الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
من المصائب التي انتشرت في هذا الزمان، وخاصة بين الشباب، تلك الكتب التي ألفها أهل البدع التي امتلأت بالعقائد الفاسدة والأخطاء الحديثية والفقهية والمنهجية، وانطلت على الشباب في بدايتهم لطلب العلم بسبب ترويجها وتدريسها للشباب المبتدئين الذين لا يميزون بين الحق والباطل، وبين السنة والبدعة، وبين الأخذ بالدليل الصحيح والتقليد، بحجة معرفة ما فيها من الانحراف والضلال [زعموا] وهذا منهج باطل لمخالفته لمنهج السلف الصالح.
وأخذ العلم عن أهل البدع من أشراط الساعة، قال صلى الله عليه وسلم: "إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عن الأصاغر". [حديث صحيح أخرجه اللالكائي في أصول الاعتقاد 1/102] والأصاغر هم أهل البدع.
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من قراءة كتب أهل الكتاب، فعن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ أن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فغضب فقال: "أمتهوكون فيها ابن الخطاب، والذي نفسي بيده لو أن موسى عليه السلام كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني" [أخرجه الإمام أحمد والدرامي والحديث حسن].
قلت: فانظر كيف أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على عمر بن الخطاب رغم أن في هذا الكتاب ما هو حق.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: "وهذه حقيقة قول من قال من السلف والأئمة، إن الدعاة إلى البدع لا تقبل شهادتهم، ولا يصلى خلفهم، ولا يؤخذ عنهم العلم ولا يناكحون، فهذه عقوبة لهم حتى ينتهوا" [مجموع الفتاوى 28/205].
وبالرجوع إلى المأثور عن السلف في هذه المسألة، نجد أقوالهم جاءت محذرة من تلقي العلم عن أهل البدع، فعن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ قال: "انظروا عمن تأخذون هذا العلم فإنما هو دين" [الكفاية للخطيب البغدادي ص 121].
وعن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أنه قال: "دينك دينك إنما هو لحمك ودمك، فانظر عمن تأخذ، خذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا" [المصدر نفسه ص 121].
وعن محمد بن سيرين ـ رحمه الله ـ: "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم" وقال: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم" [أخرجهما الإمام مسلم في المقدمة].
وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ: "قال المروذي: قلت لأحمد: استعرت كتابا فيه أشياء رديئة ترى أن أخرقه أو أحرقه؟ قال نعم فاحرقه، وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم بيد عمر كتابا اكتتبه من التوراة وأعجبه موافقته للقرآن فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى ذهب به عمر إلى التنور فألقاه فيه" [الطرق الحكمية ص 275].
قلت: فانظر كيف أمر الإمام أحمد بحرقه رغم أنه قال له المروذي فيه أشياء رديئة، بمعنى أن فيه أشياء صحيحة إلا أنه قال له أحرقه ولم يلتفت إلى ما فيه من صحيح، وفي هذا رد على الذين يقولون نحن نأخذ الخير الذي في كتب أهل البدع ونحذر من الشر الذي فيها، فإذا كنت حريصا على تعليم الناس الخير، فلماذا لا تأخذ الخير من منابعه الأصلية كتب السلف.
مثال ذلك: عينا ماء إحداهما صافية نقية، والأخرى عكرة مليئة بالطين والكدر والوسخ والقذر، فهل يقول عاقل: اذهب إلى العين الثانية ذات الطين والوسخ والقذر، وخذ منها الماء، واترك العين الصافية النقية؟ لا يقول ذلك عاقل.
ومثال آخر: عندك عسل مصفى من الشوائب وآخر فيه شوائب، هل من الحكمة والعقل أن تشغل نفسك بالعسل المغشوش بحجة أنك تنقيه من الشوائب، وتترك العسل المصفى؟ وقد تكون ممن لا يحسنون التنقية فتضر نفسك وتضر الآخرين.
ومثال آخر: طالب في الامتحان عند إجابتان على سؤال ما إحداهما صحيحة والأخرى مشكوك في صحتها فهل يكتب الإجابة الصحيحة؟ أم الأخرى؟
وقال الشيخ موفق الدين ـ رحمه الله ـ في المنع من النظر في كتب المبتدعة قال: "كان السلف ينهون عن مجالسة أهل البدع والنظر في كتبهم والاستماع لكلامهم" [الآداب الشرعية 1/232].
"وقد أحرق علي بن يوسف بن تاشفين كتاب إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي، وكان ذلك بإجماع الفقهاء الذين كانوا عنده" [المعيار المعرب 12/185].
قلت: هذا الكتاب فيه خير وشر، لكن لم يأخذ بعين الاعتبار الخير الذي فيه، لأنه يغلب على الناس عدم تمييزهم بين الخير والشر، والخير الذي فيه موجود في كتب السلف، فلماذا لا نرجع إلى الأصل، ونأخذ العلم من منابعه الأصلية، وهذا يعتبر من علو الإسناد.
وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ: "وقد حرق الصحابة جميع المصاحف المخالفة لمصحف عثمان، لما خافوا على الأمة من الاختلاف، فكيف لو رأوا هذه الكتب التي أوقعت الخلاف والتفرق بين الأمة... ثم قال: والمقصود أن هذه الكتب المشتملة على الكتب والبدعة يجب إتلافها وإعدامها، و هي أولى بذلك من إتلاف آلات اللهو والمعازف وإتلاف آنية الخمر، فإن ضررها أعظم من ضرر هذه ولا ضمان فيها..." [الطرق الحكمية ص 282].
قلت: إذا كان الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ حرقوا المصاحف المخالفة لمصحف عثمان خشية الاختلاف، فكيف بالذين يدرسون كتب أهل البدع التي فيها الاختلاف، بل تدعو إليه.
وقال العلامة ابن عثيمين ـ رحمه الله ـ: "ومن هجران أهل البدع ترك النظر في كتبهم خوفا من الفتنة بها أو ترويجها بين النسا، فالابتعاد عن مواطن الضلال واجب لقوله صلى الله عليه وسلم في الدجال: "من سمع به فلينأ عنه فو الله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يبعث به من الشبهات" [رواه أبو داوود وقال شيخنا الألباني إسناده صحيح].
لكن إن كان الغرض من النظر في كتبهم معرفة بدعتهم للرد عليها فلا بأس في ذلك لمن كان عنده من العقيدة الصحيحة ما يتحصن به وكان قادرا على الرد عليهم بل ربما كان واجبا لأن رد البدعة واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب " [شرح لمعة الاعتقاد 159-160].
قلت: هناك فرق بين النظر في كتب أهل البدع للنظر فيها والرد عليه والتحذير منها وبين تدريسها فتنبه.
وسئل العلامة الفوزان ـ حفظه الله ـ: ما هو القول الحق في قراءة كتب المبتدعة وسماع أشرطتهم؟
فأجاب: لا يجوز قراءة كتب المبتدعة ولا سماع أشرطتهم إلا لمن يريد أن يرد عليهم ويبين ضلالهم [الأسئلة المفيدة على أسئلة المناهج الجديدة ص 70].
وتدريس كتب أهل البدع فيه إظهار لهم ورفع لشأنهم وإدخال محبتهم في قلوب الناس وتربية النشء على بدعتهم، وأمرنا بهجرهم وبغضهم والتحذير منهم والتنديد بهم وعدم أخذ العلم من كتبهم.
وعلى طالب العلم أن لا يأخذ إلا من كتب السلف وعلى أيدي العلماء الربانيين، ولا يغتر بمن يلبس عليه بحجة تنقيتها والتحذير مما فيها من أخطاء وضلال، فكان السلف يحذرون من هذه الكتب.
وهكذا كان السلف يعاملون أهل البدع ومؤلفاتهم، فقف حيث وقفوا فإنه يسعك ما وسعهم والسلامة كل السلامة والفوز كل الفوز باجتنابهم وهجرهم، فلك في سلفك الصالح قدوة وأسوة.
والحذر كل الحذر من مخالفة منهجهم، ومن مال عن السنة فقد انحرف عن طريق الجنة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
كتبها: سمير المبحوح
17/ذي الحجة/1426هـ