[align=center]


القدوة..


بين الاقتداء المحمود والتقديس المذموم

[/align]

[align=right]
الحمد لله ربِّ البرية والصلاة والسلام على قدوة البشرية صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه برضية.

فما هي القدوة التي نريد وما هو التقديس الذي لا نريد وما الفرق بينهما
فالقدوة التي نريدها هي تلك الصالحة النافعة التي تسير على صراط الله تعالى
وفق منهج الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم
فالقدوة الصالحة هي من أفضل الوسائل وأقربها للنجاح وأكثرها فاعلية في حياة الناس، وهي عنصر رئيس ذو أهمية بالغة في البناء والتربية
والتقديس الذي لا نريده هو ذلك التعلق الخاوي الذي يلغي العقل والتفكير، ويصادر الإرادة الشخصية دون الرجوع إلى الحق والاحتكام إليه




ماهو الاقتداء

الاقتداء هو الإعجاب المؤدي للاتباع، وعليه فالاقتداء هو طلب موافقة الغير في فعله
ولا يمكن بحال أن يكون الإقتداء إلغاءً أو مصادرةً للرأي والإرادة،
أو ممارسة لضغط ما، أو قسر المقتدي على أمر معين؛ لأن الإقتداء منطلق من قناعة صاحبه.
فهو جزء من إرادته وكيانه، وليس فكر مغلق.
والإقتداء ليس له مصدر موحد بل قد يكون للإنسان أكثر من قدوة في أكثر من مجال.
فعملية الإقتداء هي غريزة فطرية في الإنسان، يغذيها ما طبع عليه الإنسان من التأثير والتأثّر إضافة إلى الرغبة في المحاكاة والاستعداد النفسي للتقليد.
فالطفل الصغير -مثلاً- بحكم ضعف خبرته وقلة معرفته محتاج إلى الإتّكاء على شخصية أخرى كالأب أو الأم، ثم يتحول إلى مُعَلمه، ثم إلى من يتماس معهم في حياته سلباً وإيجاباً.




خير القدوات

ولا ريب أن أعظم القدوات قاطبة هم الرسل العظام والأنبياء الكرام الذين نصبهم الله تعالى قدوات للناس، وهداة لهم ، فهم لهم متبعون، ولآثارهم وأعمالهم مقتفون،
وقد بيَّن الله تعالى ذلك للناس فقال(أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) (الأنعام: من الآية90).
وخص الحبيب المصطفى والنبي المجتبى صلى الله عليه وسلم بقوله سبحانه:
(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) (الأحزاب:21)
فهم صلوات الله وسلامه عليهم قدوات مطلقة، ذلك أنهم معصومون.


[align=center]

[/align]


ولا تقتصر القدوات على زمن معين أو أشخاص معينين فكما هي لمن سبق تكون لمن هم أحياء.
والإنسان لا يستطيع أن يبدأ من الصفر، بل لا بد من خبرات سابقة وتجارب وأناس سبقوه في مضماره، وكل من كان لديه طموح معين فسيجد من يشاركه طموحه،
لكنه سبقه تجربةً، فيحاول أن ينسج على منواله، ويسير على خطاه مع احتفاظه بتميزه واستقلاليته وخصوصيته.
ومع معرفة أنّ (كلٌ يؤخذ من كلامه ويرد إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم ).


حال الناس مع القدوات
فمن الناس قسم انبهر بهم انبهاراً أقعده عن العمل واتَكَلَ على أعمالهم وليس له سوى التعلق الخاوي، بينما القدوة تستلزم الاتباع.
وقسم نذر نفسه لهدم هذه القدوات فليس يعجبه سوى هواه ولو على ضلالة
وقسم ثالث توسّط فاستفاد من الإيجابيات الجمّة وتمسك بما يجب أن يتمسك وسارَ على نهج قويم يأخذ ما وافق شريعة الرحمن على منهج خير الأنام وهذا هو الاقتداء المحمود.

والتقديس المذموم المنهي عنه هو ذلك الغلو في تعظيمهم، ونسب العصمة لهم بقصد أو بدون قصد، وقد يظهر ذلك في بعض العبارات التي يطلقها الأتباع والتي يُفهم منها غلو ظاهر في التعظيم لا يتماشى مع قواعد الشرع المطهّر.
فمفهوم التقديس ماهو إلا لفظة لوصف حالة إلغاء العقل ومصادرةً للرأي والإرادة
كما أنه يكون نابعاً من مصدر هوى. وأقل ما فيه أنه تقليد أعمى




مخرج

يقول الله تعالى في محكم التنزيل(وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)الأعراف (179)
أولئك القوم منحهم الله تعالى القلوب والعقول والأسماع والأبصار فلم يستخدموها كما أمرهم فكانوا كالأنعام.
فهل من العقل والحكمة أنْ نسلّم عقولنا لغيرنا؟ ولقد ذمّ الله تعالى أولئك فكانوا كالأنعام .. إذ أنهم لا يستخدمون عقولهم في التفريق بين الحق والباطل وهذا هو الاتّباع الأعمى أو الطاعة العمياء (التقديس المذموم) فهل نرضى أن نكون منهم؟
فنكون ممن يأتي يوم القيامة يصرخ ويولول ويكون كما قال تعالى
(وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا)الأحزاب (67)
ونندم حين لا ينفع الندم فما دام أنّ الله تعالى رزقنا نعمة العقل فلنستخدمها
كما أراد الله عزّ وجل



توضيح

وهل بمجرد أن نطلق صفة على انسان وإن لم يتمثل بها كاملة نكون قد وقعنا في التقديس المذموم وهذا غير صحيح.
فعندما نقول (شيخ الاسلام ابن تيمية) أو(حجة الاسلام الإمام الغزالي) أو غيرها فهذا ليس من التقديس في شيء، والتمسك بالمبادئ والثبات على المناهج ليس من التقديس في شيء
ومن أراد أن يقتدي فعليه بالإيمان بالفكرة والتعلم والعمل وفق المنهج الذي يؤمن به.
ومهما كانّ الحب والاتباع لهؤلاء القدوات فالحق أحبّ الينا من أي أحد فتمسكنا بالحق ليس تقديساً لأحد.


وإذا عرفنا ذلك فإن الاقتداء الذي لا يكون إلغاءً أو مصادراً للرأي والعقل والإرادة،
وفق منهج رباني قويم على سنة رسوله الكريم فهو اقتداءٌ محمود.
وإذا كان ذلك يؤدي إلى إلغاء الرأي ومصادرة العقل والإرادة دون بصيرة أو هدى
بل هو اتباعٌ للهوى، فهو التقديس المذموم.


والله أعلم
[/align]



[align=left]
بقلم وريشة:
هداية
[/align]