أرجو أن يكون هذا الموضوع مفيدا خاصة في النقد.



خذ ورقة بيضاء وضع في وسطها بقلم عريض نقطة سوداء، أرفع الورقة أمام أصدقاءك أو إخوانك واسألهم: ما هذا؟ في الغالب ستكون إجابتهم: نقطة سوداء! هؤلاء نسوا أن أمامهم صفحة بيضاء ناصعة البياض كما تقول إعلانات منظفات الغسيل، نسوا أن معظم مساحة الصفحة نظيفة لا يوجد فيها شيء، لكنهم لم يلتفتوا لهذا بل ركزوا على النقطة السوداء فقط، ولو كانوا أكثرة دقة لقالوا: صفحة بيضاء فيها نقطة سوداء.
دعونا من هذه الفلسفة، ما أريد أن أقوله هنا أن الناس يركزون على النقاط السوداء في كل شيء حولهم إلا ما يحبون، لننظر إلى متعصبي الأندية الرياضية مثلاً، هؤلاء سيرون كل نقطة سوداء في كل نادي إلا النادي الذي يتعصبون له فهو دائماً صفحة بيضاء، كذلك الأمر مع من يتعصب لأي شيء آخر سواء كان سيارة أو نظام تشغيل أو هاتف نقال.
وبعض الناس لديهم هواية الشكوى من كل شيء ونقد كل شيء، حتى أنك لا تراهم إلا وتعرف أن لديهم شيئاً ما ينتقدونه، بعضهم يفعل ذلك فقط لمجرد النقد لا لرغبة في التطوير والتغيير، وبعضهم يفعل ذلك لمجرد التقليل من شأن الآخرين كوسيلة ليرفع من شأن نفسه، والبعض يتمادى في نقده فيخلط معه شيئاً من قلة الأدب ويسميها صراحة وهي وقاحة وإذا اعترض عليه أحد أحتج قائلاً: أنتم لا تحبون الصراحة، أنتم تحبون المداهنة والنفاق وتكرهون كل شخص صريح مثلي!
النقد أيسر أنواع التفكير

يظن البعض أن النقد شطارة لكن حسب ما قرأت في كتب التفكير النقد أبسط أنواع التفكير ويمكن للجميع ممارسته بسهولة، في الحقيقة الكثير من الناس يمارسون هذا النوع من التفكير طوال الوقت، ولا يحتاج الإنسان نظارة سوداء ليرى كل شيء بلون قاتم، فهو في الأصل يرى الجانب المظلم من الناس والأشياء.
هذا الكلام لا ينطبق على الجميع بالطبع، لكن أنظر حولك وتأمل الناس، عائلتك وأصدقائك وأصحاب المدونات، بعض المدونات متخصصة فقط في الشكوى والنقد وليس هذا شيئاً سيئاً أو جيداً، أنا فقط أصف الوضع هنا.
ما هو سيء في النقد ليس النقد ذاته بل الأسلوب، عندما يكون الإنسان مجرد آلة نقد لا تتوقف فلا بد أن الناس لن يرغبوا في مصاحبته والجلوس معه طويلاً، كذلك الناس سيتجنبون الشخص الذي ينتقد بوقاحة، قد يكون هذا الوقح حسن النية ويريد الإصلاح فعلاً لكنه أساء الفعل وغالباً ستكون ردة الفعل سيئة.
لنلبس نظارة وردية

حقيقة لا ألوم من تعود على الشكوى والنقد، حال مجتمعاتنا صعب، هناك فقر وجهل وظلم بمستويات متفاوتة في الدول العربية، والتعليم يقتل كل تفكير خلاق متفائل، فماذا بقي للإنسان لكي يتفائل ويرى الأشياء بنظارة وردية؟
شخصياً أرى أن هناك أمور كثيرة تستحق فعلاً أن نسعد بها ولا نفسد اللحظات السعيدة بتفكيرنا المتشائم الناقد، إن أراد الإنسان أن ينظر للأشياء بعقلانية وتوازن فعليه أن ينظر لثلاثة أشياء:
  • الإيجابيات.
  • السلبيات.
  • الأشياء الجميلة أو المثيرة.
فمثلاً لو رأى شخص منا سيارة ما، عليه فقط أن يذكر إيجابيات هذه السيارة وسلبياتها والأشياء التي تعجبه فيها، مارس هذا التمرين البسيط بينك وبين نفسك، لا حاجة لأن تكتب شيئاً، فقط تأمل الأشياء من حولك، ودعونا نأخذ مثالاً عملياً.
شخصياً أحب السيارات الصغيرة وأفضلها على أي سيارة كبيرة أو فخمة، هذا الميول نحو السيارات الصغيرة يسير عكس ما يحبه أغلب الناس هنا في بلدي، فأكثر الشباب عندما يفكرون في شراء سيارة فهم يفكرون في السيارات الفخمة وسيارات الدفع الرباعي، شخصياً أرى أن السيارات الكبيرة مضيعة للمال ما دام أن المرء ليس لديه زوج وأطفال.
ليس هذا موضوعنا، دعونا نطبق النقاط الثلاث على السيارات الصغيرة، سنرى أن إيجابيات هذه السيارات هي:
  • الحجم الصغير يناسب المدن المزدحمة.
  • استهلاك منخفض للوقود وهذا أمر مهم في ظل ارتفاع أسعار النفط.
  • الاستهلاك الأقل للوقود يعني تلوث أقل.
  • تكاليف قطع الغيار وصيانة السيارة ستكون منخفضة.
  • سعر السيارة غالباً سيكون منخفضاً ولن يثقل كاهل المشتري.
السلبيات:
  • الحجم الصغير يعني مساحة ضيقة من الداخل.
  • الناس الذين يقيمون الشخص من سيارته سينظرون لمالك السيارة بنظرة دونية (للأسف!).
  • إن وقع حادث ما هناك فرصة أكبر لحدوث إصابات في السيارات الصغيرة.
  • قد لا تتحمل السير في رحلات طويلة.
  • لا يمكنها تحمل أوزان كبيرة، لذلك هي لا تناسب من يعاني من البدانة ولا تناسب العائلات الكبيرة.
أما المثير أو الجميل في السيارات الصغيرة بالنسبة لي أنه عملية مسلية، قد يجدها البعض مملة غير عملية، وهذا أمر طبيعي، الأشياء الجميلة هي أشياء لا يمكن أن نعطيها حكماً واحداً يوافق عليه الجميع، لكن الإيجابيات والسلبيات هي أمور منطقية من المفترض أن يوافق عليها الجميع إن فكروا بنفس المنطق.
عملية التقسيم هذه إلى إيجابيات وسلبيات وأشياء مثيرة تعطي للمرء فرصة لأن يفكر بعقلانية وتوازن ولا يلغي دور العاطفة أيضاً، فحاول أن تنظر للأشياء من حولك بهذه النظرة، وعندما أقول الأشياء من حولك أعني هنا كل شيء، الناس، السيارات، المباني، لافتات الإعلانات، وأي شيء.
مع أن هذا التمرين الصغير بسيط وبديهي إلا أن أغلب الناس لا يفكرون بهذه الطريقة بل ينظرون للأشياء بشكل سلبي، والقليل منهم ينظرون للإيجابيات فقط وهناك من يخلط العاطفة مع أحد الجانبين فتلاحظ أن تفكيره يسير حسب عواطفه.
هل هناك فعلاً ما يستحق النظرة الإيجابية؟

نعم، هناك الكثير، السعادة لن يجدها المرء في أشياء يشتريها أو أموال يكنزها، السعادة قد تكون في أشياء بسيطة صغيرة، شخصياً أجد متعة في المشي والتأمل، في القراءة، في اللعب مع الأطفال، في تأمل الطيور، صحيح أنني أسعد عندما أشتري شيئاً ما لكن هذه سعادة مؤقتة تذهب سريعاً.
أنظر من حولك، هناك شيء ما بكل تأكيد يستحق أن تنظر له بإيجابية، فإن لم تجد فحاسب نفسك ولا تلقي باللوم على الناس والبيئة من حولك، تذكر الصفحة البيضاء التي فيها نقطة سوداء، أنظر لها من بعيد وسترى الصفحة كاملة كما هي، لكن لا تلصقها بعينك لأنك لن ترى إلا النقطة السوداء فقط.