من غير الضروري أن يكون لباحث في الكيمياء حين يبتكر منجزاً علمياً خارقاً أن يكون مديراً لمصنع أدوية، أو "بتروكيماويات" ويندرج هذا الأمر على مهندس عبقري لا يصلح أن يكون مدير مشاريع بناء، والسلسلة تطول، لأن الإدارة لها عباقرتها وشخصياتها الفذة، مناسبة هذه المقدمة ما جرى لنقد مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية من قبل أعضاء في مجلس الشورى، وكيف أنها تتبع نظاماً بيروقراطياً معقداً، وأنها من خلال ثلاثين عاماً لم نرَ إنجازاً يتفق وميزانياتها والاعتمادات الأخيرة التي أطلقت يدها في الصرف على البحوث العلمية، واحتضان الكفاءات النادرة أو التعاون معها، والمحير الأكثر أنها بيئة طاردة للاختصاصيين، وهذا يجعلنا نفترض أن المؤهلين علمياً قد لا يكونون مؤهلين إدارياً، وبالتالي كيف أن مصادر عديدة في محيطنا الجغرافي قبل البحوث في الطاقة الشمسية والنخيل، والصحاري، والبحار، والمعادن والنفط وغيرها تعامل بطرق كلاسيكية رغم وفرة العطاء من الدولة، وإطلاق حرية البحوث في كل المجالات، وتشجيع الكفاءات الداخلية والخارجية..
مؤسسة الراجحي، وكبادرة منها، دفعت خمسة ملايين ريال لمركز أبحاث المستشفى التخصصي لأجل غايات طبية سيكون عائدها جيداً، وربما لو فتحت الأبواب، وبجدية ومن غير مركزية معقدة، لجاءت إسهامات أخرى من رجال أعمال ومؤسسات وشركات، وقد حدث أن كانت (تنانين) آسيا أن استعانت بخبرات عالمية في جامعاتها ومراكز أبحاثها ومعاهدها من خلال من تقاعدوا في أوروبا وأمريكا وغيرهما، وشهدنا كيف حدث السباق على جلب واحتواء علماء الاتحاد السوفييتي في مختلف أقطار العالم التي تسعى لإضافة نشاطات جديدة من خلال خبرات تلك العناصر بعد تفكك تلك المنظومة السياسية والمؤدلجة..

السباق على الكفاءات النادرة أصبح جزءاً من أهداف استراتيجية للقوى المتقدمة، ولعل أمريكا أكبر دولة في العالم في استقطاب هذه الكفاءات وبشروط وامتيازات لا تتعادل معها أي دولة، ونحن لم ندخل هذه السباقات، لكن لدينا بدايات لمواهب وعلماء وميدان بحوث في كل بيئتنا، لكن ما يؤسف له أن الأنظمة الإدارية المتخلفة سواء بمدينة الملك عبدالعزيز، أو الجامعات لم تتقدم خطوة في هذه النشاطات، رغم ما نردده أن الاستثمار في الإنسان أصبح يقود التنمية الشاملة، والتحديات لدينا ليست فقط أن نتحدث عن نبوغ شاب صغير أو نجاح بحث لجامعة أو مؤسسة ما، وإنما تجميع المواهب والكفاءات في منظومة واحدة لا تخضع إدارياً لمركز أو جهة لا تجعل أداءها بأهمية هذه الضرورات، وإنما ربطها بأعلى السلطات حتى نؤسس جهة لديها القدرة على الأداء والعمل بدون عوائق .


* نقلا عن صحيفة "الرياض" السعودية