جزء من الخطبة مهم لمن أراد الحق وشرح الله صدرهـ :

إخوةَ الإسلام، المجازفةُ بالتكفير شرٌّ عظيم وخطر جسيم، كم أذاق الأمّةَ من الويلات ووبيل العواقب والنهايات، لا يسارِع فيه مَن عِنده أدنى مَسكة من ورعٍ وديانة أو شذرة من عِلم أو ذرّةٍ من رزانة، تتصدّع له القلوب، وتفزَع منه النفوس، وترتعِد من خطرِه الفرائص، يقول الإمام الشوكانيّ رحمه الله: "وها هنا تُسكَب العبرات ويُناح على الإسلام وأهلِه بما جناه التعصّبُ في الدين على غالبِ المسلمين من الترامي بالكُفر لا لسنّةٍ ولا لقرآن، ولا لبيانٍ من الله ولا لبرهان، بل لما غلَت به مراجلُ العصبيّة في الدين وتمكّن الشيطان الرجيم من تفريقِ كلمة المسلمين لقَّنهم إلزاماتِ بعضِهم لبعض بما هو شبيهُ الهباء في الهواء والسّراب بقيعةٍ، فيا للهِ والمسلمين من هذه الفاقِرة التي هي أعظمُ فواقرِ الدين والرّزيةِ التي ما رُزِئ بمثلِها سبيلُ المؤمنين... ـ إلى أن قال رحمه الله: ـ والأدلّة الدالّة على وجوب صيانةِ عِرض المسلم واحترامِه تدلّ بفحوى الخطاب على تجنُّب القدح في دينه بأيِّ قادِح، فكيف إخراجه عن الملّة الإسلاميّة إلى الملةِ الكفريّة؟! فإنّ هذه جنايةٌ لا يعْدلُها جناية وجرأةٌ لا تماثِلها جرأة، وأين هذا المجترِئ على تكفير أخيه من قولِ رسول الله : ((المسلمُ أخو المسلم؛ لا يظلِمه ولا يُسلمُه)) ، وقوله عليه الصلاة والسلام: ((سِبابُ المسلم فسوقٌ وقِتالُه كفر)) ، وقوله : ((إنّ دماءَكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام)) " انتهى كلامه رحمه الله .

إخوةَ الإيمان، لقد جاءتِ النصوصُ الزاجرة عن هذا المرتعِ الوخيم والمسلَك المشين، يقول سبحانه: { فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [النساء:94]، وفي الصحيحين من حديث ابنِ عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : ((إذا قال الرجلُ لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدُهما، فإن كان كما قال وإلاّ رجعت عليه)) ، وفيهما من حديث أبي ذر رضي الله عنه أنه سمع رسولَ الله يقول: ((من دعا رجلاً بالكفر أو قال: عدوّ الله وليس كذلك إلا حارَ عليه)) ، وعند الطبرانيّ بسند صحيحٍ أنّ رسولَ الله قال: ((مَن رمى مؤمِنًا بكفرٍ فهو كقتلِه)).

وعلى هذا المنهَج الناصِع الوضيء سارَ صحابةُ رسول الله ، خرّج الإمام أحمد والطبرانيّ وغيرهما عن أبي سفيانَ قال: سألتُ جابرًا وهو مجاورٌ بمكّة: هل كنتم تزعُمون أحدًا من أهل القبلة مشركًا؟ فقال: معاذ الله، وفَزع لذلك، فقال رجلٌ: هل كنتم تدعون أحدًا منهم كافرًا؟ قال: لا.

وعلى هذا المسلَك المشرِق اللألاء سارَ السلف الصالح رحمهم الله، فوضَعوا لهذا الحكم أصولاً وشروطًا وضوابط، ورسموا له حالاتٍ وموانع، لا بدّ من مراعاتها والتثبُّت فيها، وما ذلك إلاّ لخطورته ودقّته.

وأهمُّ هذه الضوابط ـ يا عبادَ الله ـ أنّ التكفيرَ حكم شرعيٌّ ومحضُ حقّ الله سبحانه ورسولهِ ، يقول الإمام العلامة ابن القيم رحمه الله:
الكفر حقُّ الله ثم رسولِـه بالنصِّ يثبت لا بقول فلان
من كان ربُّ العالمين وعبدُه قد كفّراه فذاك ذو الكفران .


ويقول الإمام الطحاويّ رحمه الله: "ولا نكفّر أحدًا من أهل القبلةِ بذنبٍ ما لم يستحلَّه"]، قال ابن أبي العزّ رحمه الله: "إنّ بابَ التكفير وعدم التكفير بابٌ عظُمت الفتنةُ والمحنةُ فيه، وكثر فيه الافتراق، وتشتّت فيه الأهواء والآراء، وتعارضَت فيه دلائلُهم، فالنّاس فيه على طرفين ووسَط" ، ثم قال: "وإنه لمن أعظمِ البغي أن يُشهَد على معيَّن أن اللهَ لا يغفر له ولا يرحمه، بل يخلّده في النار"، وقال الغزاليّ رحمه الله: "والذي ينبغي الاحترازُ منه التكفيرُ ما وجد إليه سبيلا، فإنّ استباحةَ الدماء والأموال من المصلِّين إلى القبلةِ المصرّحين بقول: لا إله إلا الله محمّد رسول الله خطأ، والخطأ في ترك ألفِ كافرٍ في الحياة أهونُ من الخطأ في سفكِ دمٍ لمسلم" ، وقال الإمام النوويّ رحمه الله: "اعلم أنّ مذهبَ أهل الحقّ أنه لا يكفَّر أحدٌ من أهل القبلةِ بذَنب، ولا يُكفَّر أهلُ الأهواء والبدَع وغيرُهم" ، ويقول الإمام القرافيّ رحمه الله: "كونُ أمرٍ ما كفرًا أيّ أمرٍ كان ليس من الأمور العقليّة، بل هو من الأمور الشرعيّة، فإذا قال الشارع في أمرٍ ما: هو كفر فهو كُفر"، ويقول شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله: "فلهذا كان أهلُ العلم والسنّة لا يكفِّرون من خالفَهم وإن كان ذلك المخالِف يُكفِّرهم؛ إذِ الكفر حكمٌ شرعيّ، فليس للإنسان أن يعاقبَ بمثلِه كمن كذب عليكَ وزنى بأهلِك، ليس لك أن تكذِب عليه ولا تزني بأهله، لأنّ الكذبَ والزنا حرامٌ لحقّ الله تعالى، وكذلك التكفير حقُّ الله، فلا يُكفَّر إلاّ من كفّره الله ورسوله" ، وقال الشيخ المجدِّد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: "وبالجملةِ فيجب على كلِّ من نصَحَ نفسَه أن لا يتكلَّم في هذه المسألةِ إلا بعلمٍ وبرهانٍ منَ الله، وليحذَر من إخراج رجلٍ من الإسلام بمجرَّد فهمِه واستحسان عقله، فإنّ إخراجَ رجلٍ من الإسلام أو إدخالَه من أعظم أمور الدّين، وقد استزلَّ الشيطان أكثرَ الناس في هذه المسألة" .

الله أكبر، هذا هو ورَعُ السلف في هذا الباب، فكيف يسوغ بعدَ هذه النقول كلِّها لمن لم يبلُغ في مقدار علمهم وفضلهم نقيرًا ولا قطميرًا أن يتجاسَر على المسارعةِ إلى الحكم بالكفر الصُّراح في حقّ إخوانه المسلمين جملةً وتفصيلاً عياذًا بالله عياذًا، أوَما علِم هؤلاء ما يترتَّب على التسرُّع في التكفير من أمورٍ خطيرة مِن استحلال الدمِ والمال ومنعِ التوارُث وفسخِ النكاح وتحريم الصلاةِ عليه وعدَم دفنِه في مقابر المسلمين، مع ما يستوجبه من الخلودِ في النار والعياذ بالله، إلى غير ذلك ممّا هو مزبورٌ في مظانِّه؟! فلا جرَمَ بعد ذلك كلِّه أن يقفَ الشرعُ منه موقِفًا صارمًا، يسدُّ الطريقَ على أحفاد ذي الخويصرة وحرقوص بن زهير ومَن خرج مِن ضئضِئهم ممّن يكفّرون أهلَ الإسلام ويدَعون أهلَ الأوثان، بل يوزّعون صكوكَ جهنّم على الخليقة وهم لا يشعرون، والله المستعان.