الكولا التي ابتاعها من إحدى البواخر الراسية على سواحل جدة.. كانت أول مرة أشاهد فيها ذلك الشراب السحري الأسود، ولم يكن في بيتنا آنذاك برادات ولا يحزنون، كما لم نكن نعرف أصلا أن هذا الشراب يفترض أن يبرد، فتناولناه ساخنا رطبا كصيف جدة، ومن يومها بدأت حالة الإدمان، وغدا جدي مضطرا أن يلوح بمركبه الشراعي لبحارة السفن الراسية أن يمدوه بذلك المشروب الذي ينثر الفرح على شفاه أحفاده في كل مرة يعود فيها من الميناء وقد عبأ شاله بتلك الزجاجات الأنيقة، حتى ظن جارنا مرزوق أن جدي قد استبدل رزقه الحلال من البحر، وغدا أكبر مهرب للخمور الخواجاتية التي لا عهد لهذه المدينة بها من قبل..
وكبرنا، وتوافدت على المدينة بعد ذلك أنواع متعددة من شراب الكولا بعضها انقرض، وبعضها صمد، حتى انحسرت المنافسة بعد ذلك بين «الكوكا» و«البيبسي»، وأغلق صانع «الشربيت» المحلي مصنعه، وحول المكان إلى متجر لبيع كل شيء بريال.
وقد اشتعلت المنافسة بين الشركتين حتى في أشكال الزجاجات التي يقدم فيها ذلك الشراب السحري، وإن تمكن مصممو الكوكاكولا من تصميم زجاجة عجيبة مخروطية الشكل رقيقة الخصر تشبه جسد المرأة الفاتنة وفق المقاييس الجمالية التي كانت سائدة في عقدي الخمسينات والستينات من القرن الماضي، تلك المقاييس التي كانت تمثلها بصورة خاصة الممثلة الأميركية الراحلة مارلين مونرو، لكن هذه الدعاية التي ارتبطت بتلك الزجاجة وما أحدثته من تأثير على شريحة واسعة من المستهلكين، لم تخل من تأثير عكسي حينما أثارت غيرة بعض الزوجات، فقررن مقاطعة الكوكاكولا وما تحدثه زجاجاتها من تداعيات في أذهان الأزواج فارغي العيون، وقد صب ذلك في مصلحة البيبسي كولا التي لم تتوان هي الأخرى من القيام بحملات دعائية عالمية كبرى أسهمت في اجتذاب شريحة كبيرة من مستخدمي الكولا.
وما يجعلني أقف اليوم احتراما لشركة «بيبسي كولا» رؤيتها الحضارية للمنافسة، فلقد رفضت بشموخ قبل أيام أن تبتاع من بعض اللصوص سرا عظيما من أسرار تركيبة مشروب الكوكاكولا، وأسهمت بتعاونها مع مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف.بي.آي) ومع منافستها كوكاكولا، في أن يوجه مدعون أميركيون تهما إلى ثلاثة أشخاص بسرقة تلك الأسرار. ومهما يكن الأمر، فإن هذه الحرب المشتعلة بين شركتي الكولا تشبه من حيث استمرارها وعنادها إلى حد ما حرب داحس والغبراء، ولكن الفارق الوحيد بينهما أن السائل المراق في حروب الكولا ليس دما.
* نقلا عن صحيفة" الشرق الأوسط" اللندنية