قصص الشهادة ومواقف الشهداء


16ـ موقف صبي عمره عشر سنين أمام الحجاج الثقفي:

روي أن الحجاج بن يوسف كان جالساً في القبة الخضراء، وعنده وجوه أهل العراق، إذ دخل صبي بعمر عشر سنين، له ذؤابة طويلة، ولم يسلّم، بل نظر إلى القبة يميناً وشمالاً وقال:

{أتبنون بكل ريع آية تعبثون * وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون * وإذا بطشتم بطشتم جبارين}.




وكان الحجاج متكئاً، فاستوى قاعداً وقال: يا غلام، إني لأرى لك عقلاً وذهناً، أحفظت القرآن؟

قال: أخفتُ على القرآن الضياع، حتى أحفظه؟!

قال: أوجمعت القرآن؟

قال: أوكان القرآن متفرقاً حتى أجمعه؟!

قال: أحكمت القرآن؟

قال: إن الله تعالى أنزله محكماً.

قال: استظهرت القرآن؟

قال: معاذ الله أن أجعله وراء ظهري!

قال الحجاج: ويلك ماذا أقول؟!

قال: الويل لك، قل أوعيت القرآن في صدرك؟

قال الحجاج: اقرأ شيئاً من القرآن.

قال الغلام: أعوذ بالله من الشيطان ومنك! إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يخرجون من دين الله أفواجاً!

فقال الحجاج: ويلك إنهم يدخلون.

فقال الغلام: قد كانوا يدخلون، وأما اليوم فقد صاروا يخرجون!

قال: ولم ذلك؟!

قال: لسوء فعلك بهم!

فقال الحجاج: ويلك هل عرفت المخاطب لك؟!

قال: نعم شيطان ثقيف، الحجاج بن يوسف!

قال الحجاج: ويلك من أبوك؟!

قال: الذي زرعني.

قال: فمن أمك؟

قال: التي ولدتني.

قال: أين ولدت؟

قال: في بعض الفلوات.

قال: وأين نشأت؟

قال: في بعض البراري.

قال: أمجنون أنت فأعالجك؟!

قال: لو لم أكن مجنوناً لما وقفت بين يديك، كأني ممن يرجو فضلك، أو يخاف عقابك!

قال: ما تقول في أمير المؤمنين؟

قال: رحم الله أبا الحسن!

قال الحجاج: إنما أعني عبد الملك بن مروان.

قال: على الفاسق الفاجر لعنة الله!

قال: ويلك بما استحق اللعنة؟!

قال: باستعماله إياك على الناس، تستبيح أموالهم، وتستحل دماءهم!

فالتفت الحجاج إلى أصحابه، وقال: ما ترون في أمر هذا الغلام؟

قالوا: اسفك دمه، فقد خلع الطاعة.

فقال الغلام: يا حجاج، جلساء أخيك خير من جلسائك.

قال: أخي محمد بن يوسف؟

قال: على الفاسق الفاجر لعنة الله، إنما أعني أخاك فرعون، قال لجلسائه:

ماذا تأمرون في أمر موسى؟ قالوا: أرجه وأخاه. وهؤلاء أمروك بقتلي، إذاً والله تقوم عليك الحجة غداً بين يدي الله ملك الجبارين، ومذل المتكبرين.

فقال: يا غلام قلّل كلامك، واقصر ألفاظك، فإني أخاف عليك، وقد أمرت لك بأربعة آلاف درهم، تستعين بها.

فقال الغلام: لا حاجة لي بهذا المبلغ، بيّض الله وجهك، وأعلى كعبك!

فالتفت الحجاج إلى أصحابه وقال لهم: هل تعلمون ماذا أراد بقوله؟

قالوا: لا.

قال: أراد التعليق والصلب!

ثم التفت إلى الغلام، وقال له: ما تقول؟

قال: قاتلك الله من منافق ما أفهمك!

قال الحجاج: يا فلان اضرب عنقه!

فقام رجل من القوم، يقال له الرقاشي، وقال: هب لي هذا الغلام، أصلح الله الأمير.

قال: هو لك لا بارك الله لك فيه!

قال الغلام: لا أدري أيكما أحمق، الواهب أجلاً قد حضر، أم المستوهب أجلاً لم يحضر!

فقال الرقاشي: استوهبك من القتل، وتكافيني بهذا الكلام؟!

فقال الغلام: هنيئاً لي "الشهادة" إن أدركتني السعادة! ثم قال:

يا عجباً جئت من بلادي، من الفقر والضيق، وأرجع إلى أهلي صفراً بلا شيء، القتل أحبّ إليّ!

فقال الحجاج: قد أمرنا لك بمائة ألف دينار، وقد عفونا لحداثة سنك، وصفاء ذهنك، وإيّاك والجرأة على أرباب الأمر، فتقع عند من لا يعفو عنك، ولئن رأيتك في شيء مما تجهل، لأضربن عنقك!

فقال الغلام: العفو لله لا لك، لا جمع الله بيني وبينك، أويلتقي السامري وموسى!

ثم خرج الغلام، فابتدر الخادم على أثره.

فقال الحجاج: دعوه، فما رأيت أشجع منه قلباً ولا أفصح منه لساناً، فوالله ما وجدت مثله، وعسى أن لا يجد مثلي!

(الصدف، ج1، ص53)