موضوع: تابع مجالس رمضان (السادس , السابع , الثامن )

ردود: 5 | زيارات: 569
  1. #1

    Post تابع مجالس رمضان ( السادس , السابع , الثامن , التاسع )

    المجلس السّادس - في أقسام النَّاس في الصيَام

    - الحمد للهِ الَّذِي أتقَنَ بحكمتِهِ مَا فَطرَ وبنَى، وشرعَ الشرائعَ رحمةً وحِكْمةً طريقاً وسنَناً، وأمرنَا بطاعتِه لا لحَاجتِهِ بلْ لَنَا، يغفرُ الذنوبَ لكلِّ مَنْ تابَ إلى ربَّه ودَنا، ويُجزلُ العطَايَا لمَنْ كان مُحسناً { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ } [العنكبوت: 69] أحْمده على فضائلهِ سِرّاً وعلَناً، وأشهد أنْ لا إِله إِلاَّ الله وحدَه لا شريكَ له شهادةً أرْجو بها الفوزَ بدارِ النَّعيمِ والْهنَا، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُهُ ورسولهُ الَّذِي رفَعَه فوقَ السموات فدَنَا، صَلَّى الله عليه وعلى صاحِبه أبي بكر الْقائمِ بالعبادةِ راضياً بالعَنا، الَّذِي شَرَّفه الله بقوله: { إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [التوبة: 40]، وعلى عُمرَ المجدِّ في ظهور الإِسلام فمَا ضعُف ولا ونَى، وعلى عثمانَ الَّذِي رضيَ بالْقَدرِ وقد حلَّ في الفناءِ الفنا، وعلى عليٍّ الْقريبِ في النَّسب وقد نال المُنى، وعلى سائرِ آلِهِ وأصحابه الكرام الأمَنَاء، وسلَّم تسليماً.

    * إخواني:سبَقَ في المجلس الثالث أنَّ فَرْضَ الصيام كان في أولِ الأمر على مرْحلتين، ثم استقرتْ أحْكامُ الصيامِ فكان الناسُ فيها أقساماً عَشرَةً:
    - القسمُ الأوَّلُ:
    المُسلِمُ البالغُ العاقلُ المقيمُ القادر السالمُ من الموانعِ، فيجبُ عليه صومُ رمضانَ أدَاءً في وقتِه لدلالةِ الكتاب والسُنَّةِ والإِجْماع على ذلك، قال الله تعالى: { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [البقرة: 185] وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلّم: « إذا رأيتمُ الهلاَلَ فصُوموا »، متفق عليه. وأجمع المسلمونَ على وُجوبِ الصيامِ أداءً على مَنْ وصفنا.
    - فأمَّا الكافرُ فلا يجب عليه الصيام ولا يصِحُّ منه لأنَّه ليس أهلاً للعبادةِ، فإذَا أسْلمَ في أثْناءِ شهرِ رمضانَ لم يلزمه قضاءُ الأيام الماضية، لقولِه تعالى: { قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ } [الأنفال: 38]. وإنْ أسْلمَ في أثَناءِ يوم منه لزمه إمساكُ بقيِّة اليَومِ لأنَّه صار من أهلْ الوجوبِ حين إسلامه ولا يلزمه قضاؤه لأنه لم يكن من أهل الوجوب حينَ وقْت وجوبِ الإِمسَاكِ.

    - القسم الثاني:
    الصغيرُ فلا يجب عليه الصيامُ حتى يبلُغَ لقول النبيِّ صلى الله عليه وسلّم: « رُفِعَ القَلَمُ عن ثلاثةٍ: عن النائم حتى يستيقِظَ وعن الصغير حتى يكْبُرَ وعن المجنونِ حتى يفيقَ »، رواه أحمدُ وأبو داودَ والنسائيُّ وصححه الحاكم. لكن يأمُرُه وليُّه بالصومِ إِذَا أطاقه تمريناً لَهُ على الطاعة ليألفَهَا بعْدَ بلوغِهِ اقتداءً بالسلفِ الصالح رضي الله عَنْهم. فقد كان الصحابةُ رُضوان الله عليهم يُصَوِّمُون أولادَهم وهُمَ صِغارٌ ويذْهَبون إلى المسجد فيجعلون لهم اللُّعْبةَ من الْعِهنِ (يعني الصوف أو نحوَه) فإذا بكَوا من فقْدِ الطعامِ أعطوهُم اللعبة يتَلهَّوْن بها.
    - وكثيرٌ من الأولياءِ اليومَ يغْفُلونَ عن هذا الأمْرِ ولا يأمرونَ أولادَهم بالصيام، بلْ إنَّ بعْضَهم يمنعُ أولادَه من الصيامِ مع رغْبَتهم فيه يَزعُم أنَّ ذلك رحمةٌ بهم. والحقيقةُ أنَّ رحْمَتهمْ هي القيامُ بواجب تربيتهم على شعائر الإِسلام وتعالِيْمهِ القَيِّمةِ. فمنْ مَنعهم مِن ذلك أوْ فرَّط فيه كان ظالماً لهم ولِنَفْسه أيضاً.. نعَمْ إنْ صَاموا فَرأى عليهم ضَرراً بالصيامِ فلا حرجَ عليه في منعهم منه حِيْنِئذٍ.

    * ويَحْصل بُلوغُ الذكر بواحدٍ من أمور ثلاثةٍ:
    - أحدُها: إِنزالُ المَنيِّ باحتلامٍ أو غيرهِ لقولِه تعالى: { وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } [النور: 59]، وقولِهِ صلى الله عليه وسلّم: « غُسْلُ الجُمُعةِ واجِبٌ على كلِّ محتلم »، متفق عليه.
    - الثاني: نبَاتُ شَعرِ العَانةِ وهو الشَّعْر الْخشِنُ ينْبُت حوْلَ الْقُبلِ، لقول عَطيَّة الْقُرَظِّي رضي الله عنه: « عُرِضْنا على النبيِّ صلى الله عليه وسلّم يومَ قُرَيْظةَ فمن كان محتلماً أو أنبتت عانته قتل ومن لا تُرِكَ »، رواه أحمد والنسائي وهو صحيح.
    - الثالثُ: بلوغُ تمامِ خَمْسَ عَشْرةَ سنةً لقولِ عبدالله بن عُمرَ رضي الله عنهما: « عُرِضْت على النبيِّ صلى الله عليه وسلّم يوم أحد وأنا ابنُ أربَعَ عَشرَةَ سنةً فلم يُجْزني » (يعني: القتالِ) زاد البيهقيَّ وابنُ حبَانَ في صحيحه بسند صحيح: « ولم يرني بلغت، وعرضت عليه يوم الْخَنْدَقِ وأنا ابنُ خمْسَ عَشْرةَ سنةً فأجازنِي »، زاد البيهقي وابن حبان في صحيحه بسند صحيح: « ورآني بَلغْت » رواه الجماعة. قال ابن نافع: فقَدِمتُ على عُمرَ بن عبدِالعزيز وهو خليفة فحدثته الحديث فقال: إن هذا الحد بين الصغيرِ والكبيرِ، وكتَبَ لعُمَّاله أنْ يفرضُوا ( يعني من العطاء ) لمنْ بلَغَ خمسَ عَشْرَةَ سنةً، رواه البخاريُّ.
    - ويحصل بلوغُ الأُنثى بما يحْصلُ به بلوغُ الذَكَرِ وزيادة أمرٍ رابعٍ وهو الحيضُ، فمتى حاضتْ الأُنثى فقد بلغتْ، فيجري عليها قلَمُ التكليفِ وإنْ لم تبلُغْ عشر سنينَ، وإذا حصل البلوغُ أثْنَاء نهار رمضانَ فإنْ كان منْ بَلغ صائماً أتمَّ صومَه ولاَ شَيْءً عليه وإن كان مفطراً لزمه إِمساكُ بقيةِ يوْمهِ لأنه صار مِنْ أهل الوجوبِ، ولا يلزمه قضاؤه لأنه لم يكن من أهلِ الوجوبِ حين وُجوبِ الإِمساكِ.

    - القسمُ الثالثُ:
    المجنونُ وهو فاقِدُ العقلِ فلا يجبُ عليه الصيامُ، لما سبق من قولِ النبي صلى الله عليه وسلّم: « رُفعَ القلمُ عن ثلاثةٍ..» الحديث. ولا يصحُّ مِنه الصيامُ لأنه ليس له عَقْلٌ يعقِل به العبادةَ وينويها، والعبادة لا تصح إلا بنيَّةٍ لقولِ النبي صلى الله عليه وسلّم: « إنما الأعمالُ بالنيِّاتِ وإنما لكلِّ امرأ ما نَوى.. » فإنْ كان يجنُّ أحياناً ويُفيقُ أحياناً لزمه الصيام في حالِ إفاقتهِ دون حالِ جنونِه، وإنْ جُنَّ في أثناءِ النهارِ لم يبطُل صومُه كما لو أغمي عليه بمرضٍ أو غيره لأنَّه نوى الصومَ وهو عاقلٌ بنيَّةٍ صحيحةٍ. ولا دليل على البطلانِ خصوصاً إذا كان معلوماً أنَّ الجنونَ ينْتَابُه في ساعاتٍ مُعيَّنةٍ. وعلى هذا فلا يلزمُ قضاءُ الْيَوْم الَّذِي حصل فيه الجُنونُ. وإذا أفَاق المجنونُ أثناء نهار رمضانَ لزمه إمْسَاكُ بقيَّةِ يومِهِ، لأنَّه صار من أهلِ الوجوب، ولا يلزمُهُ قضاؤهُ كالصبيِّ إذا بلَغَ والكافرِ إذا أسْلَمَ.

    - القسمُ الرابعُ:
    الْهَرِمُ الَّذِي بلَغَ الهذَيَان وسقَط تَميِيزُه فلا يجبُ عليه الصيامُ ولا الإِطعام عنه لسُقوطِ التكليف عنه بزَوال تمييزهِ فأشْبهَ الصَّبيَّ قبل التمييزِ. فإن كان يميز أحياناً ويهذي أحياناً وجب عليه الصوم في حال تمييزه دونَ حالِ هذَيانِه. والصلاةُ كالصومِ لا تلزمه حال هذيانه وتلزمه حالَ تمييزِه.

    - القسمُ الخامسُ:
    العاجزُ عن الصيام عجْزاً مستَمِراً لا يُرجَى زوالُه، كالكبيرِ والمريض مرضاً لا يُرْجى برؤه كصاحبِ السَّرطانِ ونحوِه، فلا يجب عليه الصيامُ لأنَّه لا يستطيعُه. وقد قال الله سبحانه: { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [التغابن: 16]، وقال: { لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ } [البقرة: 286]. لكن يجب عليه أن يُطعمَ بدلَ الصيامِ عنْ كلِّ يومٍ مسكيناً لأنَّ الله سبحانَه جَعَل الإِطعامَ مُعَادلاً للصيامِ حينَ كان التخييرُ بينهُما أوَّلَ ما فُرِضَ الصيامُ فتعيَّن أنْ يكون بدلاً عن الصيامِ عند العَجزِ عنه لأنه معادله.
    - ويخيَّرُ في الإِطعام بين أنْ يُفرِّقَه حبَّاً على المسَاكينِ لكُلِّ واحدٍ مُدٌّ من البرِّ ربْعُ الصَّاع النَبوي، ووزنه ـ أي المُدِّ ـ نصفُ كِيلُو وعَشرةُ غراماتٍ بالْبُرِّ الرِّزينِ الجيِّدِ، وبينَ أنْ يُصلحَ طعاماً فيدعو إليهِ مساكينَ بقدْرِ الأيامِ الَّتِي عليه، قال البخاريُّ رحمه الله: وأمَّا الشيخُ الكبيرُ إذا لم يُطقِ الصيام فقَدْ أطعَمَ أنسٌ بعدمَا كبر عاماً أوْ عامين كُلَّ يوم مسكيناً خُبْزاً ولحماً، وَأفْطرَ. وقال ابنُ عباس رضي الله عنهما: في الشيخ الكبيرِ والمَرأةِ الكبيرةِ لا يستطيعانِ أنْ يَصُومَا فيطعمانِ مكانَ كلِّ يوم مسكيناً، رواه البخاري.

    * إخواني: الشَّـرعُ حكمةٌ من الله تعالى ورحمةٌ رحم الله به عبادَه لأنه شَرْعٌ مبنيٌ على التسهيلِ والرحمةِ وعلى الإِتقانِ والحكمةِ، أوجـبَ الله بـه على كلِّ واحدٍ من المكلَّفين ما يناسب حالَه ليقومَ كلُّ أحدٍ بما عليهِ، منشرحاً به صَدرُه، ومطمئِنةً به نفْسُه، يَرْضى بالله رباً وبالإِسلام ديناً وبمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلّم نبيَّاً، فاحمدوا الله أيُّها المؤمنون على هذا الدِّين القيِّم وعلى ما أنْعَمَ به عليكم من هِدايتكُم له وقد ضلَّ عنه كثيرٌ من الناسِ، واسألوه أنْ يُثَبِّتكُمْ عليه إلى الممات.

    اللَّهُمَّ إنا نسألُك بأنا نَشْهد أنَّك أنت الله لا إِله إلاَّ أنت الأحدُ الصَّمَدُ الذي لم يلد ولم يولد ولم يكنْ له كفواً أحدٌ، يا ذَا الجلالِ والإِكرامِ، يا مَنَّانُ يا بديعَ السمواتِ والأرضِ، يا حيُّ يا قيومُ، نسألك أن تُوفِّقنَا لما تُحبُّ وترضَى، وأنْ تْجعَلنَا ممَّنْ رضِي بك ربَّاً، وبالإِسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلّم نبيَّاً، ونسألك أنْ تُثبتنا على ذلك إلى المماتِ، وأنْ تغفرَ لنَا الخطايَا والسيئاتِ، وأنْ تَهبَ لنا منك رحمة إنَّك أنْتَ الوهابُ، وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمدٍ وآلِهِ وصحبهِ وأتْبَاعهِ إلى يوم الدِّين.

    من كتاب مجالس رمضان لفضيلة الشيخ العلامة
    محمد بن صالح العثيمين رحمة الله رحمةً واسعة

    أخر تعديل بواسطة en_ess78 في 09 / 10 / 2006 الساعة 07:28 AM


  2. #2

    Post المجلس السابع - في طائِفَة من أقسَام الناس في الصيّام

    - الحمد لله المُتعَالى عن الأنداد، المقَدَّس عن النَّقائص والأضداد، المُتنزِّهِ عن الصاحِبةِ والأوْلاد، رافع السَّبع الشِّداد، عاليةً بغير عِماد، وواضِع الأرضِ للمهاد، مثَبتةً بالراسياتِ الأطْواد، المطَّلِع على سِرِّ القُلُوب ومكنونِ الفُؤاد، مقدِّرِ ما كان وما يكونُ من الضَّلال والرَشاد، في بحار لُطفِه تجري مراكب العباد، وفي ميدان حبِّه تجول خيلُ الزُّهَّاد، وعنده مبتغى الطالبين ومنتهى القصاد، وبِعينِه ما يتحمَّل المُتَحَمِّلون من أجله في الاجتهاد، يرى دبيب النمل الأسود في السَّواد، ويعلَمُ ما توَسْوسُ به النفسُ في باطِن الاعتقاد، جادَ على السائلين فزادَهُم من الزَّاد، وأعطى الكثير من العاملين المخلصين في المراد، أحمَدُه حمداً يفوقُ على الأعْداد، وأشْكره على نِعَمه وكلَّما شُكِر زَاد، وأشهد أنْ لا إِله إِلاَّ الله وحدَه لا شريكَ له له الملكُ الرَّحيم بالعباد، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسولهُ المبعوث إلى جميعِ الخلْق في كلِّ البلاد، صلَّى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكرٍ الَّذِي بذَل منْ نفْسِه ومالِهِ وجاد، وعلى عُمَر الَّذِي بالَغَ في نصْرِ الإِسلام وأجاد، وعلى عثمانَ الَّذِي جهَّزَ جيشَ العُسْرةِ فيا فخره يوم يقوم الأشهاد، وعلى علٍّي المعروفِ بالشجاعةِ والجلاد، وعلى جميع الآلِ والأصْحابِ والتابعينَ لهم بإحَسانٍ إلى يوم التَّنَاد، وسلِّم تسليماً.

    * إخواني:قدَّمنا الكلامَ عن خْمسَةِ أقسامٍ من الناس في أحْكامِ الصيام. ونتكلَّمُ في هذا المجلِس عن طائفةٍ أخرى من تلك الأقسامِ:
    - فالقسمُ السادسُ:
    - المسافرُ إذا لم يقْصُدْ بسَفَرِه التَّحيُّلَ على الفِطْرِ، فإن قَصَد ذَلِكَ فالفطرُ عليه حرامٌ والصيامُ واجبٌ عليه حْينئذٍ. فإذا لَمْ يقصد التَّحيُّلَ فهو مخيَّرٌ بين الصيام والفطر سواءٌ طالتْ مدةُ سفره أمْ قصُرتْ، وسواءٌ كان سفرُه طارِئاً لغَرض أمْ مُسْتَمِّراً، كسَائِقي الطائراتِ وسياراتِ الأجْرةِ لعموم قوله تعالى: { وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [البقرة: 185]. وفي الصحيحين عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: كُنَّا نُسَافر مع النبي صلى الله عليه وسلّم فَلَمْ يَعِب الصائمُ على المُفطِر ولا المفْطِرُ على الصائمِ. وفي صحيح مسلم عن أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه قال: يَرْونَ أنَّ مَنْ وجَدَ قُوَّة فصَام فإنَّ ذلك حَسَنٌ، ويرونَ أنَّ منْ وجَدَ ضعْفاً فأفْطرَ فإنَّ ذلك حَسَنٌ. وفي سنن أبي داودَ عن حمزةَ ابن عمْرو الأسلَميِّ أنَّه قال: يا رسولَ الله إني صاحبُ ظهرٍ أعالجه أسافِرُ عليه وأكريه وإنَّه ربَّما صادفني هذا الشهرُ ـ يعنِي رمضانَ ـ وأنا أجدُ الْقوَّة وأنا شَابٌ فأجد بأنَّ الصَّومَ يا رسولَ الله أهونُ عليَّ منْ أن أؤخِّرهُ فيكون ديناً عليَّ أفأصُومُ يا رسولَ الله أعظمُ لأجري أمْ أفطرُ قال: «أيَّ ذلك شئتَ يا حمزةُ».

    - فإذا كان صاحبُ سيارةِ الأجرةِ يشقُّ عليه الصومُ في رمضانَ في السَّفرِ من أجل الحرِّ مثلاً فإنه يؤخره إلى وقت يبرد فيه الجو ويتيسَّر فيه الصيام عليه. والأفضل للمسافر فعلُ الأسهلِ عليه من الصيام والْفِطرِ، فإنْ تساويَا فالصَّومُ أفضلُ لأنَه أسْرعُ في إبراء ذمته وأنشط له إذا صامَ معَ الناسِ، لأنه فعلُ النبي صلى الله عليه وسلّم كما في صحيح مسلمٍ عن أبي الدرداءِ رضي الله عنه قال: خَرَجنا مع النبي صلى الله عليه وسلّم في رمضانَ في حرٍّ شديدٍ، حتى إنْ كان أحَدُنا ليضع يَدَه على رأسِهِ من شدةِ الحرِّ، وما فينا صائمٌ إلاَّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم وعبدُالله بنُ رواحة. وأفْطرَ صلى الله عليه وسلّم مراعاةً لأصحابِه حينَ بلغه أنَّهمْ شَقَّ عليهِم الصيام، فعن جابرٍ رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلّم خرج إلى مكةَ عامَ الفتحِ فصامَ حتى بَلَغ كُرَاعَ الْغميمَ، فصامَ الناسُ معه فقيل له: إنَّ الناسَ قد شقَّ عليهم الصيامُ، وإنَّهم ينظُرونَ فيما فَعْلت، فَدعَا بقَدَحٍ مِن ماءٍ بعد العصر فشَربَ والناسُ ينظرون إليه، رواه مسلم. وفي حديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم أتَى على نهرٍ من السَّماءِ والناسُ صيامٌ في يوم صائفٍ مُشاةً، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلّم على بغلةٍ له، فقال: « أشْربُوا أيها الناسُ » فأبَوْا، فقال: « إنِّي لسْتُ مثلكُمْ، إنِّي أيْسرُكمْ، إني راكب »، فأبَوْا، فَثَنَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم فخِذَه فنزلَ فشرب وشربَ الناسُ، وما كانَ يُرِيدُ أن يشربَ صلى الله عليه وسلّم»، رواه أحمد.

    - وإذا كان المسافرُ يَشُقُّ عليه الصومُ فإنَّه يفطرُ ولا يصُومُ في السفرِ، ففي حديثِ جابرٍ السابق أنَّ النبي صلى الله عليه وسلّم لمَّا أفْطرَ حينَ شَقَّ الصومُ على الناس قيل له: إنَّ بعض الناسِ قد صَامَ، فقالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلّم: « أولَئِك العُصاةُ، أولئك العصاة »، رواه مسلم.
    وفي الصحيحين، عن جابرٍ أيضاً أنَّ النبي صلى الله عليه وسلّم كان في سفرٍ، فرأى زحاماً ورجلاً قد ظُلِّلَ عليه، فقال: « ما هذا؟ » قالوا: صائمٌ، فقال: « ليس من البرِّ الصيامُ في السفر ». وإذا سافر الصائمُ في أثناء اليوم وشقَّ عليه إكْمالُ صومِهِ جاز له الفطرُ إذا خَرجَ من بلدِه، لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم صام وصامَ الناسُ معه حتى بلغ كُراعَ الْغميمِ، فلما بلغه أن الناس قد شَقَّ عليهم الصيام أفطر وأفطر الناس معه، وكراعُ الغميمِ جبلٌ أسودُ في طرفِ الحَرَّةِ يمتدُّ إلى الوادي المُسَمَّى بالْغَمِيمِ بين عُسفَانَ وَمَرِّ الظَّهرانِ.

    - وإذا قدِم المسافرُ إلى بلدِه في نهارِ رمضانَ مفطِراً لم يصحَّ صومُه ذلكَ اليومَ، لأنه كان مُفْطِراً في أوَّل النهار. والصومُ الواجبُ لا يصح إلاَّ مِنْ طلُوعِ الفجر، ولكن هل يلزمه الإِمساكُ بقيةَ اليوم؟ اختلفَ العلماءُ في ذلك فَقَال بعْضهُم: يجب عليه أنْ يُمسِكَ بقيةَ اليومِ احتراماً للزمنِ، ويجب عليه الْقَضَاءُ أيضاً لِعَدَمِ صحةِ صومِ ذلك اليوم، وهذا المشهور من مذهب أحمد رحمه الله، وقال بعض العلماء: لا يجب عليه أن يمسك بقية ذلك اليوم، لأنه لا يستفيدُ من هذا الإِمساكِ شيئاً لوجوب القضاءِ عليه، وحُرْمةُ الزَّمن قد زالتْ بفِطره المباح له أوَّلَ النهارِ ظاهراً وباطناً. قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: من أكل أول النهار فلْيَأْكُلْ آخره، أي: من حلَّ له الأكل أولَ النهار بعُذرٍ حلَّ له الأكلُ آخِره. وهذا مذهَبُ مالِك والشافعيّ ورواية عن الإِمام أحمد، ولكنْ لا يُعْلِنُ أكلَه ولا شربَه لخفاءِ سببِ الفطرِ فيُساء به الظَّنُّ أو يُقْتَدى به.

    - القسمُ السَّابعُ :
    المِريضُ الَّذِي يُرجَى برؤُ مرضِه وله ثلاثُ حالاتٍ:
    إحداها: أنْ لا يشقَّ عليه الصومُ ولا يَضُرُّه، فيجبُ عليه الصومُ لأنه ليس له عُذْرٌ يُبِيح الْفِطْرَ.
    الثانيةُ: أنْ يشقَّ عليه الصومُ ولا يضُرُّه، فيفطرُ لقوله تعالى: { وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [البقرة: 185]. ويُكْره له الصوم مع المشقَّةِ، لأنه خروجٌ عن رُخصةِ الله تعالى وتعْذيبٌ لنفسه، وفي الحديث: « إن الله يُحب أن تُؤتى رُخَصُه كما يكرهُ أن تؤتى معْصِيتُه » رواه أحمد وابنُ حبان وابنُ خُزَيمة في صحيحيهما.

    الثالثةُ: أنْ يضُرَّه الصومُ فيجبُ عليه الْفطرُ ولا يجوزُ له الصومُ لقولِه تعالى: { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا } [النساء: 29]، وقولِه: { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } [البقرة: 195]، ولقول النبي صلى الله عليه وسلّم: « إنَّ لِنفْسكَ عليْك حقَّا ً»، رواه البخاري. ومن حقهَا أنْ لا تضرَّها مع وجود رخصةِ الله سبحانه. ولقولِه صلى الله عليه وسلّم: « لا ضَررَ ولا ضرارِ »، أخرجه ابن ماجه والحاكم. قال النَّووي وله طرق يقويِ بعضها بعضاً.

    - وإذا حدَث له المرَضُ في أثناءِ رمضانَ وهو صائمٌ وشقَّ عليه إتمامُه جاز له الفطرُ لوجودِ المُبيح للفطر. وإذا برأ في نهارِ رمضانَ وهو مفطر لم يصحَّ أنْ يصومَ ذلك اليَوْمَ لأنَّه كان مُفطِراً في أوَّلِ النهار، والصومُ الواجب لا يصحُّ إلاَّ مِنْ طلوع الفجر ولكِنْ هل يلْزَمه أنْ يُمسِكَ بقية يومِهِ؟ فيه خلافٌ بَيْنَ العلماء سبق ذكْرُه في المسافرِ إذا قدِم مُفطِراً.

    - وإذا ثبت بالطِّبِّ أنَّ الصومَ يجلِبُ المرَضَ أو يؤخر بُرءَه جاز له الفطرُ محافظةً على صِحَّتِه واتقاءً للمرض. فإنْ كان يُرْجى زوالُ هذا الْخَطر، انْتظَرَ حتى يزولَ ثم يقضْى ما أفْطر. وإنْ كان لا يُرْجى زوالهُ فحكمه حُكمُ القسمِ الخامِسِ يُفطِرُ ويُطْعِمُ عنْ كلِّ يومٍ مسكيناً.

    اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا للعملِ بما يُرضيك، وجنِّبْنا أسبابَ سَخَطِك ومعاصِيْك، واغفر لنا ولوالدينَا ولجميع المسلمينَ برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آلِهِ وصحبِه أجمعين.

    من كتاب مجالس رمضان لفضيلة الشيخ العلامة
    محمد بن صالح العثيمين رحمة الله رحمةً واسعة


  3. #3

    Post المجلس الثامن - في بقيّة أقسام الناس في الصيّام وأحكام القضاء

    - الحمدُ لله الواحدِ العظيم الجبَّار القدير القويَّ القَهَّار، المُتَعالِي عن أنْ تُدركهُ الخواطر والأبْصار، وَسَمَ كل مخلوقٍ بسِمة الافتِقار، وأظْهر آثارَ قدرتِه بتصريفِ الليلِ والنهار، يسمعُ أنين المدنفِ يَشْكو ما بِه مِنَ الأضْرار، ويُبْصِر دبيبَ النملةِ السوداءِ في الليلةِ الظَّلماءِ على الغَار، ويعلم خَفِيَّ الضَّمائرِ ومكنونَ الأسْرار، صفاتُه كذاته والمُشبِّهةُ كفَّار، نُقرُّ بما وصف به نفسه على ما جاء في القرآنِ والأخبار { أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } [التوبة: 109]، أحْمدُه سبحانَه على المَسَارِّ والمَضَارِّ، وأشهد أنْ لا إِله إِلاَّ الله وحدَه لا شريكَ لَهُ المتفردُ بالْخلقِ والتدبير { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } [القصص: 68]، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسولهُ أفضلُ الأنبياءِ الأطهارِ، صلَّى الله عليه وعلى أبي بكر رفيقِه في الْغَار، وعلى عُمرَ قامِع الكُفَّار، وعلى عثمانَ شهيدِ الدَّار، وعلى عليٍّ القائمِ بالأسْحار، وعلى آلِهِ وأصْحابهِ خصوصاً المهاجرينَ والأنْصار، وسلَّم تسليماً.

    * إخواني:قدَّمنَا الكلامَ عن سبعة أقسامٍ من أقْسَامِ الناسِ في الصيامِ وهذه بقيَّةُ الأقسامِ:
    - القسمُ الثامنُ:
    - الحائضُ فيحرمُ عليها الصيامُ ولا يصحُّ منها لقول النبيِّ صلى الله عليه وسلّم في النساءِ: « ما رأيت مِنْ ناقصاتِ عَقْلٍ ودينٍ أذْهَبَ للُبِّ الرَّجل الحازمِ مِنْ إحداكُنَّ، قُلنَ: وما نقصانُ عقلِنا ودينِنا يا رسولَ الله؟ قال: أَلْيسَ شَهادةُ المرأةِ مثلَ نصْفِ شهادةِ الرَّجُلِ؟ قُلنَ: بلى. قال: فذلك نقصانُ عَقْلِها، أليس إذا حاضتْ لم تُصلِّ ولَم تُصم؟ قلن: بلى. قال: فذلك مِنْ نقصانِ دِيْنِها »، متفق عليه.

    - والْحيْضُ دمُ طبيعي يعتادُ المرأةَ في أيَّامٍ معلومةٍ.
    - وإذا ظَهَرَ الحيضُ منها وهي صائمةٌ ولو قبلَ الغروبِ بلحْظَةٍ بَطلَ صومُ يومِها ولزِمَها قضاؤه إلاَّ أنْ يكون صومُها تطوُّعاً فقضاؤه تطوُّعٌ لا واجبٌ.
    - وإذا طهُرتْ من الحيضِ في أثناءِ رمضانَ لم يصحَّ صومُها بقيَّة اليومِ لوجودِ ما يُنافي الصيامَ في حقِّها في أولِّ النهارِ، وهل يَلزمُها الإِمْساك بقيَّة اليوم؟ فيه خلافٌ بين العلماء سبق ذِكْرُه في المسافر إذا قدِم مُفطِراً.

    - وإذا طهرتْ في الليل في رمضان ولو قبْل الفجرِ بلحظة وجب عليها الصومُ لأنها مِنْ أهلِ الصيام وليس فيها ما يمنعُه فوجبَ عليها الصيامُ، ويصحُّ صومُها حينئذٍ وإنْ لم تَغْتَسل إلاَّ بعد طلوعِ الفجر كالجُنبِ إذا صامَ ولم يغْتسِلْ إلاَّ بعدَ طلوعِ الْفجرِ فإنَّه يصحُّ صومُه لقول عائشة رضي الله عنها: « كان النبيُّ صلى الله عليه وسلّم يصبحُ جُنُباً من جماعٍ غير احتلامٍ ثم يصومُ في رَمضانَ »، متفق عليه.

    - والنُّفسَاءُ كالحائضِ في جميع ما تقَدَّم.
    - ويجبُ عليها القضاءُ بعددِ الأيام التي فاتَتْها لقوله تعالى: { فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } [البقرة: 184]. وسُئلت عائشةُ رضي الله عنها: ما بالُ الحائضِ تقضي الصومَ ولا تقضي الصلاة؟ قالتْ: « كان يصيبُنَا ذلك فنؤمرُ بقضاء الصومِ ولا نؤمرُ بقضاء الصلاة »، رواه مسلم.

    - القسمُ التاسعُ :
    - المرأة إذا كانت مُرضعاً أو حاملاً وخافتْ على نفسِها أو على الولَد من الصَّوم فإنها تفطرُ لحديث أنسِ بن مالك الْكعِبي رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم: « إن الله وضَع عن المسافر شطرَ الصلاة وعن المسافر والحامل والمرضع الصومَ أو الصيام »، أخرجه الخمسة، وهذا لفظ ابن ماجة. ويلزمُهَا القضاءُ بِعَدَدِ الأيامِ التي أفطرتْ حِينَ يتيسَّرُ لها ذلك ويزولُ عنها الخوفُ كالمريض إذا بَرِأ.

    - القسمُ العاشرُ:
    - مَن احتاج للْفطرِ لِدفْعِ ضرورةِ غيرهِ كإِنقاذ معصومٍ مِنْ غرقٍ أوْ حريقٍ أو هدْمٍ أوْ نحو ذلك فإذا كان لا يمكنه إِنقَاذُه إلاَّ بالتَّقَوِّي عليه بالأكْل والشُّرب جاز له الفِطرُ، بل وَجبَ الفطرُ حِيْنئذٍ لأن إنقاذ المعصوم من الْهَلكَةِ واجبٌ، وما لا يَتمُّ الواجبُ إلاَّ به فهو واجبُ، ويلزمُه قضاءُ ما أفْطَرَه.

    - ومثلُ ذلك مَن احتاجَ إلى الْفِطرِ للتَّقَوِّي به على الْجهادِ في سبيل الله في قِتَاله الْعَدُوَّ فإنه يفْطر ويقضي ما أفطَر سواء كان ذلك في السفر أو في بلده إذا حضره العَدُوُّ لأنَّ في ذلك دفاعاً عن المسلمينَ وإعلاءً لكلمةٍ الله عزَّ وجَلَّ. وفي صحيح مسلمٍ عن أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه قال: سافَرْنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى مكةَ ونحنْ صيامٌ فنَزلْنا منْزلاً فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم: « إنكم قد دَنَوْتم مِنْ عدوِّكم والْفِطرُ أقْوى لكم » فكانتْ رخصةً فمِنَّا مَنْ صامَ ومنا مَنْ أفْطر، ثم نزلنا منزلاً آخرَ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم: « إنكم مُصَبِّحو عدوِّكم والفطرُ أقوى لكم فأفْطرِوا وكانتْ عزمْةً فأفْطَرن ». ففي هذا الحديث إيماءٌ إلى أن القوةَ على القتال سببٌ مُستقِلٌ غيرُ السفرِ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم جعل عِلَّةَ الأمْرِ بالفِطر القُوَّةَ على قتالِ العدُوِّ دونَ السفرِ ولذلِك لم يأمرهم بالفِطر في المنزَلِ الأوَّل.

    - وكُلُّ مَنْ جاز له الفطرُ بسببٍ مما تقَدَّم فإنَّه لا يُنكرُ عليه إعْلانُ فِطْرهِ إذا كان سبَبُه ظاهراً كالمريضِ والكبير الذي لا يستطيع الصومَ، وأمَّا إن كان سببُ فطره خفيَّاً كالحائِضِ ومَنْ أنقَذَ معصوماً من هلَكةٍ فإنه يُفطر سرَّاً ولا يعْلِنُ فِطْرَه لئلا يَجُرَّ التهمةَ إلى نَفْسِه ولئلاَّ يَغْتَرَّ به الجاهلُ فيظنُّ أنَّ الفطرَ جائزٌ بدون عُذْر.

    - وكُلُّ من لَزِمه القضاءُ من الأقسام السابقةِ فإنَّه يقْضِي بعددِ الأيامِ التي أفْطر لقوله تعالى: { فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونََ }. فإنْ أفطَر جَميعَ الشهر لزمه جميعُ أيامه. فإن كان الشهر ثلاثين يوماً لزمه ثلاثون يوماً، وإن كان تسعةً وعشرينَ يوماً لزمه تسعةٌ وعشرونَ يوماً فَقْط.

    - والأوْلىَ المُبادَرَةُ بالْقضاءِ من حينِ زوالِ الْعذرِ لأنه أسبقُ إلى الخيرِ وأسْرَعُ في إبراءِ الذِّمَّةِ.
    ويجوز تأخيرهُ إلى أن يكونَ بينهُ وبين رمضانَ الثاني بعددِ الأيامِ التي عليه لقولِه تعالى: { فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } [البقرة: 184].
    - ومن تمام الْيُسرِ تأخير قضائِها. فإذا كان عليه عشرةُ أيامٍ من رمضان جاز تأخيرها إلى أن يكون بينه وبينَ رمضانَ الثاني عشرة أيامٍ.

    - ولا يجوز تأخيرُ القضاءِ إلى رمضانَ الثاني بدونِ عذرٍ لقولِ عائشة رضي الله عنها: « كان يكونُ عليَّ الصومُ من رمضانَ فما أسْتطيع أنْ أقضيه إلاَّ في شعبانَ »، رواه البخاري، ولأنَّ تأخيره إلى رمضانَ الثاني يُوْجبُ أنْ يتراكم عليه الصومُ وربَّمَا يعجزُ عنه أوْ يموتُ، ولأن الصومَ عبادةٌ متكرِّرةٌ فَلْم يَجُز تأخيرُ الأولَى إلى وقتِ الثانيةِ كالصلاةِ، فإن استَمرَّ به العذرُ حَتَّى ماتَ فلا شَيْءَ عليه لأن الله سبحانه أوجَبَ عليه عدَّةً من أيامٍ أُخَرَ ولم يتمكنْ منْها فسقطت عنه كمن مات قبلَ دخولِ شهر رمضانَ لا يلزمُه صومُه، فإن تمكَّن من القضاءِ فَفَرَّط فيه حتى مات صام وليُّهُ عنه جميعَ الأيامِ التي تمكَّنَ من قضائِها، لقوله صلى الله عليه وسلّم: « مَنْ ماتَ وعليه صيامٌ صامَ عنه وليُّه »، متفق عليه. ووَلِيُّهُ وارِثُه أو قريبُه.
    - ويجوز أنْ يصومَ عنه جماعةٌ بعددِ الأيامِ التي عليه في يوم واحدٍ، قال البخاري: قال الحسنُ: إن صامَ عنه ثلاثَونَ رجلاً يوماً واحداً جاز. فإن لم يكن له وليٌّ أو كان له وليٌّ لا يريدُ الصومَ عنه أُطعمَ مِنْ تركتِه عن كلِّ يومٍ مسكينٌ بعددِ الأيام التي تمكَّنَ من قضائِها؛ لِكُلِّ مسكينٍ مدُّ برٍّ وزنه بالبرِّ الجيِّد نصفُ كيلو وعشرةُ جرامات.

    * إخواني: هذه أقسامُ الناسِ في أحكام الصيامِ شرعَ الله فيها لكل قِسْمٍ ما يُناسِب الحالَ والمَقَام. فاعرِفوا حكمة ربِّكم في هذه الشَّرِيْعَة. واشكروا نعمتَهُ عليكم في تسهيلِهِ وتيْسيرِه. واسألوه الثَّباتَ على هذا الدِّينِ إلى الممات.

    اللَّهُمَّ اغْفِر لنا ذنوباً حالتْ بيننا وبينَ ذِكْرِك. واعفُ عن تقصيرنا في طاعتِك وشُكْرك. وأدم علينا لُزُومَ الطريقِ إليَك. وهَبْ لنا نُوراً نهتدي به إليك. اللَّهُمَّ أذِقْنا حلاوةَ مناجاتِك. واسلكْ بنا سبيلَ أهْلِ مرضاتِك. اللَّهُمَّ أنْقِذْنا من دَرَكاتِنا، وأيْقظْنا من غفَلاتِنا، وألْهمنا رُشْدَنَا، وأحْسِنْ بكَرَمِك قصدَنا، اللَّهُمَّ احْشُرْنا في زُمْرةِ المُتَّقين، وألحقْنا بعبادِك الصالحِينَ. وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنَا محمدٍ وعلى آلِه وأصحابِه أجمعين.

    من كتاب مجالس رمضان لفضيلة الشيخ العلامة
    محمد بن صالح العثيمين رحمة الله رحمةً واسعة

    لطفاً وليس أمراً، إن أعجبك محتوى الرسالة أعد إرسالها لمن تعرف ليعم الخير والفائدة، وجزاك الله خيراً


  4. #4
    عضو متميز
    صور رمزية abou_mazen
    تاريخ التسجيل
    Feb 2005
    المنطقة
    المغرب/البيضاء
    ردود
    3,875
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    بارك الله فيك وجزاك كل خير
    موضوع رائع قيم هادف
    حفظك الله ولا حرمك الأجر
    جعله الله فى ميزان حسناتك وأثابك الله
    اللهم تقبل منا ومنك صالح الأعمــــــال



    بأبي أنت وأمي يا رسول الله



    فدتك نجد و طيبة ومكة وأرض الأسراء


    اللهم احشرني مع نبيك يوم يكون اللقاء


    اجمل شئ في الحياة حينما تكتشف اناس قلوبهم مثل اللؤلؤ المكنون في الرقة والبريق والنقاء قلوبهم مثل افئدة الطير
    اللهم اني احبهم فيك

    لك نصحي وما عليك جدالي ........وافة النصح ان يكون جدال

    دعوة لحفظ القرآن الكريم عن طريق المنتدى










  5. #5

    Post تابع

    المجلس التاسع - في حِـكَـمِ الصِّيَام
    - الحمدُ للهِ مدبِر الليالي والأيام، ومصرف الشهور والأعوام، الملكِ القدُّوس السلام، المُتفرِّدِ بالعظمةِ والبقاءِ والدَّوام، المُتَنزِّهِ عن النقائصِ ومشابهَةِ الأنام، يَرَى ما في داخلِ العروقِ وبواطنِ العظام، ويسمع خَفِيَّ الصوتِ ولطيفَ الكلام، إِلهٌ رحيمٌ كثيرُ الإِنعَام، ورَبٌ قديرٌ شديدُ الانتقام، قدَّر الأمورَ فأجْراها على أحسنِ نظام، وشَرَع الشرائعَ فأحْكمَها أيَّما إحْكام، بقدرته تهبُّ الرياحُ ويسير الْغمام، وبحكمته ورحمته تتعاقب الليالِي والأيَّام، أحمدُهُ على جليلِ الصفاتِ وجميل الإِنعام، وأشكرُه شكرَ منْ طلب المزيدَ وَرَام، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله الَّذِي لا تحيطُ به العقولُ والأوهام، وأشهد أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه أفضَلُ الأنام، صلَّى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكرٍ السابق إلى الإِسلام، وعلى عمَرَ الَّذِي إذا رآه الشيطانُ هَام، وعلى عثمانَ الَّذِي جهَّزَ بمالِه جيشَ العُسْرةِ وأقام، وعلى عليٍّ الْبَحْرِ الخِضَمِّ والأسَدِ الضِّرْغَام، وعلى سائر آلِهِ وأصحابِه والتابعين لهم بإِحسانٍ على الدوام، وسلَّم تسليماً.

    * عبادَ الله: اعلموا رحمكم اللهُ أنَّ الله سبحانَه لَهُ الحكمُ التام والحكمة البالغة فيما خَلَقه وفيما شَرَعه، فهُوَ الحكِيمُ في خَلقِهِ وفي شرْعِهِ، لم يَخلقْ عبادَه لَعِباً، ولمْ يتركهم سُدىً، ولم يَشْرعْ لهم الشرائع عَبثاً، بل خلقهم لأمرٍ عظيمٍ، وهيَّأهمْ لِخطبٍ جَسيمْ، وبيَّن لهم الصراطَ المستقيم، وشرعَ لهم الشرائعَ يزداد بها إيمانهم، وتكمُلُ بها عبادتُهم، فما من عبادة شرعها الله لعباده إلا لحكمةٍ بالغة، علِمَها مَنْ علِمَها وجهِلهَا منْ جهِلهَا، وليس جهْلُنا بحكمَة شَيْءٍ من العباداتِ دليلاً على أنه لا حكمَة لها، بل هو دليلٌ على عجزنا وقصورنا عن إدراك حكمة الله سبحانَه لقوله تعالى: { وَمَآ أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } [الإِسراء: 85].

    - وقد شَرعَ اللهُ العباداتِ ونظَّمَ المعاملاتِ ابتلاءً وامتحاناً لعبادِهِ ليَتبيَّن بذلك منْ كان عابداً لمَوْلاَهُ ممَّن كان عابداً لِهواه، فَمنْ تقبَّلَ هذه الشرائعَ وتلكَ النظم بصدرِ منشَرحٍ ونفس مطمئنة فهو عابدً لمـولاه، راضٍ بشريعتِـه، مُقدِّمٌ لطاعةِ ربِّه على هوى نفْسِه، ومن كان لا يقْبلُ من العباداتِ، ولا يتبعُ من النُّظُم إلا مَا ناسَبَ رغبتَه ووافقَ مـرَادَه فهو عابدٌ لهواه، ساخطٌ لشريعة الله، مُعرضٌ عن طاعـةِ ربِّه، جعلَ هواه متْبُوعاً لا تابعاً، وأراد أنْ يكونَ شرع الله تابعاً لرغبتِـه مع قصورِ علْمِه وقلَّةِ حكمته قال الله تعالى: { وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ } [المؤمنـون: 71].

    - ومـن حكمـة الله سبحانه أن جَعَل العباداتِ مُتنوِّعةً ليتمحَّصَ القُبولُ والرِّضى، ولِيمحِّصَ الله الذينَ آمنوا. فإنَّ منَ الناسِ منْ قد يَرضى بنَوْع مِنَ العباداتِ ويلتزم به، ويسخطُ نوعاً آخر ويفرِّطُ فيه فجعل اللهُ من العبادات ما يتَعَلَّقُ بعمَلِ البدَنِ كالصلاةِ، ومنها ما يتعلقُ ببذْلِ المالِ المحبوب إلى النفسِ كالزكاةِ، ومنها ما يتعلقُ بعملِ البدنِ وبذلِ المال جميعاً كالحج والجهادِ، ومنها ما يتعلقُ بكفِّ النَّفْسِ عن محبوباتها ومُشْتَهَيَاتها كالصيام. فإذا قام العبد بهذه العبادات المتنوعة وأكْمَلها على الوجهِ المطلوب منه دون سخطٍ أو تفريطٍ فتعب وعملَ وبذَلَ ما كان محبوباً إليه وكفَّ عما تشتهيه نفْسُه طاعةً لربِّه وامتثالاً لأمْرِهِ ورضاً بشرعِهِ كان ذلك دليلاً على كمالِ عُبوديته وتمام انْقيادِه ومَحبَّتِهِ لربِّه وتعظيمِه له فَتحقَّقَ فيه وصفُ العُبوديَّة لله ربِّ العالمِين.

    - إذا تبينَ ذلك فإنَّ للصيامِ حِكَماً كثيرةً استوجبتْ أنْ يكونَ فريضةً من فرائِض الإِسلامِ وركناً منْ أركانِه.
    - فمنْ حِكَمِ الصيام أنَّه عبادةٌ لله تعالى يَتَقَرَّبُ العبدُ فيها إلى ربِّه بتْركِ محبوباتِه ومُشْتَهَياتِه منْ طعام وشرابٍ ونِكاح، فيظْهرُ بذلك صدقُ إيْمانِه وكمالُ عبوديتِه لله وقوةُ مَحَبَّته له ورجائِه ما عنده. فإنَّ الإِنسانَ لا يتركُ محبوباً له إلاَّ لمَا هو أعْظَمُ عنده مِنه. ولما عَلِمَ المؤمنُ أن رضَا الله في الصِّيام بترك شهواته المجبول على محبَّتِها قدَّمَ رضَا مولاه على هواه فَتَركها أشدَّ ما يكونُ شوقاً إليها لأنَّ لذتَه وراحةَ نفْسِهِ في تْركِ ذلك لله عزَّ وَجلَّ، ولذلك كان كثيرٌ من المؤمنين لو ضُربَ أو حُبسَ على أن يُفْطر يوماً من رمضانَ بدونِ عُذْرٍ لم يُفطِرْ. وهذه الحكمةُ من أبلغ حِكمِ الصيامِ وأعظمِها.

    - ومنْ حِكَمِ الصيام أنه سببٌ للتَّقْوى كما قال سبحانه وتعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [البقرة: 183]. فإنَّ الصَّائِمَ مأمُورٌ بفعل الطاعاتِ واجتناب المعاصي كما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلّم: « منْ لَم يَدعْ قول الزورِ والعملَ به والجَهلَ فليس لله حاجةٌ في أنَّ يَدعَ طعامَه وشرابَه »، رواه البخاري.
    - وإذا كان الصائمُ متلبساً بالصيامِ فإنَّه كلَّما همَّ بمعصيةٍ تَذكَّر أنَّه صائمٌ فامتَنعَ عنها. ولهذا أمرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلّم الصائمَ أنْ يقولَ لمَنْ سابَّه أو شاتَمَه: إنِي امْرؤٌ صائمٌ، تَنْبيهاً له على أنَّ الصائمَ مأمورٌ بالإِمساك عن السَّبِّ والشَّتْمِ، وتذكيراً لنفْسِه بأنه متلبسٌ بالصيام فيمتنعُ عن المُقابَلةِ بالسبِّ والشتم.

    - ومن حِكَم الصيامِ أن القلب يتخلَّى للفِكْرِ والذِّكْرِ، لأنَّ تَناوُلَ الشهواتِ يستوجبُ الْغَفْلَةَ ورُبَّما يُقَسِّى القلبَ ويُعْمى عن الحقِّ، ولذلك أرشَدَ النبيُّ صلى الله عليه وسلّم إلى التخفيفِ من الطَّعامِ والشراب، فقال صلى الله عليه وسلّم: « مَا مَلأ ابنُ آدمَ وِعَاءٍ شرّاً من بطنٍ، بحَسْبِ ابن آدمَ لُقيْماتٌ يُقمن صُلْبَه، فإِن كان لا مَحالَةَ فَثُلثٌ لطعامِه وثلثٌ لشرابه وثلثٌ لنفسِهِ » رواه أحمد والنسائيُّ وابن ماجة.

    - وفي صحيح مُسْلمٍ أنَّ حْنَظلَة الأسُيديِّ ـ وكان منْ كتَّاب رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم ـ قال للنبيِّ صلى الله عليه وسلّم: نَافَق حنظلةُ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: « وما ذَاك؟ » قال: يا رسولَ الله نكونُ عندك تُذكِّرُنا بالنارِ والجنةِ حتى كأنَّا رأيُ عينٍ فإذَا خَرجنا من عندك عافسْنَا الأزْواجَ والأولادَ والضَّيعاتِ فَنسِيْنا كثيراً. (الحديث) وفيه: « ولكن يا حنظلةُ ساعةً وساعة » ثلاث مرات. وقال أبو سليمان الداراني: إن النفسَ إذا جاعت وعطِشَت صَفَا القلب وَرَقَّ وإذا شبِعت عميَ القلب.

    - ومنْ حِكَمِ الصيامِ أنَّ الغنيَّ يَعرفُ به قدْرَ نعمةِ الله عليه بالغِنَى حيثُ أنعمَ الله تعالى عليه بالطعامِ والشرابِ والنكاح وقد حُرِمَهَا كثيرٌ من الْخلْق فَيَحْمَد الله على هذه النِعمةِ ويشكُرُه على هذا التَّيسيرِ، ويذكرُ بذلك أخَاه الفقيرَ الذي ربَّما يبيتُ طاوياً جائِعاً فيجودُ عليه بالصَّدَقةِ يكْسُو بها عورتَه ويسُدُّ بها جَوعتَه. ولذلك كانَ النبيُّ صلى الله عليه وسلّم أجْوَدَ الناسِ وكان أجْودَ ما يكونُ في رمضان حين يلقاه جبريلُ فيُدارِسُه القرآنَ.

    - ومن حِكَمِ الصيامِ التَّمرُّنُ على ضَبْطِ النَّفْسِ، والسَّيْطرةُ عليها، والْقوَّةُ على الإِمساكِ بزِمَامِهَا حتى يتمكنَ من التحكم فيها ويقودَها إلى ما فيه خيرُها وسعادتها، فإنَّ النَّفس أمَّارةٌ بالسوءِ إلاما رَحِمَ ربي، فإذا أطلقَ المرءُ لنَفْسِهِ عنَانها أوقعتْهُ في المهالك وإذا ملَكَ أمْرَها وسيْطر عليها تمكَّنَ من قيادتِها إلى أعلى المراتب وأسْنَى المَطَالب.

    - ومن حِكَمِ الصيام كسْرُ النفْس والحدُّ من كِبريائِها حتى تخضعَ للحق وتَلِيْنَ للخَلْق، فإنَّ الشَبعَ والرِّيَّ ومباشرةَ النساءِ يَحمِلُ كلٌ منها على الأشَرِ والْبَطرِ والعُلوِّ والتكبُّر على الخَلْقِ وعن الحقِّ. وذلك أنَّ النفسَ عند احتياجِها لهذه الأمورِ تشغلُ بتحصيلِها فإذا تَمكَّنتْ منها رأتْ أنَّها ظَفِرتْ بمطلوبها فيحصلُ لها من الفَرحِ المذمومِ والبطرِ ما يكونُ سبباً لِهلاكها، والمَعْصومُ مَنْ عَصَمَه الله تعالى.

    - ومن حِكَمِ الصيامِ أنَّ مجارِيَ الدَّم تضيقُ بسببِ الجوع والعطشِ فتضيقُ مَجارِي الشيطانِ من الْبَدنِ فإنَّ الشيطانَ يَجْري مِن ابن آدَمَ مجْرَى الدم، كما ثبت ذلك في الصحيحين عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم، فتسْكُنُ بالصيامِ وَسَاوسُ الشيطانِ، وتنكسرُ سَورةُ الشهوةِ والغضبِ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلّم: « يا مَعْشَر الشباب مَن استطاع منكم الْبَاءةَ فلْيتزوجْ فإنَّه أغَضُّ للبَصر وأحْصَنُ لِلفَرْجِ، ومَن لم يستطعْ فعليه بالصومِ فإنه له وِجاءُ »، متفق عليه. فجعل الصوم وجاء لشهوة النكاح وكسراً لحدتها.

    - ومنْ حِكَمِ الصيامِ ما يترتَّبُ عليه من الفَوائدِ الصِّحِّيَّةِ الَّتي تحصل بتقليل الطعامِ وإراحَةِ جهازِ الهضْم لمدةٍ معينةٍ وترسُّبِ بعضِ الرطوباتِ والفضلات الضَّارَّةِ بالجسْمِ وغير ذلك. فما أعظمَ حكمةَ الله وأبلَغَها، وما أنفعَ شرائعَه للخلق وأصلحَهَا.

    اللَّهُمَّ فقِّهْنا في ديِنك وألهمنا معرفةَ أسرارِ شريعتِك. وأصْلحِ لنا شُؤون ديننَا ودنيانا، واغْفِرْ لنا ولوالِدِينا ولجميع المسلمينَ برحمتكَ يا أرحمَ الراحمين وصلى الله وسلَّمَ على نبيِّنا محمدٍ وعلى آلِهِ وصحبه أجمعين.

    من كتاب مجالس رمضان لفضيلة الشيخ العلامة
    محمد بن صالح العثيمين رحمة الله رحمةً واسعة

    لطفاً وليس أمراً، إن أعجبك محتوى الرسالة أعد إرسالها لمن تعرف ليعم الخير والفائدة، وجزاك الله خيراً

Bookmarks

قوانين الموضوعات

  • لا يمكنك اضافة موضوع جديد
  • لا يمكنك اضافة ردود
  • لا يمكنك اضافة مرفقات
  • لا يمكنك تعديل مشاركاتك
  •  
  • كود BB مفعّل
  • رموز الحالة مفعّل
  • كود [IMG] مفعّل
  • [VIDEO] code is مفعّل
  • كود HTML معطل