سعود البلوي*
(نويوأكي نوتوهارا) أراد أن يقول للقارئ العربي رأيه الصريح بالعرب والثقافة العربية. ونوتوهارا ـ لمن لا يعرفه ـ هو أستاذ الأدب العربي في جامعة طوكيو التي بدأ طالبا بها قبل 40 عاما ثم عمل على ترجمة العديد من القصص والروايات العربية إلى اللغة اليابانية مهتما بنجيب محفوظ وطه حسين وعبدالرحمن الشرقاوي وغسان كنفاني، وغيرهم ممن برز إبان بدايات عصر التنوير العربي. ألف نوتوهارا كتابه "العرب: وجهة نظر يابانية" باللغة العربية وهذا أمر له دلالته حيث إنه أراد مخاطبة عقل القارئ العربي، فالنقد الذي يأتي من الخارج ـ خارج الذات غالبا ما يكون موضوعيا وإن كان يعتبره المنقود قاسيا.



يعترف المؤلف بأن هناك من أثر فيه تأثيرا عميقا من خلال نتاجه الأدبي وذكر غسان كنفاني بوجه خاص. وقد نسج هذا المستعرب الياباني علاقة قوية بثقافة الصحراء والقرية العربية بعد أن فقد اهتمامه بثقافة المدينة حسب تعبيره. ورغم تنقله بين عدة مدن عربية إلا أن الريف المصري والصحراء السورية كانا محكا حقيقيا في تجربته، حيث عاش بين هذين المكانين ما يقرب من عشرين عاما. وفيهما تعرف إلى من وثقوا الريف والصحراء أمثال عبدالرحمن منيف وإبراهيم الكوني وعبدالسلام العجيلي.



يشير المؤلف إلى أول اكتشافاته الصادمة في المجتمع العربي وهو "غياب العدالة الاجتماعية" معتقدا بأن القمع داء عضال في المجتمع العربي "ولذلك فإن أي كاتب أو باحث يتحدث عن المجتمع العربي دون وعي هذه الحقيقية البسيطة الواضحة فإنني لا أعتبر حديثه مفيدا وجديا".
ولكي نتأكد من (ادعاء) الرجل يجب أن نتفحص وجهة نظره في هذا الأمر. فهو يرى أن المجتمع العربي "مشغول" بفكرة النمط الواحد على غرار الحاكم الواحد والقيمة الواحدة والدين الواحد.
يقول: إن الناس يحاولون أن يوحدوا أشكال ملابسهم وبيوتهم وآرائهم. وتحت هذه الظروف تغيب استقلالية الفرد وخصوصيته واختلافه عن الآخرين، حيث يغيب المواطن الفرد لصالح الجماعة، وهنا يحاول الفرد أن يميز نفسه بـ "النسب" كالكنية أو العشيرة أو الثروة أو المنصب في مجتمع تغيب عنه العدالة ويسود فيه القمع، فيغيب الوعي والشعور بالمسؤولية، ولذلك لا يشعر المواطن العربي بمسؤولية تجاه الممتلكات العامة، ولذلك يدمرها الناس اعتقادا منهم أنهم يدمرون ممتلكات السلطة لا ممتلكاتهم هم.


وهكذا تغيب المسؤولية تجاه أفراد المجتمع الآخرين، فعلى سبيل المثال إن السجناء السياسيين في البلدان العربية ضحوا بأنفسهم من أجل الشعب ولكن الشعب نفسه يضحي بأولئك الأفراد المناضلين الشجعان، فلم نسمع باحتجاج أو إضراب عام يقوم به عامة الناس في المجتمع من أجل السجناء السياسيين، لأن الناس يتصرفون مع قضية السجين السياسي على أساس أنها قضية فردية. إن ذلك من أخطر مظاهر عدم الشعور بالمسؤولية.
وعن الطبقة الواعية ـ المثقفة يرى أن أخطر نتائج ذلك كله "سيطرة الشعور باللا جدوى" حتى لدى الطبقة المثقفة.



وهذه الرؤية النقدية يبدو أنها شكلت لديه من خلال تجربة بلاده (اليابان) القاسية التي انتهت بتدميرها خلال الحرب العالمية الثانية، ولكن اليابانيين وعوا أخطاءهم وقرروا أن يصححوها فاستغرق تصحيح بعضها أكثر من عشرين عاما، وهي المعاناة التي علمت اليابانيين أن القمع يؤدي إلى الدخول في الممارسات الخاطئة، ولم ينعتق اليابانيون من هذه الممارسات إلا بعد قناعة بضرورة النقد، لكن (نوتوهارا) يعتبر أن "الخوف" إحدى الكوارث في ثقافة المجتمع العربي، وأشار إلى أنهم في اليابان "يخافون" من الزلازل والحوادث الطبيعية والأزمات النووية لكنه يؤكد أنهم يواجهون هذا الخوف بطرح علامات الاستفهام حول كيفية مواجهته؟ فيقول: "لا يوجد عندنا الشخص الذي يهدد الناس ويخيفهم ليحقق لنفسه منفعة شخصية، ولكن في البلدان العربية يوجد الخوف الذي يستفيد منه بعضهم، ويوجد أشخاص كثيرون يستغلون خوف الناس، وهذا مرتبط بغياب العدالة الاجتماعية".
وضرب مثلا يوضح من خلاله تراتبية الخوف، حيث ذكر أن طلاب المدارس في الريف المصري يتألمون ويصرخون كل صباح، حيث كان أسلوب الضرب مازال معتمدا هناك وفي أغلب مدارس العالم العربي، مؤكدا أن هناك علاقة وثيقة بين القمع والخوف والخيانة الوطنية والرشوة والاختلاس التي هي في النهاية عدم الشعور بالمسؤولية الوطنية.


ويضيف نوتوهارا عنصرا مهما في تجربته النقدية للثقافة العربية وهو "العنصرية" في المجتمعات العربية، مؤكدا أن وجود العنصرية عبر التاريخ هو نتيجة (ادعاء) التفوق سواء على أساس العرق أو اللون أو الدين، وهذا أمر معروف. ولكنه يلفت النظر إلى مسألة مهمة وهي قناعته التامة بعدم قدرة البشر على التخلص من داء العنصرية وإن كانت الحضارة والزمن يساعدان على خفضها إلى الحدود الدنيا. وهو بذلك يعلم ويؤكد أن العرب عانوا الكثير من العنصرية، ولكنه يستغرب ممارسة العرب لها داخل مجتمعاتهم. وضرب مثالا طريفا في تسابق الأثرياء العرب إلى شراء السيارات الأحدث وما يصاحبه من تفاخر يتحول إلى تعال على الآخرين رغم قناعته بـ "أن ملكية السيارة في البلدان المتقدمة صناعيا لا تعد امتيازا ولا تختلف عن امتلاك دراجة عادية".



وعن الرقابة الذاتية الصارمة ذكر قصة طريفة مفادها أنه سافر وزوجته إلى البادية والتقى ببدوي لطيف وطيب استضافه وزوجته، ولكنه عندما قدم للزوجة القهوة العربية أدار وجهه عنها، ويقول إنه حينما سأله عن السبب وضح له أنه يحترم زوجته، ولذلك لم ينظر إلى وجهها. وتشير تفسيراته واستشهاداته إلى أن الأمر ليس سوى قمع للذات! وهو يربط مسألة قمع الذات باختيار الملابس، إذ يتبنى رأي علماء الاجتماع بأن الملابس "لغة". فكل فئة في المجتمع لها ملابسها الخاصة كرجال الشرطة والدين، وأيضا هناك لباس للأفراح والأتراح وبعض فصول السنة كما هو معروف. ولكنه يرى أن ثقافة اللباس غائبة عن المجتمع العربي (المتحضر)، حيث أصبحت أحد وجوه القمع ـ القمع للجسد. مستثنيا من ذلك ملابس المجتمع البدوي التي يرى أنها تنطوي على جانب مهم في حياة الصحراء، حيث ليست الزينة أحد أهدافها الرئيسية. غير أن الحواضر العربية ـ برأيه ـ مازالت تتمسك بقمع أجساد الناس رغم أن الملابس يجب أن تكون عاملا مساعدا على الحرية لا قمع الروح والعقل والجسد.
وعن الكاتب العربي والقمع قدم نوتوهارا رأيا في غاية الأهمية من خلال تجربة ممتدة لأكثر من أربعين عاما قضاها تأملا وتفكيرا وتحليلا للثقافة العربية التي اختار الدخول في دهاليزها. يقول: إن عشرات حققوا في كتاباتهم وحياتهم الشخصية مستوىً رفيعا من الشعور بالمسؤولية لكن الذي حصل الآن للكاتب العربي أن معظم الكتاب العرب قد تعبوا أو يئسوا أو انهزموا، متمنيا أن يكون مخطئا بهذا الاستنتاج، مشيرا إلى أنه اكتشف أن "الكتاب النجوم" كما وصفهم، يتكلمون وكأنهم سلطة؟ "لقد شبعت جدا من كلمة الديموقراطية وكل من له علاقة بالكتاب العرب يعرف معنى التخمة من كلمة الديموقراطية، وهذا الشبع الزائد الزائف يدل بوضوح على غياب الديموقراطية.


فمثلا تجلس مع كاتب يتحدث عن الديموقراطية بلا تعب ثلاث ساعات، لكنه لا يعطي مجالا للحاضرين بالكلام! عمليا هو يمارس الديكتاتورية ومع ذلك يشكو من غياب الديموقراطية"، وهذا ما عبر عنه المؤلف بـ "الازدواجية" التي هي ضمن عقد كثيرة أشار إليها في كتابه المهم، ومنها: عقدة الشرف والكرامة والثقة وأشياء أخرى.
أظن أنها فرصة جيدة أن نرى صورتنا غير المنمقة بالرتوش من خلال "العرب وجهة نظر يابانية".

*كاتب سعودي-عن الوطن السعودية

" منقول "