بسم الله الرحمن الرحيم


الحمدلله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين محمد بن عبدالله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


فإن من مزايا هذه الشريعة الغراء أنها جاءت وسطاً وعدلاً، فكانت رحمة على من اتبعها وسار على دربها ، ولم تجعل مكاناً للغلو بين أتباعها، وأعطت النفس البشرية حقها ومستحقها واحترمت عقل الانسان وراعت عواطفه وشهواته فصار حال أبنائها لا إفراط ولاتفريط بل اعتدال ووسطية تبلغ بالنفس البشرية الى مراتب الكمال ، ومن المحاور التي تجلت فيها هذه الوسطية في شريعتنا الغراء هي الاعتدال والتوسط في قضية الاتباع ، وتقعيد القواعد الواضحة الجلية في سبل الاتباع حتى لايزيغ المرء عن مدارج الحق ويهوي في مهاوي الباطل والهلاك ،أيها الأحبة حديثي سيكون عن فئام من الناس نسبت نفسها الى العلم الشرعي وصارت تعطي صكوكاً وتقاريراً بأن فلان من أهل الحق وذاك مبتدع ضال ، والمصيبة أنها لم توجه صكوكها وتقاريرها الى عوام الناس بل وجهتها الى الدعاة والعلماء الذين لهم جهود بارزة في الدعوة الى الله جل وعلا ولهم بين الناس عظيم المكانة ، إن من الأمور المقررة أيها الإخوة أن كل بني آدم خطاء ولم يسلم من الخطأ حتى كبار الصحابة رضي الله عنهم وهذه طبيعة النفس البشرية التي لا يمكن انكارها ،وإذا قررنا هذه القاعدة واعتقدناها بيقين فحينها سنقبل أخطاء بني البشر وخصوصاً الدعاة والعلماء ونجد لها المخارج في مختلف الأمور لا سيما أمور الشريعة التي تحمل الخلاف وتقبله ، أيها الأحبة إن كل كلمة يتفوه بها المرء سيسأل عنها بين يدي الله لا سيما إن كانت شهادة على أحد من الناس بخير أو بشر والله عزوجل يقول: (ستكتب شهادتهم ويسألون ) فأين من تمادوا في الشهادة على فلان وعلان بأن ذاك من أهل الخير وذاك منافق وذاك مبتدع من هذه الحقيقة التي لا مفر منها ، إن من أعظم الأمور التي يجب أن تستقر في أذهاننا أن الحق لا يعرف بالرجال ولكن الرجال يعرفون بالحق فلا يصح أن ننسب الحق كله لأحد من الناس ولو كان أتقى اهل الأرض وأعلمهم وعلينا أن ندرك بيقين ما قاله الإمام مالك رحمه الله (كلاً يؤخذ من قوله ويرد عليه إلا صاحب هذا القبر يعني محمداً صلى الله عليه وسلم ) فما بال أقوام ربطوا الحق بذاك الشيخ أو ذاك العالم وصار كل من سواهم إذا خالف قولهم ضال مبتدع حتى لو كان من خالف قولهم له سلف وخلف يقولون بهذا القول ممن هم من العلماء الأتقياء ، مما لا شك فيه أن المرء عليه أن يعلم ممن يأخذ دينه وكما قال ابن سيرين رحمه الله: (إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذوا دينكم) ولكن هذا لا يعني أن نطلق لألسنتنا العنان في تفسيق وتبديع وتكفير كل من خالفنا فيما يسوغ فيه الخلاف ويقبل ولو نظرنا إلى العلماء الربانيين في عصرنا هذا كابن باز وابن عثيمين رحمهما الله لوجدنا بوضوح سيرهم على هذا المنهج المعتدل وعدم تفسيقهم وتبديعهم لمن خالفهم الرأي ولو سمعنا كل ردودهم على من شطحوا حتى في أمور العقيدة فإننا لن نجد تعيينهم لأحد بالفسق والكفر وإنما تجد كل ردودهم في سياق التعميم وعدم التخصيص مثل قولهم : من قال بهذا القول فهو قول الرافضة أو قول الأشاعرة او الخوارج أو غيرهم ولكن لاتجدهم ينسبون الضلال لأحد من الناس بعينه ولعل ردود الشيخ ابن باز على سبيل المثال على أقوال سيد قطب رحمه الله التي قد تعتبر شنيعة في بعض الأمور إلا أنك تجده يعتذر له ويحمل له العذر ويدعو له ويترحم عليه ولا أعظم من شفاعته في سيد قطب حين أمر بإعدامه جمال عبدالناصر عليه من الله مايستحق ،أيها الأحبة إن الحديث في هذا الأمر يطول ويطول وقد أكون ارتقيت الى درجة أعلى من التي استحقها وتكلمت فيما هو من شأن العلماء الراسخين ولكن ما صرنا نراه من تبعية عمياء لدى البعض وعدم وجود ميزان في قبول كلام الآخرين أو رده صار مدعاةً لطرح مثل هذا الموضوع بكل صراحة وجرأة وصار لا بد فيه من إزالة الغشاوة التي غطت على بصائر البعض وصار شغلهم الشاغل هو التنقيب في أخطاء فلان وعلان وجعلوا ميزان الصواب والخطأ هو قول العالم الفلاني متناسين أعظم ميزان وهو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وهذا الميزان يجعلنا نأخذ الحق حتى لو من فاجر فاسق فقد صدق ذاك الشيطان أباهريرة رضي الله عنه وهو كذوب وكلنا يعلم هذا الحديث، وهذا الميزان يجعلنا كذلك نرد الباطل لو على أعلم أهل الأرض وأتقاهم مع احتمال العذر له من جهل أو تأويل للنص أو غير ذلك من الأعذار التي قررها أهل العلم لمن أخطأ في قول أو فعل، وهذا ما يظهر بوضوح وجلاء في أقوال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله في ردوده على كثير من المخالفين لا سيما في أمور العقيدة وكيف كان يحمل لهم الأعذار ولا يحكم عليهم بكفر أو فسق الا بعد ثبوت الشروط وانتفاء الموانع ، فليتق الله كل من زلت قدمه في هذا الباب وليعلم أن زلات اللسان تودي الى النيران وتوجب غضب الجبار وكثيراً ما كانت الوقيعة في العلماء والدعاة وأهل الخير سبباً في سوء الخاتمة نسأل الله السلامة والعافية فاللهم إنا نسألك أن تعصم ألسنتنا من الباطل ومسالكه وأن تنقي قلوبنا من الحقد والبغضاء وأن تجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين ....


مـ ـنـ ـقـ ـو ل