خطة العدو مع المسلمين منذ أول " احتلال " لبلادهم إلى اليوم واحدة لم تتغير ، إنما يتغير المُنفذ فقط . الخطة باختصار تقول : مهّدوا لاحتلال البلاد المسلمة بمراقبة أوضاعها عبر الجواسيس ( تجار - قناصل - سفراء ! ) ، ومن خلال دعم " العملاء " من المنافقين بأنواعهم ، من الذين يصرفون المسلمين عن دينهم وأخلاقهم ويخلخلون وحدة البلاد ، ثم افتعلوا حدثًا يُسوغ الاحتلال ، ثم ادّعوا أنكم جئتم محررين لأهلها من الظلم ! ناشرين فيها العدل والحرية ، وأنه لانية لكم في التعرض لدينهم أو البقاء .

هذه هي الخطة بإيجاز . ويجد القارئ نموذجًا لها (
هنا ) و ( هنا ) . ومادام المسلمون لم يعوا الخطة ويعدوا لها العدة ، فسيجدونها تتكرر بين حين وآخر . وإليك شيئًا من ادعاءاتهم المتكررة المتشابهة منذ احتلالهم الأول لبعض بلاد المسلمين إلى اليوم .

كانت البداية مع نابليون الذي عندما احتل البلاد المصرية بادر بنشر بيان يقول فيه :
( بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله لا ولد له ولا شريك له في ملكه، من طرف الفرنساوية المبني على أساس الحرية والتسوية، السر عسكر الكبير أمير الجيوش الفرنساوية بونبارته، يعرف أهالي مصر جميعهم، أن من زمان مديد الصناجق الذين يتسلطون في البلاد المصرية - أي المماليك - ، يتعاملون بالذل والاحتقار في حق الملة الفرنساوية، ويظلمون تجارها بأنواع الإيذاء والتعدي، فحضر الآن ساعة عقوبتهم ، وأخرنا من مدة عصور طويلة هذه الزمرة المماليك المجلوبين من بلاد الأبازة، والجراكسة يفسدون في الإقليم الحسن الأحسن الذي لا يوجد في كرة الأرض كلها، فأما رب العالمين القادر على كل شيء فإنه قد حكم على انقضاء دولتهم،
يا أيها المصريون قد قيل لكم، إنني ما نزلت بهذا الطرف إلا بقصد إزالة دينكم، فذلك كذب صريح، فلا تصدقوه وقولوا للمفترين إنني ما قدمت إليكم إلا لأخلص حقكم من يد الظالمين ) .
( تاريخ الجبرتي 3: 5-4 ) .

وعندما احتل البريطانيون مصر - بعد الفرنسيين - بدؤوا على الفور بإطلاق وعودهم بالانسحاب ( بلغت 66 وعدًا !! ) ، وأعلن غلادستون قائلاً : ( بناء على رغبة الخديوي، فقد تبقى قوة بريطانية صغيرة في مصر تتحمل مسؤولية البلاد إلى أن تترسخ سلطته وتثبت وتتجاوز حدود الخطر  ) !! لكن القوات بقيت ، ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، تجرأ البريطانيون على تحويل "محميتهم المستترة" إلى محمية حقيقية وعلنية، ثم أعلنوا رسمياً في عام 1922 استقلال مصر، وفي عام 1936 أعلنوا إنهاء احتلالهم العسكري ! إلا أن القوات البريطانية لم تغادر مصر فعلاً إلا في حزيران / يونيو 1956 حين أجبرت على الوفاء بتعهداتها المتعددة والمتكررة بالانسحاب، أي بعد أربعة وسبعين عاماً من الغزو الأصلي !!

وعندما احتلت القوات البريطانية بغداد عام 1917م أصدر الجنرال مود منشوراً تاريخياً محاولاً التقرب من أهل العراق قائلا: (
إننا لم ندخل بلادكم أعداء فاتحين، إنما دخلناها محررين ) ! ، ثم ذكرهم بما هم فيه من ظلم واستبداد منذ أيام هولاكو إلى أيام الحكم التركي . ومما قاله أيضاً : ( إنها ليست أمنية جلالة ملكي بمفرده ، بل إنها أمنيات الحكومات المتحالفة مع جلالته أيضاً أن تفلحوا كما في السابق، حينما كانت أراضيكم خصبة وكان العالم يتغذى من ألبان آداب أجدادكم وعلومهم وحرفهم ، يوم كانت بغداد إحدى عجائب الدنيا ) ! ثم احتل الموصل مع الولايات التابعة لها التي كانت تابعة لفرنسا ( حسب تخطيطهم ) ، على أن تأخذ فرنسا مقابل ذلك حصة من النفط، وهكذا أصبح العراق كله تابعاً لبريطانيا ، فأذاعت الدولتان المتحالفتان –بريطانيا وفرنسا- في اليوم التالي بياناً أعلنتا أنهما خاضتا الحرب بغية تحرير الشعوب من مظالم الترك، وإقامة حكومات وطنية باختيار المواطنين ، وإشاعة العدل والمساواة وتطوير البلاد اقتصادياً وعلمياً، وجمع كلمة المواطنين التي كان قد فرقها الحكم التركي ! وبينما كانت العهود والبيانات تتوالى كانت ترافقها عملية إبرام معاهدات سرية متناقضة ومطاطة، كانت هي الوسيلة التي استعملها الاستعمار في تحقيق أهدافه، أهمها: معاهدة سايكس بيكو ، ووعد بلفور ، ومؤتمر سان ريمو فيما بعد. ( تاريخ العرب الحديث ، زاهية قدورة ، ص 132-133) .

وسلك الإيطاليون نفس مسلك غيرهم عندما احتلوا ليبيا ؛ فأصدروا منشورات تفيد اهتمامهم بمصلحة أهالي البلاد ، وتسعى للتقرب منهم ، وتعلن أن إيطاليا تود طرد الأتراك حفاظاً على مصالحهم ! فقد أصدر قائد الحملة الجنرال كارلو كانيفا منشوراً باللغة العربية، بمثابة "إنذار" خاطب فيه المسلمين قائلا : ( إن إيطاليا لا تريد في الحقيقة سوى رضا العرب وتأمينهم على أحوالهم وأرواحهم، لأن حكومة رومة بمثابة الأم الرؤوم التي ترغب فقط أن تعلم العرب كيف ينشئون أولادهم ويربونهم وكيف يصبحون أثرياء بفضل المخترعات الجديدة في الصناعة التي سوف يأتي الإيطاليون بها إلى ليبيا .. ) ! وقد أعلن في هذا المنشور مهمته ورسم خطته وتودد إلى أهل البلاد وخاطب سكان طرابلس والقيروان والبلاد الأخرى التابعة لها،محاولاً تقوية سلطته ومبرراً موقف دولته، بآيات قرآنية، وواعداً الليبيين بحكام منهم يحكمون بالعدل والرأفة كما أوصت الآية القرآنية الكريمة : ( وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) !! ثم أخذ يؤكد عزمه على احترام الشرائع والتقاليد الدينية والحقوق والأشخاص، ثم أخذ يدعم وجود الطليان بآيات قرآنية .

ولكن هذا القائد الذي أصدر هذه المنشورات يتودد فيها إلى أهل البلاد، ارتكب الجرائم المروعة بحق المسلمين على أرض الواقع ؛ ومن أشنعها ما صنعه في 23 تشرين أول، أكتوبر، عام 1911 بأهل المنشية التي تقع شرقي مدينة طرابلس، فقد أعمل الإيطاليون في الأهلين السيف وأوقعوا بهم مجزرة كبيرة لم ينج منها طفل أو شيخ أو امرأة ، وأباح الجنرال ( كانيفا ) قائد الحملة البلدة ثلاثة أيام لجنوده حتى يبيدوا فيها المسلمين ، وامتدت فظائع الطليان إلى غيرها، وتعوَّد الجند إطلاق الرصاص عبثاً ولهواً على الأهلين أينما صادفوهم لا ينجو من أيديهم أحد ، هذا بالإضافة إلى ما ألصق من تهم كاذبة بالأهلين لتبرير استباحة البلد لجنود القائد ثلاثة أيام قتل خلالها ما بين 4 إلى 7 آلاف نسمة ونفي حوالي 900 مسلم ، وهتكت أعراض النساء ثم أعدم المجاهدون جماعات جماعات دون تحقيق ودون محاكمة، وقتل كل من بلغ من العمر 14 عاماً ) . ( المرجع السابق ، ص 425-427 ) .


أخيرًا : خاطب ( بوش ) العراقيين في 2003م قائلا :
( سرعان ما ستعود حكومة العراق ومستقبل بلادكم إليكم ، لسوف نُسقط نظاماً وحشياً ، بحيث يتمكن العراقيون من العيش في أمان، سوف نحترم تقاليدكم الدينية العظيمة، حيث مبادئ العدالة والرحمة جوهرية لمستقبل العراق، سوف نساعدكم على إقامة حكومة مسالمة ونيابية تحمي حقوق المواطنين كافة، ومن ثم ستغادر قواتنا العسكرية، سيسير العراق قدماً كدولة موحدة ومستقلة وذات سيادة بعد أن يستعيد مكانه اللائق في العالم، أنتم شعب طيب وموهوب ورثة حضارة عظيمة قدمت إسهامات لصالح كل البشرية ) !

تعليق
سيبقى الحال كما هو - والله أعلم - ، وسيُفاجأ المسلمون باحتلالٍ لبعض دولهم مابين حين وآخر ، ماداموا في ضعفهم الديني والدنيوي ، وهوانهم على العدو ؛ بسبب التفريط في أسباب النصر والعزة والقوة والوحدة . والحل يكمن - بحول الله - في الحصانة من الاحتلال من خلال :

1- التمسك بدين الله كما أنزل - دون بدع أو خرافات - ، ونصرته ، والتمكين له ولأهله ، وتنشئة الأمة عليه ؛ عبادة وسلوكًا وولاء وبراء : ( إن تنصروا الله ينصركم ) ، ( وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئًا ) .

2- البعد عن المخالفات والمنكرات التي تستوجب خذلان الله ، وعدم طاعة المنافقين ، أو تقريبهم وتمكينهم ، والسماح لهم بصرف المسلمين عن دينهم ، أو إفساد أخلاقهم ؛ لأن المحصلة ستكون إيجاد أمة متهالكة - دينًا وخُلقًا - ، قابلة للاحتلال . قال تعالى عن المنافقين - وهم اليوم يُسمون الليبراليين أو العلمانيين أو العصرانيين - : ( هم العدو فاحذرهم ) .

3- إعداد القوة المادية الرادعة التي تُرهب أعداء الله : ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة .. ) . وتنويع مصادرها ، واللعب بمصالح الدول الأخرى من خلال الثروات والطاقات التي تملكها الدول الإسلامية .

4- المبادرة الجادة بالوحدة الإسلامية بين دول الإسلام - تدريجيًا - ؛ لتواجه مخططات العدو كدولة واحدة .


أسأل الله أن يوفق المسلمين ، ويقيهم شرور أعدائهم ، ويحفظ بلادهم من كيدهم


من نابليون ( في مصر ) ... إلى بوش ( في العراق  ) .. الخطة لم تتغير !

سليمان بن صالح الخراشي